(عين شلوش)
عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا
كانت مستعمرة (عين شلوش)، الواقعة إلى الجنوب من مستعمرة (كوسوفيم) وبموازاتها، وكنا قد تعرضنا للأخيرة في مقال سابق، على موعد غير مفاجئ مع الجنرال أرئييل شارون رئيس الوزراء "الإسرائيلي". جاءها قبل أيام ليلتقى عدداً مختاراً من ضباط جيش الاحتلال، ممن أوكل لهم أمر التعاطي مع تراجيديا عملية إخلاء مستعمرات قطاع غزة... (عين شلوش)، التي كانت أراضي أبو ستة، أو بدقة أكثر (عين هاشلوشا) أو عين الثلاثة، والثلاثة هنا كلمة ترمز لبعض ممن قتلوا من الغزاة المحتلين إبان المواجهات مع المقاومين الفلسطينيين قبل احتلال المكان إبان أعوام النكبة، وتخليداً لهم ، تبتعد كيلومترات قليلة فحسب، كسواها من مستعمرات الخطوط الأمامية، عما يعرف بخط الهدنة، أو حدود المسلوب من فلسطين عام 1948 مع قطاع غزة ، أو ما أرادوا تكريس تعريفه لاحقاً بالخط الأخضر، والذي يحلو لبعض الفضائيات العربية الإصرار على تسميته بالحدود "الإسرائيلية"..!
...وغرباً في الطرف المقابل للمستعمرة تماماً، وعلى بعد، أيضاً كيلومترات قليلة من خط الهدنة وربما بذات المسافة، أي على شاطئ البحر الغزّي تقع كتلة مستعمرات (غوش قطيف)، التي تم إخلاؤها للتو من المستعمرين، الذين غادروها برعاية الكاميرات وشاشات التلفزة محمولين برفق على سواعد الجند إلى حافلات مريحة حملتهم بدورها عبر معبر الجارة الشهيرة (كوسوفيم)... مع مفاتيح بيوتهم الجديدة، حيث مستعمرات أجد وأرحب، في النقب أو الجليل، والأهم في الضفة الغربية، دون أن ننسى أن في انتظارهم، وقد عرّج بعضهم على الفنادق وأماكن النقاهة، الشيكات التعويضية الدسمة على نفقة العم سام قريباً، وأول الغيث المعلن هو قطرة لا تزيد عن مليار دولار مع ما تيسر من التبرعات الخاصة، وخارج الأقنية الرسمية تنثال من جيوب الموسرين الأميركان ويهودهم.
لماذا جاء شارون المتهم هذه الأيام من قطاعات "إسرائيلية" غير هامشية بخيانة الحركة الاستعمارية التي يعد أباها، والذي كان مستعمروها يلقبونه بملك "إسرائيل"، هارعاً إلى (عين شلوش) بالذات، وما الهدف من التقائه بضباطه فيها؟
للإجابة، ليس من الصعب علينا إدراك سر اختياره لها بالذات، وقد عرفنا أنها المستعمرة الحدودية المواجهة لكتلة مستعمرات (غوش قطيف) في وسط قطاع غزة، التي خلت من ساكنيها، وطفقت الجرافات بتسويتها بالرمال مع حدائق المواصي ودفيئاتها. كما أنه من الطبيعي أن يتوقع منه أن يلتقي قادة جيشه الذين أوكل لهم أمر الإخلاء، أي من أشرفوا على تنفيذ سيناريوهاته الإخلائية الإعلامية التي وضعها لمسرحية معبر (كوسوفيم)، التي تعرضنا لها في مقالنا السابق، وإن من واجبه أن يشدّ من أزر من حُمّلوا مسؤولية حسن إخراجها في مشاهد هوليودية كانت تتم التهيئة لها والتدريب عليها منذ عام، لتأتي وفق ما تتطلبه الاستهدافات المنشودة منها. لاسيما في أوج هذه الضجة أو الهزة التي أثارها هذا الحدث الذي صوّر بالأشبه بالمأتم "الإسرائيلي"، أو هكذا أريد له أن يصوّر، وأن يثير جدلاً قد يطول في طول وعرض كيان استعماري إحلالي عنصري، يتعالى فيه صراخ المستفظعين أن يقوم يهودي بإجبار يهودي على مغادرة البيت الذي احتله من "الغوييم"... بل وصل الأمر إلى اتهام الجنرال "ملك إسرائيل" وباني المستعمرات الأشهر بالنازية من قبل أبنائه المستعمرين بالذات، وحتى تسمية من نقلوا سياحياً بالحافلات الفارهة المكيّفة إلى مستعمرات جديدة، أو عناوين جديدة تتوفر فيها ظروف استعمارية أفضل وأجدى وآمن، وفي سياق استراتيجية تهويدية أشمل، باللاجئين، في بعض الصحافة "الإسرائيلية"!
...بالمناسبة، دعت صحيفة (يديعوت أحرونوت) في معرض ندبها للحدث، أو مشاركتها في البكائية "الإسرائيلية" الدائرة هذه الأيام، وحرصاً منها على التعبير عن إشفاقها على المستعمرين المنقولين... التي تقول زميلة أخرى لها هي (معاريف) أن 50% منهم يعانون كوابيساً نتيجة فك الارتباط الشاروني... دعت إلى اعتبار مغادرتهم للمستعمرات المخلاة بمثابة لجوء مقابل لجوء، بمعنى أنه إخلاء يهودي يعادل طرد اللاجئين الفلسطينيين من فلسطينهم، والذين عليهم الآن، أي على الفلسطينيين، تسوية أوضاعهم نهائياً وفق ما أتاحته لهم فرصة إخلاء مستعمرات غزة، أي انتهاز إمكانية اتخاذ ركامها المدمر الذي عليهم هم أن يزيلوه وليس من هدموها، بديلاً عن بيوتهم في مدنهم وقراهم التي طردوا منها عام 1948، وبذا تكون واحدة بواحدة وفق المنطق "الإسرائيلي"!
ماذا قال شارون لضباطه الذين يعانون وفق المنطق "الإسرائيلي" إياه عقدة إخلاء اليهودي لليهودي من البيت الذي استولى عليه من "الغوييم"؟ أو بماذا دافع عن نفسه في وجه سيل الاتهامات، بل الشتائم، التي كالها له ليكوديون عتاة مزاودين على صهيونيته من أمثال عوزي لنداو وأفي ايتام ونتنياهو؟
قال، ما سبق وأن أكده لمرات ومرات: لن تكون خطة فصل أخرى، ولن نتفاوض مع الفلسطينيين حول ما تدعى "خارطة الطريق" إلا بعد قيامهم بتفكيك التنظيمات الإرهابية، وإجراء إصلاحات في أجهزتهم الأمنية... والأهم هو أنه يمكن "لخريطة الطريق" أن تقودنا إلى اتفاقيات جديدة في المستقبل. ومعنى هذا أنه حتى لو تفاوضنا وفقها، فلكي نخلص إلى ما هو أفضل لنا وأسوأ منها بالنسبة للفلسطينيين، وهكذا دواليك حتى تصفية القضية!
وزاد شارون: سوف أعمل على توطين المستعمرين الذين تم إخلاؤهم بالشكل الذي يريدونه... وهو على أية حال بدأ في تنفيذ وعده هذا، إذ نقل، مثلاً، مستعمري (نيتساريم) الخمسمائة، والذين كان يحرسهم خمسمائة وخمسون جندياً، إلى مستعمرة (أريئيل) قرب نابلس أو ما غدت المدينة الاستعمارية الكبرى في الضفة، استجابةً لطلبهم... والأمر نفسه كان شارون قد أكده سلفاً ونقلته عنه صحيفة (جيروزلم بوست) إذ قال: سيتم البناء في الكتل الاستعمارية... كتلة )أريئيل) ستبقى جزءاً من "إسرائيل" إلى الأبد، ومتصلة عبر الأراضي بها، و(معاليه ادوميم) ستواصل التوسع وستكون متصلة بالقدس... لن يكون هناك خطة فك الارتباط ثانية...
بعدها بأيام تم الإعلان عن الشروع في مصادرة الأراضي اللازمة لتوسيع (معاليه ادوميم) وربطها بالقدس... ما صودر يزيد على مساحة قطاع غزة... أي عملياً فصل شمالي الضفة نهائياً عن جنوبها والإطباق التام على القدس... إلى جانب تكثيف الاستعمار في منطقة الأغوار!
إذن في (عين شلوش) أسدل شارون أو أراد أن يسدل ستار مسرحية (كوسوفيم)... انتهت ما دعته صحيفة (هآرتس) "الإسرائيلية" بؤر المقاومة الاستعمارية للقرار الشاروني الاستراتيجي التهويدي: الضفة مقابل سجن غزة المسيج براً وبحراً وجواً، وتمت عملية إجلاء مقاوميها المفترضين بسلاسة تامة ، وغدت التهديدات بالثورة البرتقالية اليهودية المعلنة في رمال شواطئ غزة، وفق وصف حاخام مستعمراتها، وراء ظهر ملك "إسرائيل" وبلدوزرها التهويدي، الذي لا يلتفت كثيراً إلى الزعيق الليكودي أو عويل مستعمريه المفتعل، والذي لا يخرج بحال عن نص المسرحية التي وضعها، ولا يبتعد الممثلون مهما خالفوه عن خدمة الغرض منها... استمع دون أن يرف له جفن أو يكلف نفسه عناء حتى الرد على عوزي لنداو في اجتماع لجنة الخارجية والأمن في "الكنيست" وهو يشتمه قائلاً:
أنت كذّاب ومحتال وفاسد، وقد باتت أيامك في المنصب معدودة... أنت لا تستحق أن تكون زعيماً!
أو (أفي ايتام) يكمل ما بدأه لنداو: "إننا نضبط أنفسنا، لكن انتقامنا سيتمثل في إخراجك من الخارطة السياسية. سوف نطردك من الحكم، لكن لا تقلق لن يمسك أحد جسدياً، لا لشيء إلا لأنك لا تستاهل ذلك... سنتركك تلاطف الخراف في مزرعتك"..!
ولا على نتنياهو الذي لا يرضيه عرض التخلي عن سجن غزة مقابل تهويد الضفة، زاعماً: "إننا خلقنا سابقة مثيرة وهي أن اليهود يعطون ولا يحصلون على مقابل"!
...ترى أي مقابل بعد يريده نتنياهو؟!
...لم يرد شارون على هؤلاء في "الكنيست" وإنما في (معاليه ادوميم) منفذاً ما وعد به ضباطه في (عين شلوش)... ردّ عليهم في طولكرم عبر مجزرة اغتيال الشهداء الخمسة... وبالمضي قدماً في تنفيذ خطته التهويدي أو حله الخاص للصراع... الحل الانتقالي طويل الأمد وعلى مراحل...
في (عين شلوش) أنهى شارون العرض المسرحي الكوسوفيمي في تسعة أيام... كان عرضاً سهلاً وسريعاً، يكشف عن ضآلة حجم معارضة حكاية فك الارتباط ومحدودية فاعلية معارضيها... كل ما في الأمر إن عملية نقل جرت لأقل من سبعة آلاف مستعمر كلفة حمايتهم باهظة مادياً وبشرياً ولا ضامن لمستقبل وجودهم في ظل بحر ديموغرافي عربي، وبنقلهم يتم تعزيز وجود 260 ألف آخرين منهم زرعوا في الضفة الغربية... أيده في ذلك غالبية "إسرائيلية"، والأهم: أن ما فعله لاقى استحساناً أمريكياً، وشهادة بوشية تقول: "السلام بات قريب المنال في الأراضي المقدسة"!
هل يستغرب أحد إذا ما تم ترشيح شارون من قبل الكونغرس الأمريكي للفوز بجائزة نوبل للسلام العام المقبل؟!
...وعودة إلى (عين شلوش)... كانت في الخمسينات تسلط رشاشاتها على الرعاة والمزارعين الفلسطينيين العاملين قرب المناطق المحرمة، أو خط الهدنة نهاراً، وفي الليل كانت كاشفاتها العملاقة تمزق حلكته باحثة عن المجموعات الفدائية المتسللة إلى الوطن المحتل، أو ما كان يعرف بفدائيي الشهيد مصطفى حافظ...
واليوم، يعلن فيها شارون استيلاد شبيهات من العين شلوشات سوف تتكاثر كالفطر في الضفة المراد تقطيع أوصالها أكثر توطئة لتهويدها... بمساعدة مفيدة من صراخ لنداو وزعيق ايتام وعويل نتنياهو وبؤر الثورات البرتقالية للحاخامات ولاجئيهم!
...لكن هناك أيضاً ما يقوله حتى "الإسرائيليين"... قالته هذه المرة صحيفة (هآرتس): "لو بقي فلسطينيون خائفين منصاعين، كما كانوا قبل عشرين عاماً، لما خطر ببال أحد أن ينسحب من غزة أو من أي مكان آخر في المناطق... إنها المقاومة والمقاومة فحسب"...
وأخيراً... فلسطينياً وعربياً، حبّذا لو يعطى حدث إعادة الانتشار خارج غزة حجمه الحقيقي الذي لا يحجب استحقاقاته الشارونية أو يقلل من خطورتها. أي بعد أن يحتفل من يحتفل، ويفرح من يفرح، وهذا جائز وحق لمن خبر دواهي الاحتلال، على الجميع الانتباه إلى ما وراء دعوة الرئيس بوش الفلسطينيين إلى إقامة حكومة فاعلة في غزة... غزة السجينة لا المحررة لمجرد إعادة الانتشار حولها براً وبحراً وجواً، والتي إن لم يراد لها أن تكون أولاً وأخيراً، وهذا ما يرجح، بل ما قاله بالصراحة تامة ومنذ أمدٍ ليس بالقليل يمتد لبدايات الحديث عن خطة فك الارتباط المستشار القانوني لشارون فايسغلاس، فعلى الأقل فصلها عن الضفة، أو تحييدها وإبعادها عن صراع مرحلة ما بعد فك الارتباط... أي أن المعركة التصفوية الكبرى بدأت للتو، أعلنت في (عين شالوش) وساحتها الفاصلة هي الضفة... والضفة عندهم ليست غزة... لكن الفلسطينيين، وعندهم أيضاً، ما عادوا خائفين أو منصاعين... أي أن عزاء أمتنا المغيّبة أنهم شعب ظل رغم الاستفراد به عصياً على الانكسار...