عندما حكم روزفلت هاييتي ووضع دستورها!
نصر شمالي - سوريا
في خضم المفاوضات حول إعداد مشروع دستور في العراق، وبينما الأمور تتأرجح بين التعثر بشدة وبين استحالة الوصول إلى نتائج، دخلت الإدارة الأمريكية ممثلة بمفوضها السامي في بغداد على خط المفاوضات، وقيل أنها حققت نجاحا بالدفع نحو الاتفاق حول مجموعة من النقاط الصعبة، بينها اسم الدولة العراقية، ووضع ميليشيات البشمركة، ومصير مدينة كركوك! ومن دون الدخول في تفاصيل لا أهمية لها قياسا بالأهداف الأمريكية الحقيقية، فإن ما يجدر أن لا يغيب عن البال هو الاستراتيجية الثابتة للأمريكيين القائمة على صنع الأزمات وبيع الحلول، وفي رأس قائمة الأزمات التي صنعوها في العراق تأتي هذه التشكيلات الفئوية، المسلحة وغير المسلحة، التي أخذت على عاتقها تقطيع أوصال العراق إلى دويلات ربما بعدد مدنه، والتي تريد أن تفعل ذلك بالتوافق التام مع التوجه الأمريكي الإقليمي لفرض اتفاقية سايكس- بيكو ثانية، ومع التوجه الأمريكي الدولي الذي يخطط لعالم يتشكل من خمسة آلاف مدينة/ دولة على الأقل!.
تجاهل تاريخ الولايات المتحدة!
لقد أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش، في أوائل تشرين الثاني ،2003 عن أن "ستين عاما من التسامح والتفهم لغياب الديمقراطية في الشرق الأوسط لم تحقق شيئا يجعلنا اكثر أماناً"! وقد رأى بعض المراقبين في ذلك القول بداية تحول جذري في السياسة الخارجية الأمريكية، وأنه إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية تعتزم الانقلاب على أصدقائها التقليديين في البلاد العربية والإسلامية، بينما كتب مروان بشارة أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية بباريس يقول "أن على إدارة بوش أن تكون حذرة عندما تتحدث عن الديمقراطية في الشرق الأوسط حتى لا تسيء إلى الديمقراطية، فهي تستخدمها وسيلة للتمويه، وواجهة لجدول أعمال آخر يرتبط بالمصالح النفطية الأمريكية، وبالهيمنة السياسية والتواجد العسكري، إضافة إلى تحقيق مصالح "اسرائيل" وضمان أمنها"! ونبه الأستاذ بشارة إلى "أن واشنطن لا تدرك إلى أي مدى يحمل العرب ذكريات مريرة عن المحاولات الأجنبية للسيطرة على البلاد العربية ورسم خرائطها بما يحقق المصالح الأجنبية، وأن هذه المحاولات جميعها كانت تتم باسم الديمقراطية والإصلاح والتحديث والتعمير، وأن الولايات المتحدة تبدو على وشك تكرار أخطاء أوروبا القديمة، حيث تسبب الاستعمار الأوروبي في مقتل أكثر من مليون عربي"!
ولكن ما يلفت النظر في مثل هذه التعليقات الصائبة هو الفصل بين الاستعمار الأوروبي القديم والاستعمار الأمريكي الحديث، والتجاهل لتاريخ الولايات المتحدة الاستعماري الإبادي، فما يحدث اليوم في فلسطين والعراق ومجمل البلاد العربية والإسلامية هو تكرار لما كان يفعله الأمريكيون في أمريكا الجنوبية قبل أكثر من قرن! فمنذ عام 1926 كتب (والتر ليبمان)، الصحافي الأمريكي الشهير، مقالة انتقد فيها استخدام واشنطن الأحادي الجانب للقوة من اجل فرض الديمقراطية على بلدان أمريكا اللاتينية!.
روزفلت وضع دستور هاييتي!
والحال أن الولايات المتحدة، هي استطالة أوروبية، بريطانية تحديدا، في قارة أخرى، تمثل النزعات الإمبراطورية الاستعمارية الأوروبية إنما بوسائل أخرى، وهي منذ عام 1800 كانت تشن بواسطة سفنها الحربية الهجمات المدمرة ضد البلدان العربية المغاربية جميعها، أما في أمريكا الوسطى والجنوبية فقد كانت عملياتها الحربية متواصلة طوال تاريخها، مرة لفرض الديكتاتورية وأخرى لفرض الديمقراطية، حسبما تقتضي مصالحها، وكانت واشنطن تتدخل عسكريا في نصف الكرة الأرضية الغربي (وما زالت تتدخل) من أجل تغيير الأنظمة الحاكمة الديمقراطية أو الديكتاتورية، ومن اجل تحصيل الديون بل فوائدها، ومن أجل فرض النظام الذي يعني قمع حركات التحرر، وذلك كان يحدث دائما تحت غطاء التبشير بالديمقراطية حتى عندما يكون النظام المستهدف ديمقراطيا!.
وعلى سبيل المثال، فإن الرئيس الأمريكي الشهير (فرانكلين روزفلت) كان وزيراً للبحرية في عهد الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسون) ما بين 1913-1920 وكان قائداً لمشاة البحرية التي احتلت هاييتي عام ،1915 ذلك الاحتلال الذي تقرر أن يستمر تسعة عشر عاماً ريثما تتحقق الديمقراطية، وفي العام التالي احتلت القوات الأمريكية جمهورية الدومينيكان، وكان روزفلت متحمساً لسياسة التدخل العسكري، مثل الرئيس الحالي جورج بوش وعندما ترشح عن الحزب الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس، عام 1920، راح يتفاخر في خطاباته أمام الناخبين قائلا: »"هل تعلمون؟ لقد كان لي دور في إدارة جمهوريتين صغيرتين، والحقيقة أنني أنا شخصياً من وضع دستور هاييتي، وأعتقد أنه دستور جيد"! ولقد كان ذلك تفاخراً "أحمق" كما يصفه أحد المعلقين الأمريكيين لكنه ظل يتكرر ويتكرر على السنة الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين وها هو جورج بوش يفعل ذلك في العراق!
توزيع الكراهية على الحلفاء!
بل أن جورج بوش يكرر بالضبط مواقف فرانكلين روزفلت المتقلبة، فبعد سنوات من تفاخره بوضع دستور هاييتي وإدارتها، وعلى الرغم من الشلل الذي أقعده، برز على الساحة مرشحا ديمقراطيا لمنصب حاكم نيويورك، وعندئذ راح يتحدث ضد التدخل الأحادي الأمريكي، وضد "تلك الحروب الصغيرة الخالية من المجد"! ويحذر من مخاطر العجرفة تجاه الحلفاء الغربيين والاستهتار بهم، مؤكدا قناعته بضرورة التوقف عن التدخل العسكري الأحادي في الشؤون الداخلية للأمم الأخرى، قائلا: "إننا بتعاوننا مع الحلفاء سوف نضمن تحقيق المزيد من النظام (يقصد السيطرة طبعاً) ودرجة أقل من كراهية الآخرين لنا"! والمقصود بالطبع توزيع الكراهية على الحلفاء كي يكون نصيب الولايات المتحدة أقل! وقد رأينا بوش يفعل الأمر نفسه فيتراجع عن عجرفته واستهانته بحلفائه، بالضبط كما فعل روزفلت، إنما في الحدود التي لا تنال من جوهر الاستراتيجية العدوانية الأمريكية!
وفي تبريره للتدخل في هاييتي كتب روزفلت عام 1928 يقول: "كان الرؤساء يقتلون والحكومات تهرب عدة مرات في السنة، ونحن لم نرسل مشاة البحرية والبحارة إلا بعدما لقي كبير القضاة هناك مصرعه حيث تم سحبه خارج دار المفوضية الفرنسية وقتله، وتقطيع جثته إلى ست قطع وإلقائها إلى الحشد المتجمع ولقد نظفنا البيت، واستعدنا النظام ونفذنا أشغالاً عامة وأسسنا حكومة تعمل على أساس صحيح وشريف"! إنه الكلام الأمريكي نفسه يتردد اليوم بصدد العراق!
العراق ذروة يليها الانحدار!
غير أن الولايات المتحدة عادت فشنت حرباً أحادية الجانب ضد نيكاراغوا، الأمر الذي نجمت عنه أزمة في العلاقات بين واشنطن وحليفاتها الأوروبيات، فكتب روزفلت إن واشنطن بسياستها الحالية حولت مجرد الكراهية وسوء الظن الراسخين إلى بغض لها وخوف عميق منها في جميع دول أمريكا اللاتينية.
وأضاف: "إننا نغار كثيراً على سيادتنا فمن الواجب إذن احترام المشاعر المماثلة لدى الأمم الأخرى"! لقد اكتشف روزفلت حينئذ أن الدستور الذي وضعه لهاييتي وأن أي دستور آخر مشابه يتحول إلى أوراق مهملة حينما يوضع في ظل سيادة منتهكة! لكن بوش يصر اليوم على وضع دستور للعراق في ظل سيادة منتهكة!.
إن ما حدث في هاييتي عام 1915 في الحقيقة، هو أن الوثيقة الأهم ليست ذلك الدستور الذي صاغه روزفلت بل تلك الاتفاقية التي فرضت على هاييتي والتي اشترطت أنه من حق المواطنين الأمريكيين فقط تولي مهمات جباية الرسوم الجمركية، وتقديم (المشورة) للخزينة الحكومية، وأيضاً لقيادة القوات المسلحة والشرطة، وأيضاً لإدارة الأشغال العامة! لقد كان ذلك هو ما يجري على أرض الواقع بالدستور أو من دونه، وهو ما يتكرر اليوم في العراق! وكان على الديمقراطية أن تتحقق في هاييتي في ظل تلك الأوضاع، الأمر الذي نجم عنه بالطبع شعور المواطنين على اوسع نطاق بالمهانة، والذل، وإنهم أصبحوا مجرد خدم للمحتلين، الأمريكيين.
وعندما أصبح روزفلت رئيسا للولايات المتحدة عام 1933، فإن ما فعله هو انه راح يتعامل مع جيرانه باحترام (كما يقول الكاتب الأمريكي كارل ماير) واعترف بأخطاء واشنطن الماضية، واعتبر أن الدساتير وحدها لا تحقق الديمقراطية، وفي عام 1934 زار هاييتي ووقع مع رئيسها (سيتينو فنسنت) اتفاقي تقضي بانسحاب القوات الأمريكية! غير أن ذلك لم يكن سوى حدثٍ منفصلٍ، موقف منفصل محكوم بحدود معينة، حيث واصلت واشنطن طوال العقود التالية من السنين عمليات التدخل العسكري أحادي الجانب أو متعدد الجنسية في شؤون الأمم الأخرى وها هي هذه العمليات وقد بلغت ذروتها في العراق اليوم لكن هذه الذروة تبدو الأعلى التي لا صعود بعدها، والتي لا يليها سوى الانحدار!.