التراجع عن الخطأ فضيلة
مبادرة "هيئة علماء المسلمين" تضر بعملية تحرير العراق
عوني القلمجي
حين يعترف وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، بعجز قواته المحتلة، عن تصفية المقاومة الوطنية العراقية، وكان قبلها قد فشل قي إقناعها، بالتخلي عن سلاحها، فإن ذلك يجسد وبقوة حجم المأزق الذي يواجهه بوش، وإدارته في العراق ونتائجه الخطيرة على صمود قوات الاحتلال فترة طويلة. بالمقابل تواجه العملية السياسية، صعوبة بالغة بإثبات وجودها، وفي توسيع إطار المشاركة فيها، من قبل القوى الوطنية المناهضة للاحتلال. أما الدستور الذي راهن بوش على انجازه كورقة يستخدمها في تغطية فشله، أمام الشعب الأمريكي والعالم، فأنه ولد ناقصا ومشوهاً، وقسم البلاد والعباد. ووجه برفض شعبي عام، من خلال التظاهرات التي عمت أرجاء البلاد. وحتى الحوزة العلمية وبعض آيات الله العظام، وفي المقدمة منهم السيستاني، فقد تردت حالتها وفقدت هيبتها وانحطت مكانتها، وبالتالي فقدت قدرتها على تقديم خدمات مفيدة ومجدية لقوات الاحتلال كما فعلت في السابق.
والاستطراد هنا له وظيفة، فنحن اليوم أمام منعطف جديد في سياسة الإدارة الأمريكية، التي تهدف هذه المرة، إلى تقديم التنازلات الطفيفة إلى القوى الوطنية الرافضة للاحتلال، إلى جانب تصعيد عملياتها العسكرية ضد معاقل المقاومة الوطنية والتلويح لها في إمكانية خفض قواتها العسكرية، والانسحاب خارج المدن، وإشراك الأمم المتحدة، في الإشراف على العملية السياسية، اذا ارتضت الدخول فيها. ويبدو ان هذه القوى قد سال لعابها، وردت التحية بمثلها، بل وبأحسن منها. فسارع بعضها الى تكتيل نفسها في ندوة بيروت، في محاولة لخلق جبهة وطنية عريضة تضم جميع هذه القوى والاحزاب، استعدادا لليوم الموعود. ومع فشل هذه المحاولة في تحقيق الجبهة العتيدة، لازال مصمميها مستمرين في نشاطانهم لانجاح هذه المحاولة، وكان اخر هذه النشاطات الاجتماع الذي عقد في لندن قبل عدة ايام.
ويبدو ان هيئة علماء المسلمين قد تقدمت نيابة عن هؤلاء، باعلان مبادرة يوم الاربعاء الماضي، والتي تتلخص في دعوة الإدارة الأمريكية، الى العمل على إنهاء احتلالها للعراق، بجدولة انسحابها وتحويل الملف العراقي إلى الأمم المتحدة، للإشراف على العملية السياسية، ودعت الهيئة الشعب العراقي، ليقول كلمته ويساند هذه المبادرة وبشكل عاجل.ونعتقد ان الامريكان لن يفوتوا هذه الفرصة مادامت مطالب الهيئة عائمة ويسودها الارتباك والتناقض.
وتزداد خطورة هذه المبادرة لما لهذه القوى من اتباع ومريدين، في اوساط العراقيين الذين لم يحسموا امرهم بعد، بالانحياز الكامل الى خط المقاومة. الامر الذي قد يؤدي الى الحاق الاضرار بها وقد تؤخر من عملية تحرير العراق. اما في حالة اشتراك هذه القوى في العملية السياسية، فان الضرر سيكون اشد ايلاما، وهذه حقيقة لا يجب تجاهلها، تحت جحة وان كانت قوية من ان ظهر المقاومة لا ينحني لمثل هذه الصفقات.
ومن دون الدخول في مناقشات لا طائل تحتها، حول خطورة هذه المبادرة، نرى من واجبنا ان نبصر هذه القوى الى مواطن الضعف والخيال في هذه المبادرة، دون ان نلتفت الى عمليات الابتزاز التي يمارسها البعض، ضد عملية النقد المتبادل بين القوى الوطنية. خاصة وان بعض الظوهر تشير اذا صدق الرواة بتورط بعضها او طرفا منها في مفاوضات سرية، جرت في العديد من العواصم العربية. ويبقى النقد بما فيه نقد السلاح ظاهرة صحية، تمكننا من اعادة بعض الحسابات الخاطئة، وترتيب الاوراق التي تخص عملية التحرير وأي رأ ي مخالف لهذه الحقيقة يعد مكابرة لا مبرر لها.
من هذا المنطلق نجد ان من حقنا، ان نحاكم هذه المبادرة بهدوء وروية، بشقيها، جدولة الانسحاب وتحويل الملف العراقي الى الامم المتحدة، وهل سيؤدي ذلك فعلا الى انهاء الاحتلال ولو بعد حين من الدهر.؟
الحديث عن جدولة الانسحاب، وان تعمل امريكا نفسها على انهاء احتلالها، ينم عن تجاهل لطبيعة اهداف الاحتلال وابعادها القريبة والبعيدة، وكونها لاتخص العراق ولا المنطقة العربية وحدها، وانما تخص العالم في كل انحاء المعمورة، ولم يعد هناك من خلاف من ان انسحاب امريكا من العراق طواعية، للخروج بماء الوجه او تحت شدة ضربات المقاومة، يعني فشل مخططها الكوني كله. اذا كان ذلك صحيحا وهو صحيح قطعا، اذن كيف يمكن للادارة الامريكية ان تقبل في هذا الوقت بالذات، بجدولة الانسحاب، في حين اعلن بوش ان لا انسحاب من العراق، حتى وان كان على مراحل، مادام هو رئيس للولايات المتحدة حتى عام 2009. بل واعتبر خطوة كهذه مكافئة "للارهابيين". وعلى ارض الواقع فان البنتاغون، قد وضع خطة لبقاء القوات مدة اربعة سنين اخرى.وان ثلاثين الف جندي سيصلوا الى العراق مع نهاية هذا العام.
لا نريد في هذا الصدد ان نكرر نفس المقولات العادية، والتي يكاد المرء يذهل كلما وجد نفسه مظطرا للعودة اليها او لتكرارها. ولكن ما باليد حيلة، وقد عاد الحديث عنها مجددا، ولذلك سنتكتفي بذكراهمها. فعلى سبيل الافتراض بان امريكا ستقبل بجدولة الانسحاب لسبب ما، ترى ما هي الفترة الزمنية التي تقتضيها لانسحاب اخر دفعة من قوات الاحتلال؟، ثم من سيرعى هذا الاتفاق اذا اخلت امريكا به؟، ثم ماذا سيكون موقف هذه القوى من المقاومة المسلحة التي سترفض مثل هذا الاتفاق، وتعتبره تكريسا للاحتلال؟. ولكي لا نطيل نسال ما هو الثمن المقابل لهذا الانسحاب؟ هل هو مال لتعويض خسائر المحتل المادية والبشرية؟. ام نفط العراق كله ؟ ام قواعد عسكرية دائمة ؟ او اتفاقات تجارية وسياسية يتم من خلالها بيع العراق للولايات المتحدة كما هو حاصل الان ام شيئا اخر لانعلمه؟ لا اظن ان احد يتخيل بان امريكا جاءت محررة لا مستعمرة وانها لا تريد جزاءا او شكروا.
اما الشق الثاني من المبادرة، وهو تحويل الملف العراقي الى الامم المتحدة. فهذا يعد طامة كبرى. ومع هذا نسال. ترى متى يبدا هذا الدور؟ هل يبدأ بمجرد الاعلان عن جدولة الانسحاب ؟ وفي هذه الحالة، هل يمكن لهذه المنظمة الدولية ان تساعد في انهاء الاحتلال، وهي التي وظفت نفسها لخدمته وشرعنته، وساهمت مساهمة فعالة في خلق وتثبيت صيغه السياسية، سواء بالنسبة لمجلس الحكم المقبور، ثم حكومة علاوي، ولاحقا الانتخابات وما نتج عنها من حكومة الجعفري.؟ ثم الم تصمت قبلها عن خرق قوات الاحتلال، لقوانين والتزامات الدولة المحتلة، حين حطمت، الدولة العراقية وحلت جيشها وغيرت نظامها ودستورها ونمط اقتصادها الخ.؟ ثم هل يجوز ان نثق بقدرة الامم المتحدة، اذا استلمت الملف العراقي ان تتخذ اجراءا واحد، يتعاكس مع اهداف الاحتلال ؟ ثم هل نست هذه القوى ما بذله الاخضر الابراهيمي من محاولة لانقاذ سمعة هذه المنظمة الخائبة، لتشكيل حكومة مؤقتة ومقبولة من العراقيين، وكيف جاء (بريمر) في الساعة الاخيرة ليقول للابراهيمي، سعيكم مشكور وبلل قائمتك واشرب ميتها، ليضع امام مجلس الحكم قائمة باسماء الوزراء ورئيسهم واسم رئيس الجمهورية. الامر الذي دعا الابراهيمي الى التصريح با ن (بول بريمر) مارس دكتاتورية من طراز جديد.
لنقل ان اصحاب المبادرة، اساءوا التعبير، وان المقصود بتحويل الملف العراقي الى الامم المتحدة، يبدأ بعد اتمام الانسحاب، وعندها ما حاجتنا الى الامم المتحدة لكي تدير شؤون العراق المحرر، ونحن نمتلك من الكفاءات المتنوعة ما يمكننا من ادارة شئون اكثر من دولة.
اننا اذ نطرح هذه التساؤلات والملاحظات حول المبادرة، لا نبغي سوى تبادل وجهات النظر، ولكي يبصر احدنا الاخر. فالمخطط الامريكي كبير وغادر، وهذا يتطلب منا الحذر الشديد، تجاهه والعمل الجاد لافشاله ودحره نهائيا. وذلك من خلال تركيز الجهود، على اقامة جبهة وطنية عريضة، لا من اجل التفاوض مع الامريكان لتحقيق مكاسب محدودة، وانما من اجل ان تلتحم بالمقاومة الوطنية العراقية باعتبارها عن حق، الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي، وان تكون جناحها السياسي والناطقة باسمها والحامية لامنها والظهير المساند لها، لتكون جديرة بان تنجز عملها الاخير في عملية تحرير العراق وهو التفاوض مع الامريكان بعد ان يعلنوا استعدادهم الكامل للرحيل، دون قيد او شرط، وان يتحملوا كافة النتائج الماساوية التي ترتبت على جريمة الاحتلال،
علينا كعراقيين ان نشدد الحبل في خناق المحتلين لا ان نرخيه، لكي نقترب من ساعة الحسم، ونلحق الهزيمة بالغزاة، ونعيد للعراق وحدته وسيادته، لننعم في ظله الوافر بحياة كريمة، بعد كل هذا العناء الكبير الذي عشناه على مدى السنين الماضية.