قضيتان وناتج
نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
الإعلان عن أن جدول أعمال القمة العربية الطارئة التي يفترض أن تنعقد في (شرم الشيخ) يتضمن ثلاث قضايا هي: فلسطين، العراق، الإرهاب.. لم يفاجىء المراقبين، فثمة ما يؤكد ارتباط هذه القضايا بمستقبل الأمة العربية على الإطلاق.
برأيي أن حل القضيتين الأساسيتين: العراق وفلسطين، سيكون حلاً آليا للمشكلة الثالثة أي (الإرهاب) بعد أن يتم عملياً وفعلياً الفصل بين المقاومة وهي حق مشروع لكل شعب يتم اغتصاب حقه وأرضه، أو احتلال وطنه، وبين الإرهاب النتاج الأعمى للتعصب الأعمى، أو الانفجار الذي لا يميز بين أحد وأحد، كونه يستهدف الحياة وأسسها وبناها وبناءها.. وكونه قابلا للاستغلال لإحداث الخلط بين المقاومة والإرهاب.
أمام القمة العربية الطارئة في شرم الشيخ حين تنعقد حقائق ومعالجات جاهزة، إن أرادت هذه القمة أن تغير الصورة المرسومة عن القمم العربية في أذهان أبناء العرب من المحيط إلى الخليج. إن قضية الإصلاح التي نحّيت من أجلها الأعمال هذه المرة ستكون أولوية تفرض ذاتها على الجميع ما دام الدرب إلى الاستقرار قد أصبح أمام العين.
معنى ذلك أن القمة يجب أن تكون مهمومة بقضايا الاحتلال. إن كان ذلك في فلسطين أم في العراق.
أولاً: في المسألة الفلسطينية: الاحتلال ينوي الانسحاب من قطاع غزة.. وعليه فإن المحتل الصهيوني يريد أن يجني أكثر من فائدة من هذا الانسحاب، في مقدمة ذلك (تطبيع العلاقات مع الدول العربية كلها) إن كان ذلك عبر مؤتمر أم الوسائل الثنائية أو الثلاثية. وهذا يعني الإقرار العربي بأن الانسحاب من غزة هو مطلب المطالب وبالتالي التخلي العربي عن مبادرة الملك عبد الله التي تبنتها القمة العربية في بيروت، وأكدت عليها في قمتي الجزائر وتونس. إذن إن المنطق يفرض أن تخرج القمة الطارئة بقرارات محددة وقابلة للتنفيذ, في مقدمتها: ضرورة أن ينسحب الاحتلال الصهيوني من جميع الأراضي العربية إن كان ذلك في الضفة الغربية أم في الجولان أم في مزارع شبعا اللبنانية.. ووفقا لقرارات الأمم المتحدة.
كما أن التمسك بحقوق شعب فلسطين في العودة والتعويض يتلازم مع ضرورة الإقرار بأن أية دولة فلسطينية لا تقوم إلا حين تكون عاصمتها في القدس الشريف.. عدا عن حتمية الإفراج عن جميع الأسرى والموقوفين من أبناء فلسطين لدى الاحتلال الصهيوني. وعلى القمة أيضا رفض منطق التدخل الأجنبي في الشأن الفلسطيني المتعلق بالانتخابات التشريعية القادمة. فالديمقراطية تقول بحق الجميع في المشاركة في المعركة الانتخابية، ونتائج الفرز هي التي تحدد إرادة الشعب.
هذه المنطلقات يصاحبها دعم عربي شامل للوحدة الوطنية الفلسطينية, مع التعهد العربي بعدم خرق أسس الوحدة الوطنية الفلسطينية بالالتزام بالثوابت الوطنية الفلسطينية وعدم التنازل عنها تحت أي ظرف.
إحساس "إسرائيل" بجدية الموقف العربي يجعلها تعيد النظر في مجمل حساباتها، ويقوي الموقف الفلسطيني ويسهم في تلاحم هذا الموقف وتصليب عوده، ويمنح شعب فلسطين أملا في المستقبل.. يقوم على عدم التفريط بأي حق من حقوقه المشروعة.
ثانياً: في المسألة العراقية: يقرّ جاك سترو أن (بقاء القوات الأميركية - البريطانية في العراق يذكي التمرد) حسب قوله. بما يعني وجود نوع من القناعة لدى الحكومة البريطانية بأن ما يعاني منه العراق يعود إلى الاحتلال. وإن الخطوة المحسوسة الأولى نحو استقرار الأوضاع في العراق تبدأ بالإعلان الرسمي عن (جدول محدد وواضح للانسحاب من العراق) فالعراق الآن في وضع مؤسف ومحزن: الأمن مفقود، وهناك خلط بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب الذي لا يميز بين عراقي وآخر، بين طفل وشيخ، بين رجل وامرأة، كما أن الضغوط تتصاعد ليخرج (مشروع الدستور الجديد) العراقي بما قد يفضي إلى تشريع تمزيق العراق عبر بعض مواد هذا الدستور.. لذا فإن القمة العربية ملزمة بالتوكيد على عروبة العراق، ووحدة العراق، وحماية وضمان حقوق الأقليات القومية في العراق، وتحديدا أكراد العراق، ورفض أي إجراء يمكن أن يؤدي مستقبلا إلى تقسيم العراق.
من هنا نرى أن يكون هناك حضور عربي جماعي في العراق، يبدأ بالمطالبة الصريحة بوجوب جدولة الانسحاب، ومنح الشعب العراقي الوقت الكافي لكي يخرج بدستور يحفظ وحدة وثروة واستقلال وعروبة وسيادة العراق، وحرية أبنائه جميعاً، دون تفريق أو تمييز.
إن التوجه إلى حل المعضلتين العراقية والفلسطينية سيكون المسمار الذي يدق في نعش الإرهاب لأنه ببساطة يسحب البساط من تحت أقدام الإرهابيين ومن يسندهم، ويحرق أوراق مبرراتهم المعلنة وذرائعهم المستورة أيضا.
الإرهاب طارىء في العراق، لم يعرفه العراق قبل الاحتلال، والتفرقة العنصرية الطائفية والعرقية في العراق لم تتولد بهذه القوة إلا في ظل الاحتلال والاحتقان الطائفي والعرقي والإثني لم يكن في العراق إلا في ظل الاحتلال، أي هو إفراز من إفرازاته، وزوال الاحتلال سيؤدي إلى زوال نتائجه جميعها، على هذا فإن الإرهاب الذي أخذ يضرب عددا كبيراً من بلداننا العربية سيفقد قاعدته حين يزول احتلال العراق، كما أن معاناة العراقيين ستخف تدريجيا إلى أن تتوقف نهائيا حين يرى شعب العراق الضوء في نهاية النفق. إن موقفا عربيا واضحا من الاحتلال ومن نتائجه، سيؤدي حتما إلى حصر الإرهاب وحين ينحصر الإرهاب يصبح أمر تدميره ميسورا جدا.
إن خروج قمة شرم الشيخ القادمة الطارئة بقرارات من هذا النوع يعني بناء سياج حماية للأقطار العربية جميعها، ذلك أن الأخطار لا تقتصر على العراق وفلسطين، وهي مرشحة إلى الانتشار والشمول، ما دامت قضية الاحتلال لم تحسم بعد، وما دام الاحتلال يهييء سبل الحياة والنمو لكل الاحتمالات السيئة بما في ذلك تمدد الإرهاب وإشاعة الفوضى في طول الوطن العربي وعرضه.
التناول الموضوعي لأهم قضايا الوطن العربي لا بد أن يؤدي إلى تغيير الصورة السلبية المرسومة للقمم العربية في أذهان العرب، بل وحتى في أذهان دول العالم. هذا التناول يجب أن يشعر الجميع بجدية مواجهة التحديات وبروح من المسؤولية التاريخية التي ترتقي إلى مستويات التحديات والمخاطر.