تقسيم العراق نموذجا في المنطقة العربية

د. محمد صالح المسفر/أستاذ جامعي من قطر

في العراق بدأت خطوات تطبيق نظرية التفتيت في المشرق العربي ليلحق بها مغربه، ذلك البدء جاء مع إقرار ما يعرف بـ"مسودة دستور العراق الجديد" التي عمل على صياغتها لجنة من مجموعة ليس لها معرفة بالقوانين الدستورية ولا بقواعد تدرج مواده، فهو يتجاهل السيادة ويركز على قضايا فرعية ليس مكانها الدستور مثل "اجتثاث" حزب البعث وحصانة المرجعية الشعبية وغيرها من توافه الأمور.

مرجعية هذا المشروع الخطير تستند إلى قوانين ولوائح أعدها فكر صهيوني - قانون إدارة الدولة، إذ ينص ذلك القانون المشار إليه آنفا إلى أنه يحق لكل ثلاث محافظات أن تقيم حكومتها الخاصة وتحدد علاقاتها مع الآخرين في الداخل والخارج - هذه النصوص تمت رعايتها وحمايتها من قبل المندوبين الساميين الأمريكان في العراق من بريمر إلى خليل زادة وغيرهم، زد على ذلك عربها وسوقها عصبة شعوبية طائفية حاقدة جاءت مع طلائع الغزاة لبلاد الرافدين.

العراق منذ الأزل يشكل وحدة جغرافية سياسية واحدة من عهد حمورابي قبل الميلاد مروراً بعصر الخلفاء الراشدين وإلى الدولة الأموية ثم العباسية والتي دامت 800 عام وجاءت بعدها دول ودول مروراً بالدولة العثمانية وانتهاء بجمهورية العراق التي احتلها الغزاة عام 2003.

تحت شعار الديمقراطية والحرية يجري تقسيم العراق باسم الفيدرالية والتي في تقديري لا يعرف معنى الفيدرالية خريجو مدارس الحانات والطامعون في المال الوفير والجاه والسلطان.

الفيدرالية في جميع بقاع العالم حتى في مملكة جورج بوش لم تقم على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية أو لغوية بل على أسس غير تلك وإلا لكان للهسبانك في الولايات المتحدة الأمريكية محافظات مستقلة بهم وكان للسود إقليم خاص بهم حيث تكاثرهم في الجنوب ولخمسة مليون مسلم أمريكي أيضاً إقليم يخصهم ويعملون علي تعديل الدستور الأمريكي حسب عقائدهم الدينية والعرقية وغيرها، ثم ماذا عن مفهوم الهوية عند - المدرسة الصفوية - يقولون الشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية ولا يعترفون بأن العراق جزء من الوطن العربي وهذا خلاف جوهري، ليس ذلك فحسب بل أنهم يرفضون أن يكون العراقي هو من أبوين - أم وأب - عراقيين وهذه قاعدة خطيرة إذا اعتمد القول بأن العراقي هو المولود لأم أو أب عراقي كما يرغبون وهذه القاعدة لم ترد في أي نص من نصوص المواطنة في دول المشرق العربي.

(2)
لماذا هذا الإصرار على إصدار دستور للعراق في عهد الاحتلال وتحت إشرافه وإدارته بسرعة لا سابق لها، هل لأن بوش الابن الغازية قواته للعراق يريد أن يقول لشعبه لقد حققنا النصر في العراق وثبتنا جمهورية ضعيفة مفككة الأوصال لا رابط لها ولا سند سوى الطائفية والشعوبية، وكتبنا دستوراً يتفق مع أهدافنا هناك، وهناك تساؤلات كثيرة في هذا المجال وردود أكثر ولكن ليس هذا مجالها.

نريد أن نذكر بأن حالة الاستعجال في الصياغة والإقرار لهذا البرنامج الذي يمس أمة يشكل خطورة وسابقة تاريخية سيجري تعميمها مستقبلاً فلا يجب القبول بأن تكون أوطاننا حقول تجارب للآخرين.

المملكة العربية السعودية ليس فيها دستور وضعي منذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة والتي لها أكثر من ثمانين عاماً ولم يختل التوازن رغم التباعد الجغرافي لمكونات المملكة. وبريطانيا بلا دستور مكتوب والانتقال إلى الديمقراطية الانكليزية اخذ سبعة قرون منذ إنشاء أول برلمان عام 1265 ولم تهتز بريطانيا العظمي إلا بالحروب وكان آخرها غزو العراق عام 2003. والولايات المتحدة الأمريكية تجاوزت مدة إعداد الدستور الأمريكي عن الثلاث سنوات وخرج بتوافق الآراء في مؤتمر فيلادلفيا.

(3)
في هذا المجال فإني أتوجه بدعوة وطنية صادقة إلى كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية وجمهورية اليمن وجمهورية مصر العربية بالوقوف إلى جانب الشعب العراقي الشقيق في رفض هذه الجريمة - تقسيم العراق - على أسس عرقية طائفية طبقاً لقواعد تشريعية استعمارية بغيضة، إن هذه الدول آنفة الذكر تتحمل مسؤولية تاريخية في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية، إن نظرة إلى خارطة كل من هذه الدول التي أتيت على ذكرها مؤهلة حسب رؤية أمريكية إمبريالية صهيونية للتفكيك والتجزئة، والعراق ما هو إلا بوتقة اختبار. لقد شاركت هذه الدول بطريقة أو أخري - ولم يعد سرا - لإسقاط النظام السياسي في العراق الأمر الذي أدى إلى سقوط الدولة العراقية واحتلال البلاد من قبل قوى غازية وعصبة الحقد والكراهية، والآن مطلوب التصحيح والتكفير عن الأخطاء السابقة منذ عام 1991 في حق العراق، وذلك يكون بنصرة أهل العراق الرافضين للهيمنة الأجنبية وتقسيم بلادهم على أسس انتقامية من قبل دولة الاستكبار العالمي وعصاباتها في المنطقة.