لا لأشكال الإرهاب كافّة

شوقي مسلماني/كاتب وشاعر يقيم في سيدني – أستراليا

اللقاء الذي عُقِد مؤخّراً في كانبيرا (العاصمة السياسيّة لأستراليا) بين رئيس الوزراء الفيدرالي جون هاورد وبين ممثّلين عن أبناء الجالية المسلمة، استقبلته كافّة الأوساط السياسيّة والدينيّة والإعلاميّة المحليّة بالترحاب. فمبدأ التواصل لم يكن مطلوباً كاليوم، خصوصاً بعد تفجيرات لندن وشعور أسترالي عارم بأن دور أستراليا سيأتي. ففي ذهن كل أسترالي أن كلّ دولة وقفت إلى جانب أميركا في غزو العراق سيصيبها "الإرهاب".

التفجير الذي أصاب مدريد حاضر في الذهن. والتفجيرات التي أصابت لندن لا تزال شظاياها لزجة بالدم. وأستراليا ساهمت باحتلال العراق.

تفجير مدريد قام به مسلمون مقيمون. تفجيرات لندن قام بها مسلمون بريطانيّون. التفجير المرتقب سيكون في أستراليا وعلى أيدي مسلمين محليين. هذا بالضبط ما يدور في ذهن كلّ أسترالي من المواطن العادي حتى الرأس مروراً بكلّ الهيئات الزمنيّة والروحيّة والثقافيّة والإعلاميّة والساسيّة. طبعاً قلّة الذين صرّحوا بذلك. الذعر الذي أصاب الأستراليين جميعاً وعبّر عن ذاته في مختلف وسائل الإعلام يلمّح ويصرِّح ويقطع الشكّ باليقين. لا أحد يشكّ بالحقيقة: أستراليا في العراق، وأستراليا أيّدت غزو العراق. من هنا التواصل مطلوب بين الحكومة الأستراليّة والجالية المسلمة كمسعى لا بدّ منه ضمن مساعٍ حثيثة وكثيرة لكي لا تتجرّع أستراليا من الكأس الذي تجرّعته أسبانيا ثمّ بريطانيا. علماً أن أستراليا ذاقت طعم الإرهاب في تفجير بالي وفقدت هناك 88 شخصاً من مواطنيها. أبناء الجالية في عموم أستراليا رحّبوا باللقاء أيضاً وإن كان مخيِّباً للآمال لجهة النقص في تمثيل كافّة فعّاليات المسلمين الأستراليين ولجهة تعمّده استثناء مَنْ وُصِفوا بالتشدّد. رحّبوا باللقاء رغم تأكيدهم مُمَثَّلين بفعّاليين كُثُر أن الحوار لا يكون (بين جورج وجورج) بل بين جورج وآخر بينه وبينه مسألة. رحّبوا باللقاء وهم يتساءلون: هل كان في ذهن الممثّلين المسلمين وعددهم 13 شخصاً وهم يتوجّهون إلى كانبرا فكرة عمّا يريدونه من الإجتماع برئيس الوزراء الفيدرالي جون هاورد؟. هل كان في ذهنهم ماذا يريد منهم السيّد هاورد بالضبط؟. هل كان في ذهنهم مطلب محدَّد، مطلق مطلب؟.

قالت الحكومة أنّ الإرهاب في أستراليا مرفوض وكذلك تقول الجالية المسلمة. الممثّلون الذين التقوا بالسيّد هاورد هل قالوا له أنّ الإرهاب مرفوض في الخارج أيضاً؟. لم يرشح عن أحد أنّ مثل هذا الكلام قد قيل في اللقاء الذي استمرّ ساعتين. هل طلب أحد من الملتقين وجوب وضع تعريف للإرهاب لكي يُعالَج بالطريقة المناسبة؟. لم يرشح عن أحد أن هذا الطلب جرى التداول به. هل طلب أحد من السيّد هاورد أن يسحب القوّات الأستراليّة من العراق كخطوة مساعدة جدّاً على منع وقوع حدث إرهابي بغيض في أستراليا؟. لم يرشح عن أحد أن هذا الطلب كان على جدول التباحث أصلاً. الجانب الحكومي في اللقاء ألمح إلى وجوب مراقبة البرامج التعليميّة في 29 مدرسة إسلاميّة كبيرة في أستراليا. تحدّث الجانب الحكومي عن وجوب تعميم رجال دين مسلمين محليين بدل استجلاب رجال دين معمّمين من الخارج. أكّد الجانب الحكومي على أن "الشريعة" الإسلاميّة لا تناسب نظام الحكم المحلّي. حثّ الجانب الحكومي مَن يريد العيش في بلد تحكمه الشريعة على الرحيل إليه. إلى ماذا ألمح وبماذا تحدّث وعلى ماذا أكدّ وحثّ الجانب المسلم في هذا اللقاء؟. كلّ ما رشح أن الجانب المسلم كان في اللقاء كمن يفتح فمه ثمّ لا يقول كلمة.

حظي اللقاء بترحيب أبناء الجالية المسلمة مبدئيّاً لكن التفصيل لم يكن بمستوى التوقّعات ولو بحدِّها الأدنى. الجانب الحكومي التقى الجانب المسلم ليطلب منه مطالب مسلََّم بها من قبل الجميع وربّما من قبل المسلمين قبل غيرهم وهذا مفهوم في أجواء محتقنة سياسيّاً ودينيّاً مذهبيّاً وعنصريّاً. إنّما هل يلتقي الجانب المسلم هذه المرّة بالجانب الحكومي ليطلب منه مطالب لا تقل أهميّة وإفهامه أنّ تانغو الإرهاب أيضاً يشترك في تأديته إثنان وإنّ الإرهاب الحكومي أشدّ فتكاً وأدعى للإستنكار من الإرهاب الأهلي؟.

نعم لمطالب الحكومة ونعم يجب أن يكون للممثّلين الإسلاميين "المعتدلين"، كما وصفهم السيّد هاورد والإعلام المحافظ، نعم يجب أن تكون لهم مطالب مسؤولة. ولا لأشكال الإرهاب كافّة.