دستور أمريكي - ايراني مرفوض قطعيا

أ. د. حازم طالب مشتاق

مهزلة. مهزلة ما بعدها مهزلة، لولا أنها دامية. مهزلة المهازل. وشر البلية ما يضحك. ترى، عندما أكمل المنصور بناء بغداد، وجلس على كرسي فوق سورها يراقب دجلة يجري تحته هادئا، هل تصور أو دار في خلده أن يوما سيأتي على مدينته الحبيبة يحكمها شخص يدعى بول بريمر؟

وكم ذا (بالعراق) من المضحكات

ولكنه ضحك كالبكا

بها نبطي من أهل السواد

يدرّس انساب أهل الفلا

ومحتال يختال تيها بها

يقال له أنت بدر الدجى

ولص يسرق أموال الجياع

ويوصف بأنه خير الورى

تلك هي مهزلة "مسودة الدستور الجديد العراقي" شكلاً ومجازاً مضموناً وروحاً. والمسودة المذكورة السيئة الصيت ترجمة عربية ركيكة من نسخة انجليزية أصلية، كتبها في واشنطن صهيوني عريق، وراجعها في طهران شعوبي أصيل، وتبناها في العراق نفر من الشوفينيين المحسوبين على شعب الرافدين زوراً وبهتاناً وظلماً وعدواناً.

لقد طفح الكيل، وفاض الكأس، وفرغ الصبر، وبلغ السيل الزبى. وليس أدل على هذا الوضع من الرسالة المفتوحة إلى مسعود البارزاني التي نشرتها جريدة (راية العرب) البغدادية، "صوت حركة التيار القومي العربي في العراق ومنبر المعارضة الوطنية والديمقراطية للاحتلال" (العدد 81 يوم الأحد 20/8/2005). وأفادت فيها ما يلي بالحرف الواحد: "كثرت في الفترة الأخيرة يا أخ مسعود تهديداتك بالانفصال وإعلان دولة كردية في محافظات السليمانية واربيل ودهوك، إذا لم يحتو الدستور على الفدرالية وإذا لم يستند على قانون إدارة الدولة الذي وضعه صهيوني أمريكي وفرضه بول بريمر الحاكم الأمريكي السابق على مجلس الحكم الذي كنت عضوا فيه وإذا خلا الدستور من أن تكون كركوك مدينة كردية ضمن فدراليتكم. وغيرها من الشعارات التي رفعتها منذ احتلال العراق وسقوط بغداد في يوم 9 الأسود الذي تم بتعاونكم مع القوات الغازية. واعتبرت في حديثك مع قناة العربية يوم الاثنين الماضي بقاءكم ضمن العراق منّة على الشعب العراقي.

يا أخ مسعود أنت تعرف ونحن نعرف أيضاً أن الظروف الدولية والإقليمية وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تحميك الآن لن تسمح لك بالانفصال وتكوين دولة كردية مستقلة في شمال العراق. فلماذا هذا التهديد المستمر لنيل مكسب على حساب العرب والتركمان؟ والعرب يعرفون بأنك غير قادر على تنفيذ تهديداتك لا الآن ولا في المستقبل. ولو كنت قادرا لانفصلت منذ اليوم الأول للاحتلال..

يا أخ مسعود ارجع إلى عراقيتك من دون منّة. وانس الفدرالية ونفط كركوك، فكركوك مدينة عراقية لكل العراقيين ولن تكون مطلقاً ضمن المنطقة الكردية، ونفطها هو نفط كل العراقيين.. وأرض بالحكم الذاتي الذي منح لكم في آذار سنة 1970. وتخل عن مظاهر الرئاسة والعَلَمْ والعنجهية، ولنكن إخوة متساوين في الحقوق والواجبات ضمن جمهورية العراق الواحد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" (راية العرب).

يعود أصل الداء ومبعث البلاء إلى قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية الذي وضعه الصهيوني نوح فيلدمان على مقاسات المصالح والخطط الأمريكية في العراق، وفرضه بريمر بقوة الحديد والنار على الشعب العراقي في عهد مجلس الحكم السيىء الصيت، بالأخص فيما يتعلق بالتجزئة الفدرالية والمحاصصة الطائفية، ودارت الأيام وشهد شاهد من أهلها. ونقلت (العرب اليوم) - السبت 20/8/2005- ص 15 (تصريحاً رسمياً على لسان نوح فيلدمان)، إياه، أفاد فيه ما يلي بالحرف الواحد: "كنا نعلم أن قانون إدارة الدولة يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية.. وفي الواقع لم يتم التصديق على هذا القانون لعام 2004 في أي قرار صادر عن الأمم المتحدة". هذه هي الحقيقة، الحقيقة التي لا يمكن استبعادها بالكذب، أو حجبها بالغربال. قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية لا يفتقر فقط إلى الشرعية الديمقراطية، بل يفتقر أيضاً إلى الشرعية الدستورية والشرعية الدولية. وجميع المجالس التي التزمت به، والمؤسسات التي قامت عليه، والقوانين التي اشتقت منه، بما في ذلك مسودة الدستور المعروضة حاليا على المجلس الوطني، كلها، بقضها وقضيضها، تعتبر باطلة ولاغية ومرفوضة وغير ملزمة للشعب العراقي بأي شكل من الأشكال على الإطلاق. وجميع الذين يطالبون بالفدرالية الآن محتمين بالاحتلال الأمريكي ومستقوين على شعبهم بالقوات الأجنبية، إنما هم مجرد أدوات في يد العدو يستخدمها كما يشاء ضد الشعب والوطن في مخططه القديم الذي يهدف إلى تمزيق العراق وتحويله إلى دويلات طائفية وشوفينية متناثرة متناحرة. ولكن تفتيت الوطن وتمزيق العراق ليس أكثر من وسيلة، مجرد وسيلة للوصول إلى أهداف استراتيجية أساسية يمكن تلخيصها كما يلي:

1 - القضاء المبرم على الأمن الوطني المعتمد على النشاط الذاتي، وتحويل العراق إلى دولة متخلفة ضعيفة، بحاجة دائمة إلى الحماية الخارجية الأجنبية.

2 - منع نهوض العراق من كبوته واستعادته لحريته وسيادته وحيويته.

3 - منع ظهور سلطة مركزية ودولة قوية تحمي وطنها وشعبها للبقاء والبناء والارتقاء.

4 - منع إعادة الإعمار وإصلاح ما خربه الحصار الاقتصادي والعدوان العسكري والاحتلال الأجنبي. لأن عملية البناء والإصلاح وإعادة الإعمار تحتاج إلى سلطة مركزية وخطة أساسية وحشد عقلاني وعلمي للموارد والطاقات على أساس وطني شامل وليس على أساس محلي ضيق.

5 - من هنا، تصبح الفدرالية مصلحة فئوية ضيقة، وليس مصلحة وطنية شاملة للشعب العراقي.

6 - طمس الهوية العربية الإسلامية الأساسية للوطنية العراقية، وإبعاد بلاد الرافدين عن عمقها العربي ومحيطها الحضاري الثقافي التاريخي، وتحويل الجمهورية العراقية إلى دولة بلا هوية قومية أو شخصية حضارية وثقافية وتاريخية متميزة وتجريدها من حقيقتها الأساسية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من أمتها العربية.

ومن هنا، يتحول العراق نهائيا إلى أرض مستباحة وساحة مكشوفة للمطامع الخارجية والمصالح الأجنبية والأحقاد الشعوبية الصفوية والصهيونية. ويصبح شعبه شعباً ضعيفاً متخلفاً مسلوب الإرادة، فاقد الكرامة، لا تقيه ثروات وطنه وموارد بلاده من غوائل المجاعة والمذلة والمهانة والعبودية.

هذه هي سايكس -بيكو الأمريكية الجديدة في صورتها المصغرة المنوي تطبيقها في بلاد الرافدين: تقسيم العراق إلى فدرالية كردية في الشمال باعتبارها مسمار جحا وحصان طروادة للهيمنة الأمريكية المستمرة الدائمة، وفدرالية صفوية في الجنوب تؤدي وظيفة الوكيل للنفوذ الايراني في أغنى بقعة نفطية في العراق، وفدرالية سنية مهلهلة كسيحة عرجاء في الوسط، لا تضر عدوا ولا تنفع صديقا، مثل ريشة تتقاذفها الرياح أو قشة تتناهبها الأمواج، لا حول لها ولا قوة.

ومن الحظوظ السعيدة والطوالع الطيبة، أن هناك تياراً عروبياً متجذراً وقومياً في الوسط الشيعي، وأن هناك تياراً وطنياً عراقياً وإسلامياً عريضاً ومؤثراً في الوسط الكردي، مما يعيد التوازن إلى الواقع، ويحافظ على شعلة الإيمان بالنصر النهائي وبارقة الأمل في المستقبل الأفضل.

وبعبارة وجيزة أخيرة، إن هذا الدستور دستور أمريكي-ايراني، انتهز لحظة ضعف ظاهري عابر زائل لكي يخدم مصالح فئوية محلية صغيرة ضيقة، ويلبي مطالب ومطامع نفر قليل من الصفويين المستفرسين والشوفينيين المستكردين، ويخدم مخططات ومشاريع الإدارتين الأمريكية والصهيونية في هذه المنطقة من العالم.

هذا الدستور ليس دستوراً وطنياً عراقياً، يلقي بشعب حضاري عريق أصيل مثل الشعب العراقي، ويخدم مصالحه الحيوية، ويحمي حقوقه الأساسية وثوابته التاريخية. ويمتلك الشعب العراقي من الوعي والإدراك ما يجعله يقابل هذا الدستور الشائن المعيب بما يستحقه من احتقار عميق ورفض قاطع، ويرميه في مزبلة التاريخ مع أمثاله من الخردوات المستهلكة والمشاريع الشريرة الفاشلة البائسة، تلك هي الأيام يتداولها الناس. والعاقبة للمؤمنين العاملين المجاهدين، وليست للقاعدين والمتواكلين والمحبطين. لا يساعد الله إلا من يساعد نفسه. وإذا نحن لم نساعد أنفسنا بأنفسنا في الوطن، فلن ينفعنا عون ولا معين في العالم أجمع. لا يكتب الله لنا إلا ما نكتبه نحن لأنفسنا. إن لله جنودا في هذه الأرض، إذا أرادوا، أراد.