مصافحة على الجسر التركي!
عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا
كان وزير الخارجية "الإسرائيلي" سلفان شالوم يقف على أرض صلبة كوّنتها علاقات تاريخية وثيقة بدت أحياناً شبه تحالفية، بين كلٍ من أنقرة وتل أبيب... علاقات نسجتها عقود توالت من تبادل للمصالح أعقبت النكبة الفلسطينية أو قيام "إسرائيل"، واستمرت بغض النظر عمن يحكم فيهما... عندما صرّح في واحدة من الزيارات الرسمية القريبة العهد، من تلك الزيارات شبه الدورية المتبادلة عادة على أعلى المستويات بين الطرفين:
بالنسبة لنا، يمكن لتركيا أن تلعب دور البوابة إلى العالم الإسلامي... شالوم حينها لم يكن حالماً، أو في موقع من يمنّي النفس، أو من يتحدث من فراغ. كان يدرك مدى التوق التركي للعب مثل هذا الدور، والذي يأتي بطبيعة الحال في سياق توق تركي أشمل مرده رؤية أتراك ما بعد الحقبة العثمانية، أو العهود الأتاتوركية التي خلفتها، لأنفسهم، أو لما يريدونه لبلادهم من دور، أو لما يتصورونه من وظيفة لموقعها الجغرافي، جرت عادتهم بأن يطلقوا عليه توصيفهم المحبب لديهم، أي الجسر الواصل بين الشرق والغرب، أو حلقة الوصل بين عالمين تقع بلادهم جغرافياً بينهما، تنتمي واقعاً لأحدهما وتسكنها الرغبة المزمنة للالتحاق بالآخر المطلة عليه فحسب... الجسر الذي أخذ بعد وصول إسلاميي تركيا، أو حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب الطيب أردوغان إلى سدة الحكم، صفةً أخرى لا تختلف في الجوهر من حيث الوظيفة المفترضة، وهي صلة الوصل بين العالم الإسلامي وأوروبا... بل تعدى الأمر ذلك إلى طموح انقرا إلى الحصول على امتياز كونها قد غدت عراب ما يدعى بحوار الحضارات الذي سبق أن تعالت من أجله الدعوات وأقيمت مؤخراً له المؤتمرات...
لم يمض وقت طويل بعد تصريحات شالوم هذه إلا وقد عثرت تركيا على دورها المفقود هذا، فكانت اسطنبول الراعية لحدث له ما بعده هو ما دعي بالمصافحة التاريخية بين شالوم نفسه وصنوه الباكستاني خورشيد قاصوري بحضور الوسيط التركي في شخص وزير الدولة محمد ايدين ممثلاً لرئيس الوزراء أردوغان... أو ما يعتبره "الإسرائيليون" بحق بعضاً من الاختراق "الإسرائيلي" المنشود للعالمين العربي والإسلامي بمساعدة ورعاية تركية، أو ما اعتبروه مقدمة لعلاقات دبلوماسية كاملة مع إسلام اباد، أو وفق تعبير شالوم: بداية مرحلة جديدة من العلاقات المفتوحة والمصالح المشتركة التي تستحق منه أن يطنب مشيداً بشجاعة الرئيس الباكستاني المتمثلة عنده في ما دعاه، أي شالوم، "دعم السلام بين إسرائيل والعالم الإسلامي"، وذلك باتخاذه خطوة هامة تسهم في خروج العلاقات بين أطراف عديدة في هذا العالم و"إسرائيل" "من الخفاء إلى العلنية"..!
لا مفاجأة حقيقية في حكاية "المصافحة التاريخية" هذه بين الباكستان و"إسرائيل"، ولا في الرعاية أو الوساطة التركية لها... لا في التحوّل الباكستاني الذي بدأت مقدماته منذ عقود، وأصبح على نار حامية، أو أعد له سلفاً تحت الطاولة وفي اتصالات لم تنقطع هناك منذ عامين على الأقل. ولا في دور أتراك حزب العدالة والتنمية في الترتيب لهذا الحدث، وهم الذين يحكمون في ظل اشتراطات نظام علماني لا زال يحكمه ذات التوجه الأتاتوركي الذي لم يهن أو يتغير من حيث الجوهر بوصول حزب إسلامي سواءً يوصف بالاعتدال أو عدمه. وإن كان قد فاز هذا الحزب بشعبيته التي أوصلته للحكم بسبب من شعاراته الإسلامية النكهة التي من بينها معاداة الصهيونية... لماذا؟
لكي نجيب، علينا التوقف أمام الدوافع التركية والحوافز الباكستانية الكامنة وراء الحدث الاسطنبولي، أو صفقة العلاقات "الإسرائيلية" الباكستانية المعقودة بواسطة أو رعاية البلد الذي يرأس راهناً منظمة العالم الإسلامي، ولنبدأ بالجانب التركي:
لقد تم لقاء اسطنبول المدوّي هذا بالتزامن مع بدء اجتماعات مندوبي الاتحاد الأوروبي، التي تسبق شهرين من بدء مفترض لمفاوضات انضمام تركيا للاتحاد، وهي العملية التي تسبقها قضيتان معرقلتان لاحتمالات هذا الانضمام، يثور حولهما جدل راهن لا ينقطع، وفي مجرد طرحهما ما يعيق جدية التفاوض من أجله، وتتمثلان في مشكلة وجوب الاعتراف التركي المسبق بقبرص الذي يتمسك به الفرنسيون بالذات، وما يسمى "وثيقة الإطار" أو مقولة الشراكة التركية الأوروبية التي لا ترتقي إلى مستوى العضوية الكاملة، أو هذين السيفين المسلطان على رأس المفاوض التركي، ذو الخلفية التي من سماتها أنها لا تمل من الوقوف بدأب على الأعتاب الأوروبية منذ ما يقارب نصف القرن، أي منذ بدء تكوين هذا الاتحاد، وربما الاستعداد لانتظار مدة مشابهة في المستقبل!
قد يكون من تحصيل الحاصل التذكير بمتانة العلاقات "الإسرائيلية" التركية التليدة، التي لا تقتصر على تبادل تجاري بحجم لا يقل عن ملياري دولار في العام، وإنما أيضاً تعاون عسكري ذو منحى استراتيجي قديم، ولا زال قائماً ومستمراً في ظل براغماتية مسلمي الحكم التركي الراهن الذين يريدون أن يعمل الجسر التركي في اتجاهين والإفادة ما أمكن منهما... أي مسلم بين المسلمين وأوروبي بين الأوروبيين... وحيث أن "إسرائيل" بوابة مضمونة للغرب المتحفظ على أوروبية تركيا، فلا بأس من أن يعمل الجسر التركي التليد ممراً لها للعالم الإسلامي لقاء أن تغدو هي جسراً أو ممراً لتركيا نحو هذا الغرب المتمنّع... أي أنه تضامن بين جسرين تركي و"إسرائيلي". أو تبادل مصالح ساق إلى نوع من السمسرة المؤدية للقاء الباكستاني "الإسرائيلي"... ويمكن إضافة إلى هموم تركيا الأوروبية والمشكلة القبرصية، المشار إليهما، يأتي عبء التمرد الكردي وثقل العقدة الأرمنية وهاجس تداعيات احتمالات تقسيم العراق... وأخيراً الحرص على عودة دور الأخ الأكبر في المنطقة الضائع منذ انهيار سلطنة آل عثمان!
أما في الجانب الباكستاني، فليس من الصعب ملاحظة أن انزلاق الباكستان نحو الاعتراف "بإسرائيل"، أو تتويج مسعاها الحثيث منذ سنين لإخراج العلاقات المحرجة أو المحرمة سابقاً معها، أي الوصول إلى هذه المصافحة الموصوفة بالتاريخية، وهو الإخراج الذي وجد ضآلته المنشودة في ذريعة "فك الارتباط"، يعود إلى مواجهتها لمشكلتين ساقها محاولتها حلهما عبر البوابة "الإسرائيلية" الضامنة لكسب ود الولايات المتحدة إلى اسطنبول، أو إلى هذا التحوّل الدراماتيكي الذي حدا بالرئيس برويز مشرف في مقابلة مع فضائية عربية إلى وصف شارون بأنه "جندي عظيم وقائد شجاع" نظراً لإقدامه على تنفيذ خطته أو أحبولته المشار إليها، وذلك قبل أسبوعين فقط من إلقائه المنتظر لكلمة أمام المؤتمر الأمريكي اليهودي في نيويورك... الأمر الذي يذكرنا بتبرير وزير الخارجية الباكستاني للقاء اسطنبول بالقول بأنه يأتي "تشجيعاً لإسرائيل على مواصلة مسيرة السلام"!
والآن، هاتان المشكلتان، ما هما؟
الأول، أن باكستان قد وقعت بحق رهينة لقنبلتها النووية "اللاإسلامية" كما كان يشاع بغير حق، أي أسيرة لهاجس الحفاظ عليها، في مواجهة التعاون الهندي "الإسرائيلي" للنيل من امتلاكها لها أو التعاون وحتى التآمر لدرء خطرها المفترض أو الحد منه من قبل عدويها هذين المتعاونين، وكذا تداعيات التقارب الهندي الأمريكي المتصاعد في مواجهة ما يسمى "الإرهاب"، الأمر الذي أوصل إلى المشكلة الثانية، وهي التعاون الأمريكي الهندي و"الإسرائيلي" الهندي المتناميان ضد هذا العدو المشترك، والساحة الكشميرية تعد عند هذه الأطراف الثلاثة واحدة من ساحاته.
لكن هل الخطوة الباكستانية التي تبعت ذهاب هذا البلد بعيداً في تحالفه أو انخراطه في مساعدة واشنطن في حربها الكونية ضد عدوها اللامرئي مجدية على المدى البعيد أو نافعةً لها في حاضر مواجهتها لهاتين المشكلتين؟
أولاً: لا أحد يخطئ كون أن الشارع الباكستاني ليس مع هذه الخطوة ولا يتقبلها، بل بدأ في التظاهر ضدها، ولذا فإن قرار اتخاذها سوف يكون له تداعياته الداخلية، كما أنه، على الأقل، سوف يسحب بساط المقارنة الباكستانية الدائمة بين كشمير وفلسطين لجهة وجوب تنفيذ ما تسمى قرارات الشرعية الدولية بشأنهما من تحت أقدام الدبلوماسية الباكستانية.
وثانياً: إن هذه الخطوة تعد من المشكوك في جدواها من حيث توظيفها في الصراع التاريخي مع الهند، لأن تاريخاً ممتداً من العلاقات التحالفية الباكستانية مع الولايات المتحدة والولاء لواشنطن لم تمنع الأخيرة من تصعيد تقاربها مع الهند والأمر عينة ينطبق على ما يجري بين الهند و"إسرائيل".
وأخيراً، إن هذه الخطوة الباكستانية ليست سوى نتيجة مباشرة لضغوط أمريكية قديمة ومستمرة، حصادها الباكستاني الفوري هو ما أعلنته قوى المعارضة في إسلام اباد عن ما وصفته باليوم الأسود... بقي أن نقول أن بازار التذرع بمساعدة الفلسطينيين من قبل أطراف عديدة أمر رابح هذه الأيام لمن يتذرع، لاسيما في هذه المرحلة العربية المتردية، لدرجة التعلل الباكستاني بالتشاور المسبق مع السلطة الفلسطينية ودول عربية حول الإقدام على هذه الخطوة والحصول المسبق أيضاً على ترحيب من تم التشاور معهم حولها... أي نحن إزاء خطوة لا تختلف عن خطوات مشابهة اقترفت من قبل أطراف أخرى سبقت وتغطى عادةً بذرائع مماثلة أقل ما يقال فيها إنها أبعد ما تكون عن مناصرة الفلسطينيين، وإنما هي في جوهرها لا تعدو قراءة الفاتحة على حقوق الفلسطينيين والعرب ومقدسات المسلمين في فلسطين المغتصبة...
ترى هل أخذ الأتراك والباكستانيون رأي شعبيهما... اللذين ربما لم يفاجئ سواهما بمشهد شالوم عابراً على الجسر التركي العتيد... في الإقدام على مثل هذه المناصرة المزعومة، التي أقل ما يقال فيها أنها بمثابة المكافأة لشارون على مضيه قدماً في تهويد القدس وأكنافها، وتبرئة ليديه الملطختين بالدم العربي الفلسطيني المستباح؟!