(جسر الأئمة) لن ينهار!
نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
هي كارثة وفاجعة، أضيفت إلى كوارث وفواجع تطال شعب العراق كله، دون تمييز. إن ما حدث على جسر الأئمة في بغداد نهار 31/8/2005 اقرب إلى الخيال منه إلى واقع منظور. كيف يهرب من الموت إلى الموت، الآلاف من أبناء جلدتنا، جلهم من الأطفال والنساء والشيوخ؟ وكم من النكبات يجب أن يحتمل هذا العراق؟ ولماذا كانت الفاجعة الكبرى هذه في منتصف مسافة الجسر الرابط بين الأئمة المسلمين؟ هذا الجسر القوي المتين الذي يوصل بين "الإمام أبي حنيفة" والإمام موسى الكاظم هو رمز وحدة عرب ومسلمي العراق.
فلماذا كان استهدافه؟ من المسؤول عما حدث ويحدث في العراق؟_الذين قالوا أن المسؤول الأول هو الاحتلال، أصابوا كبد الحقيقة.. والذين قالوا أن المسؤول هو الإرهاب الأعمى، أصابوا كبد الحقيقة. والذين القوا اللوم على السلطة في بغداد، أصابوا الحقيقة في الكبد أيضا.. والذين قالوا أن المسؤولية تقع على عواتق الذين يكيدون للعراق ويريدون تخريبه وإثارة حرب طائفية مقيتة فيه، أصابوا أيضا كبد الحقيقة، ذلك أن الأطراف جميعها والتشعبات جميعها.. تصب في اتجاه واحد، هو الاحتلال. الاحتلال هو المسؤول عن تدمير العراق واغتيال امن شعب العراق، وإشاعة القتل في شوارع ومدن وبلدات العراق.. الاحتلال هو الذي جلب الإرهاب إلى العراق، وهو الذي صادر سيادة الوطن وزرع بذور الفتنة والتشرذم والانقسام في طول العراق وعرضه، هو الذي يحرم شعب العراق العيش الكريم، فلا ماء ولا كهرباء، ولا خدمات ولا وقود، ولا إحساس بالطمأنينة، وقد دمر كل ما يمت بصلة للحياة البشرية المنظمة في العراق، فأشاع الفوضى والإرهاب واللصوصية والجريمة والسلب والقتل والحرق وشن حرب إبادة لا هوادة فيها على مدن وقرى وبلدات العراق.. مثلما أهان كرامة الإنسان العراقي في معسكرات الاعتقال جميعها وليس في أبي غريب حسب.
من المؤكد أن من استهدف المواكب المتجهة إلى مرقد الإمام الكاظم استهدف وحدة العراق وأراد تنفيذ المخطط المرسوم بإشعال نيران الحرب الطائفية المقيتة لإغراق العراق كله في بحور من الدماء.. لكن إرادة الله أقوى، ووعي أبناء العراق أعمق.. هكذا هبت "الأعظمية" لنجدة الكاظمية ولنجدة الأشقاء القادمين من أنحاء بغداد والعراق، في وقفة لا بد أنها ردت سهام الغادرين إلى نحورهم.
ليس مهما الآن أن نغرق في تفاصيل ما حدث، مع ضرورة البحث والتقصي ومعرفة الحقيقة والجناة لكن المؤكد أن أرواح الشهداء الألف تلعن المتسببين بما حدث، ودماؤهم مشاعل على درب تحرير الوطن من سارقي ثروته وأمنه ونعمة ومزوري إرادة شعبه ومصادري كرامته وسيادته واستقلاله، والباحثين عن تمزيقه وتقسيمه. الاحتلال أولاً، والاحتلال أخيرا، فهو من فتح بوابات العراق أمام أطماع الطامعين وغدر الغادرين وهو الذي يمول الإرهابيين ويمدهم بالعون لكي يخلو له الجو، فيسرح ويمرح دون مقاومة ودون حساب.
لكن، ومرة أخرى، إن نكبة "جسر الأئمة" لم تصدع الجسر، ولم تتركه منهارا، بل هي أججت في الضمير الجمعي لشعب العراق مشاعر الوحدة والتآخي وأحيت هذا التاريخ العريق للعراق.. تاريخ العراق العربي المسلم الواحد القوي بشعبه الجميل بتنوع زهوره وثماره، برافديه وبنخيله، بجباله وبسهوله، بأهواره ورمال صحاريه.. بل أن من أراد لهذه الفاجعة أن تكون بداية متواضعة لسلسلة لا تنتهي من الفواجع والكوارث ما حصد إلا اللعنة وما لقي إلا الخيبة، لقد وحدت المصيبة أهل العراق، وضمدت جراح العراقيين بعزاء موحد من زاخو إلى الفاو، ومن القائم إلى بعقوبة وما بين هذا كله كربلاء والنجف ، سامراء وبغداد.. لشهداء جسر الأئمة الخلود فذكراهم تشكل شهادة على صمود ورسوخ وحدة هذا الشعب، وصيحات النحيب أخرست أفواه السوء التي ندبت كذبا وحدة العراق ولطمت نفاقا على جسر لم يسقط وسياج لم يتحطم.