بين دستور بوروندي ودستور العراق
د. عبد العزيز المقالح/شاعر وأستاذ جامعي من اليمن
العلاقة الجامعة بين الدستورين البوروندي والعراقي أنهما يصدران في وقت واحد، وأنهما يبحثان أو ينبغي أن يبحثا عن القواسم المشتركة بين مواطني كل منهما ليضعا حداً للاختلافات العرقية والطائفية. وبوروندي دولة صغيرة ضائعة أو شبه ضائعة في أواسط أفريقيا لا تاريخ لها تتألف من قبائل متنافسة عرقياً وطائفياً أهمها قبيلتا الهوتو والتوتسي، وسبق أن احتلت أخبار هذه الدولة في السنوات الأخيرة صدارة الأنباء لما عاناه أبناؤها من مجاعات وحروب أهلية قذرة التهمت مليونين من سكان تلك البلاد أغلبهم من الأطفال والشيوخ والنساء. وفي الآونة الأخيرة استيقظ الضمير الإنساني في المنظمات الدولية وفي بعض الدول المجاورة والأهم لدي بعض أبناء بوروندي أنفسهم وبدأت تلك البلاد تداوي جراحها وتستعيد كيانها الواحد في ظل دستور يضمن الحياة الكريمة لكل أبناء بوروندي علي اختلاف أعراقهم وطوائفهم.
أما العراق فوطن عربي - أو أنه كان كذلك قبل الدستور الجديد - ومنذ عشرة آلاف عام وهو حديث العالم بحضوره الواقعي الأسطوري. بين نهريه ظهرت أهم الحضارات وتكونت الأبجديات والقوانين والأنظمة الأولى للدول. وسجلت الحضارة العربية الإسلامية فوق ترابه أهم الانتصارات المعرفية في مجال العلوم والفنون والآداب، وكانت بغداد واحدة من أهم حواضر العلم والتطور في تاريخ البشرية.
يتألف شعب العراق من أغلبية عربية وأقلية كردية تعايشتا عبر العصور في وئام وسلام قبل أن تبدأ أصابع الصهيونية والاستعمار بشقيه القديم والجديد في العبث بهذه الوحدة التاريخية وفق هدف محدد يرمي إلى هدم الوفاق الوطني والإطاحة بالكيان الواحد للعراق الكبير وتصعيد نغمة الأقليات والضرب على وتر الاختلاف المذهبي والعرقي والجهوي إلى آخر ما في جعبة القوي المعادية للشعوب الصامدة في وجه المخططات الخبيثة من وسائل تدميرية.
أعترف أنني لم اقرأ من الدستور البوروندي سوى فقرات عن طريق الانترنت ثم ما ركزت عليه الإذاعات العالمية من نقاط بالغة الأهمية. في تلك الفقرات ما يكفي للتعرف علي استفادة البورونديين من المعارك الرهيبة التي صنعتها الخلافات العرقية والطائفية ومحاولات الاستئثار بالسلطة وإقصاء الديمقراطية والاحتكام إلى القوة التي كان الأبرياء وحدهم هم الذين يقعون ضحيتها، أما المجرمون والمتسلطون فقد كانوا بإمكاناتهم وميليشياتهم يعيشون في أمان. ومن أهم فقرات الدستور البوروندي أن بوروندي جمهورية موحدة وهو ما يتناقض تماماً مع مشروع "دستور العراق الجديد" الداعي إلى جمهورية مفككة الأوصال والأطراف، وقد قرأته كلمة كلمة وحرفاً حرفاً وآلمني أن يكون البورونديون أحرص من العراقيين على وحدة أرضهم بوروندي التي ارتوت من دمائهم وشبعت من جثثهم. ولعل ما يبرز للأشقاء في العراق المحتل ظهور دستور كهذا أن قوى الاحتلال هي التي أملت فقراته وتهاونت في صياغته الخالية من لغة الدساتير حتى المترجم منها.
وقد كانت اللغة العربية في العراق وما تزال بخير وحتى في أسوأ مراحل التراجع والانحطاط لم يكتب العراق وثائقه بهذا المستوي اللغوي الهابط. فكيف حدث أن تمت صياغة "مشروع دستور عراقي دائم" بهذه اللغة الركيكة، وهو ما يؤكد أنه دستور مستورد ملفق علي حد تعبير أنصار الإمام الشيعي الشاب مقتدي الصدر، وتأتي المادة 16 من هذا الدستور الملفق على النحو الآتي:
أولاً: يحظر اتخاذ العراق ممراً أو مقراً لقوات مسلحة أجنبية.
ثانياً: يحظر إقامة قواعد عسكرية أجنبية في العراق.
ثالثاً: للجمعية الوطنية عند الضرورة وبأغلبية ثلثي أعضائها السماح بما ورد في البند أولاً و ثانيا)!.
ويا سلام على هكذا عراق ديمقراطي إنساني نموذجي تهفو إلى الاقتداء به جماهير العرب والعجم!!
تأملات شعرية:
باعوهُ
باعوا يوسف أجمل أبناء الضاد
وكانوا يا يوسف من قبلك
قد باعوا القدس
وباعوا أسماء الله الحسنى
سجدوا للشيطان الأكبر.
لا تحزن يا يوسف
إن صلاح الدين على أسوار القدس ينادي:
من بغداد اليوم
سيبدأ زحف الموج الأخضر.