هكذا كان الغرب ولا زال من أوربان الصليبي إلى بوش الصهيوني
الهادي المثلوثي – تونس
1 - الأوروبي الإله وفقدان الصواب
ما بين عصر أوربان الثاني (1096 ميلادي) منظم حملات الإرهاب الصليبي إلى بوش الابن أو أوربان القرن الواحد والعشرين قائد حملات الإرهاب العالمي، هناك تاريخ طويل وثقيل من أشكال الإرهاب وحروب الترويع والإبادة بتخطيط مميز للعبقرية الأوروبية الخالصة ونتيجة طبيعية لعصر الأنوار منبت العنصرية والأيديولوجيات الاستعمارية.
سأذهب إلى ذلك التاريخ البعيد ولكنه بالفعل والممارسة قريب بل لا زال يفعل فعله فينا بنفس المنطق والأسلوب ونفس التفكير والتدبير. فماذا علينا أن نصدق ماضيهم أم حاضرهم، أقوالهم أم أفعالهم ؟. ماذا علينا أن نرى شعاع أنوارهم أم نيران حروبهم ومظالمهم ؟. لقد مد شر الغرب جناحيه وانقض على الإنسانية ردعا وفرزا وعلى الحضارات تخريبا وهدما. وليس على ذلك دليلا غير ما قالوا وما فعلوا. ثقافة عصر الأنوار تنير وتكشف مكامن خصبة لأفكار الشر والعنصرية، وتاريخهم الاستعماري برهن ولازال عن زيف رسالاتهم التنويرية وازدواجية أخلاقهم وقيمهم ومبادئهم التحررية وما يدعونه من ديمقراطية مزعومة. هم الأولى بالحرية والرخاء والبقية رعايا في الدرك الأسفل وفي خدمهم. هم الأولى بالقيادة العالمية وبالسعادة الأبدية مثلما رسمته عقليتهم الواقعية وعبقريتهم الفكرية وقوانينهم الطبيعية الموغلة في الأنانية والوحشية بناء على قانون القوة وأسبقية التحكم.
حبا في الغرب وخوفا عليه ودفاعا عن الشرق ولاء وقناعة بأن النور يشرق شرقيا ويبلغ علاه وفي الغرب يسقط رمادا على رماد. قرأت وأعدت القراءة وتأملت فاحصا تاريخ الغرب البعيد والقريب. غصت عميقا في العقل والفكر والذات وما قدمت عبر الحروب وعصور الأنوار والثورات والتطورات وما واكبها من تقدم ورخاء مادي ومن تحريف وانحطاط إنساني. كانت العلة فيه هي الاعتقاد " أن أداة السعادة ستكون هي التقدم المادي "[أ][i]. هذا الاعتقاد المغتر عمق إيمانه بأن " الكمال الإلهي قد أوجب على نفسه أن يسمح على الأرض بكمال أعظم وفي اطراد دائم... واختيار الشعب الذي كان يجب أن توكل إليه الوديعة المقدسة "[ب][ii] التي ستتكشف معالمها من خلال ما يمكن الوصول إليه من أفكار أوروبية خالصة إخلاص العقل المقدس لذاته حيث الإنسان وما يرى هي الحقيقة وأن القوة تحكم وليس الفضيلة.
أبحرت غير محايد لأقرأ الذات بالذات والعقل بالعقل والفكر بالفكر حتى تكون المقارعة موضوعية وحجج المواجهة من صميم الحياة العملية والأحداث التاريخية والثقافة المادية. فلم استنبط رأيا أو حكما من عندي تأسيا بقول لوسيان فيفر "ليس المؤرخ ذلك الذي يعرف، إنه ذلك الذي يبحث، وإننا نبحث" من خلال حقول الفكر والآراء والنظريات والتحاليل والممارسات الغربية لنكشف عن الخلفية الفلسفية الأوروبية صانعة (الإنسان الإله، والمجد المدني والتفوق الأبدي). فهذه العبارات الموغلة في الذاتية المتعالية تكفي لوحدها للدلالة على أن خلف كل فكرة غربية شيطان يتربص في انتظار الرقص على آلام الآخرين تخفيفا لآلام المسيح الافتراضية.
وحتى يتم الرقص على آلام الآخرين لا بد من عقل لا تأخذه الغفلة ولا الرحمة ومجد ممتد على مدى ما يسمح به التفوق والقوة الضاربة.
كيف يسعد المسلمون والشرقيون ويجدون في الأوهام سلوى وفي القناعة توازنا والمسيح معلق والأوروبي يقيم صلاة الاعتراف بالخطيئة ليفرغ منها إلى خطيئة أخرى قديمة أو جديدة ؟ ليرفع الصليب أداة العذاب حتى الموت، أداة الترهيب والترويع، أداة تذكير بأن من يحمل الصليب هو قاتل منتقم ممن لا صليب ولا ذنب لهم في صناعة الموت والآلام والاحتراب والانحراف عن القيم الإنسانية والوحي السماوي باستبدالها بالقيم المادية والقوانين الطبيعية الوضعية التي جادت بها العبقرية الأوروبية. كان أصحاب هذه العبقرية "يحسبون أن نور عقولهم سيبدد عظائم أكداس الظلام التي كانت الأرض مغطاة بها وأنهم سيعثرون على منهج الطبيعة وأنه ليس عليهم إلا أن يتبعوا هذا المنهج لكي يظفروا بالسعادة المفقودة وأنهم يشيدون حقا جديدا لا توجد بينه وبين حق الإله أي صلة، وأخلاق جديدة مستقلة عن كل لاهوتية، وسياسة جديدة تحوّل الرعايا إلى مواطنين، وأنهم سيخلعون على التربية مبادئ جديدة تقي أبناءهم من الوقوع في الأخطاء القديمة، وحينئذ تنزل السماء إلى الأرض وفي تلك المباني المنيرة الجميلة التي بنوها تترقى أجيال وتصبح لا حاجة لها في أن تبحث خارج أنفسها عن أسباب وجودها ولا عن عظمتها ولا عن سعادتها"[ج][iii].
ونزولا إلى الواقع والأحداث التاريخية، يجمع القدامى والمعاصرون على "أن الحضارة الأوروبية هي تراث الإغريق والرومان والمسيحيين"[د][iv]. هذا صحيح إلى حد ما ولوقت محدد لا يتجاوز العصور الوسطى. ولا يعني هذا أن الحضارة الأوروبية تخطت موروث تلك الحضارات القديمة، وإنما أخذت منها وعنها كل ما هو سيء لمواجهة أعدائها المزعومين والمحتملين وكل ما هو مفيد لبناء خصوصيتها ونهضتها في فصل واضح مبني على الأنانية والتمييز العرقي والثقافي. "وبالإيجاز كانوا من المسيحيين اسميا ولكنهم أشد وثنية من المشركين وعبدة الأصنام وقصارى القول أنهم طوائف خلت قلوبهم من محبة الغير"[ه][v].
ضمن هذه الروحية نشأت أوروبا ولكن بعقلية ونفسية تختلف تماما لأن ثمة انقلابا قد حدث وتمردا قد سرى في شرايين الفكر الأوروبي المجدد وأسس لما سمّي بعصر الأنوار والنهضة الأوروبية الشاملة. منذ منتصف القرن العاشر الميلادي شهدت أوروبا نموا سكانيا وحركة تجارية وافتتاح شبكة من الطرقات والأسواق عبر مجمل المجال الأوروبي من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. ولم يبق لأوروبا غير العبور إلى ذاتها وقواها لتشرع لنفسها حق الاستيلاء والاستحواذ استحقاقا للتميز العرقي وممارسة للألوهية. وقد صار بيّنا للأوروبي أنه ما دامت الطبيعة معه فالكل يجب أن يكون له.
أخذ الأوروبيون من الإغريق المنطق النفعي والعقل البراغماتي ومن الرومان نزعة القوة والتوسع ومن المسيحية اللاهوت الإنساني وكل ما هو وضعي مقدس (الكتاب المقدس، الإمبراطورية المقدسة، الإنسان الإله، الذات الأرقى،العقل الحر، التفوق الحتمي...). مع العلم أن كل ما أخذوه من مرجعيتهم الحضارية تلك هو الجانب الذي يخدم مصالحهم وما يعزز لديهم قدسية العقل والذات أي ما هو شر على غيرهم وما هو نفع خاص بهم، فكانوا على لقاء حميم بروح القوانين العنصرية.
"كان تقدم المعارف قد نمى الإيمان بتقدم متصل للإنسانية نحو حالة أعلى، باعثا عند الكثيرين من الأوروبيين شعورا بازدراء الماضي"[و][vi]. فانخرطوا في طور جديد من الحياة والتفكير حيث صار كل شيء لديهم بل "كل الحياة تتضح بالمادة وحدها"[ز][vii] كما يقول مجمل العلماء والمفكرين والمثقفين المنهمكين في فلسفة تقديس العقل.
وهكذا تدريجيا وفر النتاج الأدبي والفني والنبوغ الفكري والفلسفي في العهد الإمبريالي الاستعماري الأوروبي أرضية خصبة لنمو عقلية غربية بحتة امتلكت القدرة والجرأة لتتخلص وتتمرد كليا على تأثيرات الجنوب والشرق وتنأى بنفسها عما تعتقد أنه قديم أو وافد عليها بسبب كثرة ما امتلأت بالنوازع الذاتية والعقلية المتحررة التي ولا شك رفعت أوروبا إلى مرتبة متفوقة فانتصبت معلمة للشعوب، صانعة للثقافة وللمدنية والتقدم، بذلك صارت أوروبا في نظر أهلها سيدة على الأمم ومقررة لمصير البشرية بكل الوسائل الممكنة طالما أن بلوغ الغاية لا يستثني حيلة ولا يمنع أمرا تمليه الطبيعة البشرية (أو المدنية الأوروبية الجديدة حصرا) لأنها نتاج خاص بعبقرية أبناء أوروبا "وليس معنى هذا أن أبناءها كانوا مبرئين من العيوب، كلهم كانوا هائجين وكان تاريخهم تاريخ ثورات غير منقطعة ونسيجا من أنواع البؤس وألوان الجنون وأصناف الجرائم. ولما أفسدهم الترف فقد كانوا يستغلون بقسوة سكان المستعمرات التي غزوها. ومع ذلك فإنهم كانوا يحتفظون بحق اعتزازهم بأنفسهم... ذلك لأنهم كانوا الأقوى وكانوا هم الأقوى لأنهم هم الأحكم وحيث أنهم الأحكم فإنهم كانوا يمثلون درجة أكثر تقدما في المدنية"[ح][viii] كنتيجة حتمية لقوانين الطبيعة الأوروبية الملائمة التي كرست التميز الغربي حيث يعتقد بول هازار في ما يقول به مونتسكيي من "أن الفرد سيكون ما يتطلبه الوضع الجغرافي" ويذهب به التفكير للقول: "إن شعوب الشمال نشيطة بينما أن شعوب الجنوب رخوة"...وهذا هو السبب في أن الشرقيين هم دائما متأنثون وشهوانيون وخاضعون للسلطة الاستبدادية، بينما أن الشماليين هم دائما أقوياء ونشطاء"[ط][ix]. هذه أحكام الطبيعية ومن المنطق والحكمة أن يكون الأقوى في طليعة جنسه والحاكم بأمره.
مع أن "الناس كانوا يشعرون بعاطفة جد قوية، مؤداها أن أوروبا تفوق أجزاء العالم الآخر في كل شيء. حقا إنها أقل سعة من آسيا وأفريقيا وأمريكا وأن أهلها أحسوا في هذا بشيء من الغضاضة. ومن ثم فإنهم قد أضافوا على عجل أن هذا الصغر قد عوّض بعدد من أسباب العظمة...التي لا تعرفها الأجزاء الأخرى من العالم"[ي][x]، وهي القوانين المشتركة والدين المشترك وعصر الأنوار المشترك...إنها تؤلف نوعا من جمهورية عظمى للحرية والقوانين الواقعية والحقوق المادية والكبرياء البشري النوعي "وفوق ذلك كله السمو العقلي في العلوم والفنون الجميلة والفنون المكانيكية التي كانت تضاعف الثروات...أي إن أوروبا كانت هي الجزء الفلسفي أو الجزء المفكر"[ك][xi]. وبمعنى آخر تعد أوروبا عقل العالم وقوته المادية. ولكن هذا العقل فقد صوابه وهذه القوة أصابها الجنون.
2 - فردوس الطبيعة وشرعية حب الذات
استخدموا الصليب في مواجهة الإسلام والواقعية المادية في مواجهة قيم الشرق الروحية، واستخدموا العلم في بناء حضارتهم وهدم حضارة الآخر واعتمدوا التقدم والتفوق في تأصيل حرية الإنسان وتمرد العقل لتطويع قوانين الطبيعة واستعباد غيرهم وابتزاز واستغلال قدرات وثروات الشعوب غير الأوروبية. فلم تتوحد أوروبا داخليا بقدر وحدتها خلف الصليب منقذها من العزلة والانطواء في ظل الحضارة المتوسطية المتفاعلة والمتنازعة. شحنت الكنسية العقول والنفوس من أجل تحرير القبر المقدس وعبر ذلك تحرير الرغبة الأوروبية وفك عقال قواها الشريرة لتندفع متوسعة خارج إطارها الجغرافي. لقد دفعت الكنيسة بحقدها الدفين نحو الشرق ودفعت من خلفها أوروبا شياطينها وأشرارها وإرهابييها ونهّابيها وكل من لديه طاقة خبيثة وطامعة في ثروات الشرق وراغبة في خراب دياره وإطفاء أنواره.
وحينها لو كان أوربان الثاني عاقلا ومؤمنا حقا لما استجابوا له ولكن لقناعتهم أنه يعبر عن وجودهم وغرائزهم فلم يترددوا في تلبية دعوته وترديد صيحته (المسيح المعذب يدعوكم..، القبر المقدس يرجوكم..، الوعد الأعظم ينتظركم..) وعبر كل ذلك كنوز الشرق والانتقام من الرعاع والأوغاد، لأن ثمة عقدة ظلت تشحن العقلية الغربية بنزعة الحقد والنقص معا، عقدة عميقة بمثابة الجرح الغائر في الفكر والنفسية الغربية وهي أن يجد الغرب نفسه مُحرّرا وقبر المسيح غير محرر، وهي أيضا أن الشرق متأصل وعريق في حضارته بينما الغرب غض التكوين هش الأصالة يحتاج إلى اختبار وحدته الدينية وقوته الاقتصادية الناشئة، ويحتاج أن ينتقل من الدفاع إلى الهجوم فلم يتأخر الأمراء والملوك ورجال الدين في الاستجابة إلى رغبة الذات الأوروبية الثائرة أو قل "الأنا الأوروبية المراهقة". ولا شك فبعد تلك الجولات العدوانية الفاشلة وفي حدود نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، نستطيع القول أن أوروبا بلغت مرحلة الفتوة والعنفوان وبدأت تتلمس وجهتها نحو (فردوس الطبيعة) حيث كامل الحرية في ممارسة جنون العقل وجموح الفكر وغرور النفس. انفتحت الآفاق بالاكتشافات الكبرى وشعرت أوروبا أنها كبيرة وعليها أن تكبر أكثر فأكثر.
نعود قليلا إلى البداية، فعلى صعيد العقيدة المستجدة لكونها خلاصة تحريف عميق وطويل، تجمع الأوروبيون تحت لواء الكنيسة ليشنوا حروبهم الصليبية ويحققوا أغراضهم العرقية والذاتية... ولما بلغوا من القوة العسكرية والمعرفية والعلمية أزاحوا الكنيسة وتحرروا منها ليشرعوا في حروبهم الاستعمارية تحت شعار (رسالة التمدين الكبرى) وقصدهم وضع جميع الشعوب تحت نفوذهم وإرادتهم فحققوا بذلك المزيد من تراكم الثروات المادية والمعارف والعلوم فانتصبوا بفخر أسيادا على مصير العالم واحتكروا حق امتلاك القوة المادية والتفوق الأبدي (الاقتصادي والعسكري).
وعلى صعيد الثقافة المادية "كان العالم المسيحي في القرون الوسيطة يشكل بالمقارنة مع العصور الحديثة وحدة اقتصادية كبرى... وكانت وحدة لا جدال فيها تسم الحياة الفكرية... كانت نخبة مختلف البلدان تنهل من المعين الثقافي نفسه، والأساتذة والطلاب ينتقلون بين الجامعات دون أن يشعر أي منهم أنه غريب في أي مكان يحل فيه وذلك بفضل استخدام اللغة اللاتينية"[ل][xii]، وبفضل الحركة التجارية بين المدن الأوروبية المتنامية.
وفي خضم ذلك فقدوا أهم ما يمكن أن تنتفع وترتقي به البشرية وهو العدل والمساواة والقيم الإنسانية الجامعة التي ترفض الميز والحيف والاستعلاء مثلما نادت به تعاليم الرسالات السماوية وبرهنت عليه تجارب الشعوب اليومية وما انتهت إليه من أخلاق وقوانين وضعية مشتركة بين الأمم ذات الحضارات الإنسانية الأصيلة الخالدة.
إن ما يميز القرن الخامس عشر هو "نمو الروح الفردية، روح فردية فاوستية، منذ ذلك الحين لم يعد الإنسان يُعنى ببلوغ المطلق قدر عنايته بدراسة الطبيعة بغية السيطرة عليها، فهو يسعى أن يشيح بوجهه عن الله كي يهتدي إلى الخليقة"[م][xiii] ليتمكن منها ويمسك بزمام استعبادها. وهكذا من الصليبية العدوانية إلى الردة والثورة على الكنيسة، فإلى الارتماء في أحضان الطبيعة وعبادة العقل ومعارك النزعة الوجودية والفلسفة المادية التي اعتبرت الدين أفيون الشعوب ومشعل الحروب.
وهنا نورد قولا للمفكر لانجيه "إن التعصب الديني يريق الدماء على الأرض ولكن التعصب الفلسفي ينتزع من الناس قوتهم وفضيلتهم"[ن][xiv]. إذن لا بد من طريقة تفكير جديدة تقطع مع الفكر الجاهز الخالص لتمتحن أوروبا أحاسيسها وتسطر عبرها قوانينها وقيمها وطريقة نبوغها. وهكذا ستظفر أوروبا بنفسها و"ستفهم الأمم فائدتها الحقيقية ما دام أنها بدأت تستنير وأنها أخذت تصعد من النتائج إلى الأسباب. وأنها بدأت تتبين علة عداوتها الطويلة...وعما قريب سيسطع فجر السلام الأعظم"[س][xv]. وحتى يكون مشروع السلام أبديا كان من الضروري جعل السلام يسود أوروبا كما لم ييأس الأب دي سان-بيير من تأكيده بالدعوة إلى اتحاد دائم بين أمم أوروبا حتى وفاته 1743.
وهكذا بات مصيريا البحث عن فجر نور جديد لأن أوروبا التي لم تجد ذاتها من خلال المسيحية ولم تسمع صدى أعماقها عبر أجراس الكنائس، شرعت في البحث من جديد عن حريتها من خلال نفسها وأحاسيسها وغرائزها.
والتأكيدات في هذا الشأن كثيرة والأفكار غزيرة والأحكام حاسمة وإليكم منهم وعنهم "إن الأهواء هي واقعة طبيعية، وإذن فإنه يكون من الخطأ أن يراد محوها، إنه خطأ واستحالة لأن الأهواء هي كماء النبات تحيينا، وهي ضرورية لحياة نفوسنا كما أن الرغبات لازمة لحياة أجسامنا"[ع][xvi]. فالجسد هو معقل الحكمة ومصدر الحقيقة وما كان يقينيا لأكثر فلاسفة الأخلاق حينذاك هو " شرعية حب الذات" بمقتضى المقالات السائدة ومنها "لا يوجد حب منزه عن الأغراض" و"المحبة القوية التي تلهمها الطبيعة لأنفسنا تملي علينا واجباتنا نحو أبداننا ونحو نفوسنا" و"أن حب الهناء أقوى من حب الوجود" و"إن القانون الأول هو عناية المرء بذاته"[ف][xvii]. ولا جدال أنه الحق الطبيعي الذي اكتشفه العقل الأوروبي واتخذه مطية للتمرد على المسيحية وعلى الفلسفة اللاهوتية والحب الإلهي والفضيلة وحب الحكمة النقية...، لأنها جميعا تضع القيود على الحرية الذاتية.
في سنة 1748 ألف مونتسكيي كتاب (روح القوانين) والذي قال فيه: "إن القوانين في أشد معانيها امتدادا هي العلائق الضرورية التي تنبثق من طبيعة الأشياء"[ص][xviii]. فلا وحي يوحى به ولا روح (من أمر ربي) ولا فضل لغير المادة وما تمليه من قوانين طبيعية. ولمبارك هذا المنحى العبقري تأسس سنة 1771 منبر لتدريس "الحق الطبيعي في المدرسة الملكية... لكي تفهم كل أوروبا وكل الدنيا أخيرا أنه لا يوجد سوى حق واحد تنبثق منه الحقوق الأخرى وهو الحق الطبيعي"[ق][xix]، الذي يرى "أن الإنسان مؤلف من نفس وجسم وكما أن مجموع أعضائنا يميل إلى حفظ جسمنا، كذلك العقل يميل إلى اقتياد النفس إلى كمالها. وعلى إثر ذلك تتخذ أفعالنا طابع الخير أو الشر في ذاته: ويعتبر خيرا كل ما يسهم في كمال النفس ويعتبر شرا ما يناقض ذلك"[ر][xx].
فالقانون الطبيعي هو "كل ما يقره العقل على أنه وسيلة يقينية ومختصرة للوصول إلى السعادة وما يستحسنه على أنه كذلك"[ش][xxi]. وعلى هذا المنوال وبهذا الاستدلال صار (العقل القانون الأعظم للعالم). ولكنه عقل من نوع خاص لأنه منح نفسه ما تمنحه الطبيعة من غلبة للأصلب عودا وللأدهى سلوكا وللأشد عنفا وإرهابا. يقول فوفينارغ Vauvenargues : "نرى بين الملوك والشعوب والأفراد، أن الأقوى يمنح نفسه حقوقا على الأضعف، وهذه القاعدة نفسها متبعة لدى الحيوانات وفي المادة والعناصر بحيث إن كل شيء يمثل في الكون بالعنف. وهكذا النظام الذي نعيبه في شيء من مظاهر العدالة هو أعم قوانين الطبيعة وأشدها إطلاقا وأثبتها وأقدمها"[ت][xxii].
ليس أوروبا حمقاء حتى تمارس ذاتها وتظفر بمصالحها تحت مقولة العنف والإرهاب بل كان على أوروبا الدامي تاريخها أن تعترف مكرا ودهاء بأن ثمة إنسانية حرة ومتساوية. ففي أوت من سنة 1789 تم التصريح ب"إعلان حقوق الإنسان والمواطن ودوّن في مقدمة دستور سنة 1791 "إن الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الحقوق... وهذه الحقوق هي الحرية والملكية ومقاومة الاضطهاد"[ث][xxiii]... وشعارات الثورة الفرنسية لا يجهلها أحد من المنبهرين بعصر الأنوار وثوراته التقدمية. ولكن من هم المقصودون بحق التمتع بالكرامة الإنسانية ومن هم المستهدفون بالمقاومة ؟؟.
كل ما رسم من مبادئ وما رفع من شعارات هو لخدمة أبناء البيئة الأوروبية وما عداهم لا استحقاق لهم لأنهم (أوغاد، أغبياء، كسلاء، طائشون، برابرة، متأنثون، شهوانيون، متوحشون، إرهابيون، متمردون... ومثل هذه الأوصاف تحفل بها عديد المؤلفات الغربية منذ القرن العاشر الميلادي إلى يومنا هذا). يقول الأب تيراسون[خ][xxiv]: "إني لا أعرف أخلاقا عامة مدنية أو مسيحية دون احتفاظ جدي بعقيدة الحرية". وهو مصيب تمام الصواب لأنها وسيلة الأوروبي في التملص من المواثيق ونكث العهود وكسر القيود التي تمنع الشر وتحمي الخير لتجعل الناس سواسية قانونا وشرعا. هذا بخصوص الحرية أما الملكية فهي القوة الحقيقية المضمونة بالحرية والعكس صحيح، فالحرية بلا قوة أوهام. حيث ثمة جدلية لا بد من الإشارة إليها وهي أن الحرية الحقيقية لا معنى لها دون قوة مادية كما أنه لا بد من حرية لاختلاق أسباب القوة (فكانت الرأسمالية الليبرالية). ولبيان الترابط العضوي بين الحرية والملكية نورد جملة من المقولات الواضحة المعنى:
1 - يقول البارون دولباك أن الطبيعة قد أقرت تفاوتا ضروريا وشرعيا بين أعضائها. وأنه "لا ينبغي البتة أن نحتج على هذا التفاوت الذي كان دائما ضروريا والذي هو نفسه شرط هنائنا".
2 - ويؤكد فيلانجيري أنه بالاجمال "لن يتساوى الإنسان الفاضل أبدا مع الوغد ولا ذو العقل مع الغبي".
3 - ويقول فولتير إنه من المستحيل في كوكبنا التعس ألا يكون البشر الذين يعيشون في المجتمع منقسمين إلى طبقتين إحداهما طبقة الأثرياء التي تأمر والأخرى طبقة الفقراء التي تخدم.
4 - يؤكد مارسيي دي لاريفيار "على هذا النحو تأسست الملكية في عدالة... أجل لقد تأسست على العدالة، فلنحترس من أن نمسها سواء أتعلقت برأس المال أم بالثروات المنقولة أم بالأرض، ولا ينبغي أن نزلزل البناية التي تأوينا لأنها قد تنهدم علينا. ولندع للواهمين أحلامهم بالمساواة ولنعز الحرية التي يمكن اللحوق بها وحدها وليكن هذا الاعزاز للحرية بحماس تزيد حيويته بقدر ما يستطيع مجهودنا أن يتركز لنيلها".
وخلاصة القول "لو تحققت الآمال، سيكون الإنسان حرا في أن يفكر تبعا لعقله، وفي أن يعبر عن فكرته بالكلام والكتابة...وسيكون حرا في شخصه... وسيكون حرا في حركاته فيبقى في بلاده أو يجتاز حدودها دون عائق وسيظفر بحرية الملاحة والتجارة والصناعة. ولقد كانت كل تلك الحريات المرجوة تتأسس وتنتظم في صورة واحدة وهي صورة الدولة الحرة"[ذ][xxv]، أو فكرة الدولة العملاقة التي نادى بها العديد من مفكري أوروبا وفي المقدمة منهم راتزل التوسعي[ض][xxvi] وخليفته هوسهوفر النازي[غ][xxvii]. تعبر فكرة الدولة الحرة بكل فظاعة عن النظرة البغيضة "للأوروبي المتنور" وعن تغوله وفرض مشيئته على الإنسان وقهر إرادته الحرة من خلال:
* "التسلط على الأرض والناس بمنطق القوة والجبروت.
* استغلال الأرض والناس بمنطق النهب والاستنزاف.
* الاستعلاء على الناس بمنطق التفوق والتعصب العنصري"[ظ][xxviii].
من رحم تلك النظرة وفي حضن تلك الرؤية للحرية وحق الملكية قد انبثقت "الرأسمالية الليبرالية" وترعرعت فكرا متحفزا دوما لتأجيج نزعة التوسع والمنافسة وصنع الصراعات والحروب التي عانت من ويلاتها الأمم والشعوب ولازالت في الشرق والجنوب. وكل ذلك استجابة لنظرية (النفس تأمر والعقل يدبر والمال يحكم). والحقيقة أن هذه النظرية لم تكن إلا صدى لماض غير بعيد فقد "شكل العصر الوسيط فكرة عن الإنسان والطبيعة خاصة بالحضارة الغربية، والإنسان المعاصر استوعب تلك الأفكار التي جابهته والتي لازال صداها بيننا واستنبط منها خاصيته"[أأ][xxix]، ليكون بذلك "عصر الأنوار" إبداعا أوروبيا خاصا وليكون الغرب معسكر شر دائم التربص بالإنسانية ومصير العالم.
3 - هل نصدق الغرب وقد جنا علينا قرونا؟
بناء على هذه العقلية المنغمسة في الطبيعة والمادة إلى حد النخاع، ومن منطلق واقع الحال الجارية أحداثه، عمليا ونظريا ترتسم قاعدة التعامل بين فلسفة الغرب العميقة الجذور والضاربة في وحشية الذات والمنحرفة إنسانيا من جهة وبالمقابل فلسفة الشرق الواقعية والمثالية معا، بما جعل الشر غربيا في انتشاره وأهواله والخير شرقيا في صموده وتوازنه. وعليه فإن التصادم سيظل يلاحق أي علاقة وأي لقاء بين الشرق والغرب وسيظل الصراع بين العرب والمسلمين من جهة والغرب من جهة أخرى أمرا حتميا، يكون فيه الغرب البادئ الأظلم بسبب طبيعة نواياه وهواجسه ومساعي الهيمنة لديه.
ما من مجهود بذله الغرب تجاه الوطن العربي والعالم الإسلامي إلا وانكشفت نوايا الاحتواء والإضعاف وبانت عدوانية السياسة الغربية بل العقلية الغربية برمتها، لأنها جاءت على خلفية ردة الفعل والشعور بالنقص إزاء حضارات أصيلة ضاربة في القدم وهي الحضارات الشرقية وحضارات جنوب وشرق المتوسط. فمنذ انطلقت حضارة الغرب وعلى امتداد نشأتها ومراحل تطورها وتحولاتها الفكرية والمادية تواكبت إنجازاتها بالحروب والعداوات والسعي الدائم لامتلاك القوة وتحقيق التفوق وتوطيد الاحتكار والهيمنة بمختلف عناوينها (عسكرية، اقتصادية، سياسية، ثقافية، علمية-تقنية...) وكل ذلك بهدف التغلب على الخوف من أي انبعاث عربي إسلامي جديد.
وما نشهده اليوم لا يدع مجالا للشك في شهوة الغرب الانتقامية والاستعلائية إلى حد فرض القناعة بأن الغرب هو صانع وحامي الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والرخاء الاقتصادي والسلم العالمي... وحتى تتحقق طموحات الغرب ويأمن على مصالحه وتقدمه، فلا بد له من إبقاء نذير الحروب قائما والعدو المستهدف محددا وإن كان ظلما وعدوانا. ولذا فقد اعتبر أن مكمن التطرف والإرهاب هو (حضارة الشرق والثقافة العربية الإسلامية أساسا) لأن ثمة عقيدة تلوّح باستمرار بأن لا عظمة إلا لله وأن كلمته هي الحق ولا خضوع إلا له ولا خوف إلا منه. هذه العقيدة تجعل الغرب وقوته التدميرية وعبقريته الفكرية وثقافته التنويرية وشعاراته الإنسانية لا تغري أحدا ولا تخيف مؤمنا برسالته الخالدة ومنتميا إلى أمته ولا تنطلي على وطني غيور إلا الذين أخذ الغرب منهم نفوسهم الضعيفة مثل بعض المساكين من مثقفينا والكثير من أولى الأمر فينا.
لقد استكمل الغرب بناء حضارته المادية باعتماد القوة العسكرية الاستعمارية واستعباد الشعوب وهذا يعني أن المحافظة عليها تقتضي الحذر الدائم والقوة اليقظة لحمايتها من ثأر المظلومين والمستضعفين والمنهوبين.
ومن بين وسائل الحماية وإظهار القوة الرادعة استنبط الغرب واستثمر الكثير من الجهود المعنوية والمادية لتأسيس ثقافة كونية تصوّر أنها ستكون مقبولة شرقيا ومقنعة عالميا. وهكذا بقدر ما نجح في استخدام القوة العسكرية والاقتصادية فشل في اجتذاب أو إقناع الشرق ب(ثقافته المستنفذة روحيا وأخلاقيا) فما كان منه غير الاستناد إلى حق القوة لتطويع قيم الحق والمثل الإنسانية والإلهية بسياسة تجفيف منابع الأصالة واجتثاث قواعدها الفكرية والعقائدية من خلال الغزو الثقافي وأوهام الحداثة والعولمة وحاليا باستخدام القوة العسكرية من جديد والقوانين الدولية المنحازة لمكافحة قيم الصمود والجهاد والاستقلالية الموسومة جميعها من قبل الغرب بالتطرف والتمرد والإرهاب وتهديد السلم العالمي والمدنية الغربية.
ما يجدر التنويه به أن هذه المدنية الغربية (الإنسانية أكثر من اللزوم عندهم واللاإنسانية بكل إفراط معنا) هي لا محالة نتيجة حتمية لعصر الأنوار وقدسية العقل وحرية الفرد... وكان للعلم فعله الحاسم أيضا. ولكنه علم بلا ضمير لديهم لأنه "سيزيد –كما أمل الناس في ذلك- من مقدرة الإنسان، ولكنه سيزيد في الوقت ذاته، مقدرته على الهدم وسينتهي القرن الثامن عشر بحروب الثورات وسيبتدئ القرن التاسع عشر بحروب الإمبراطوريات"[بب][xxx] وإبادة الشعوب ونهب المستعمرات. وقد حل القرن العشرين وتلاه الواحد والعشرين لينتهي أمر القوة وقرار الحروب العدوانية بيد الغرب الطاغي الأوحد.
وبذلك يكون عصر الأنوار قد انحرف بكل إبداعاته ومنجزاته عن القيم الإنسانية وسجل في التاريخ أن أوروبا لم ولن تهدأ إلا باستكمال دفع جنونها العقلاني وعظمة الذات لديها إلى حروب التدمير الشامل لإثبات نعمة العقل ومقدار ثمن الحرية ونعيم الديمقراطيات ومآثر المدنية الغربية عموما. ذلك هو حصاد جيش من العباقرة الساطعين والمفكرين النيرين والقادة الديمقراطيين والبرلمانات المنتخبة والقوانين الوضعية وحقوق الإنسان المقدسة جدا عندهم والمحرمة أصلا علينا.
على صعيد العقلية، نحن في واد وهم في واد آخر والوادان لا يلتقيان لا في المنبع ولا في المصب، لأنهم من البداية استقلوا بمنابعهم ووسعوا مجاري واديهم على حساب تجفيف وادينا وأرادونا لهم مصبا. تكبر بهم الذات إلى حد الطوفان وتصغر بنا الذات إلى حد تلاشينا. وما يضعف الطوفان إلا التلاشي. هنا يكمن سر التخوف الغربي فيلوذ من الخوف بالتمادي غرورا وبالتعدي ظلما وإرهابا.
ما يفزع الغرب حقا وهو يمتلك القوة المادية الضاربة (العسكرية والاقتصادية) هو اطمئنان الشرق وثقته العالية في ما يمتلكه من قوة روحية وإرادة جهادية واستشهادية لا حدود لها ولا إدراك واستيعاب مقنع لها في عقلية الغرب ومفاهيمه التي تحل للذات قدسية وللنفس رغبة حياتية من الجنون التفريط فيها والتضحية بها مهما كانت الغايات والدوافع. ثم ما قيمة القوة المادية التي ظفر بها الغرب من خلال النهب شرقا وجنوبا إن لم تستخدم في مزيد النهب والهيمنة على العالم، كل العالم هذه المرة. فهل تقف القوة الروحية ممتنعة أمام غطرسة القوة المادية؟؟. ولا ننسى أن العقلية الغربية الواقعية البراغماتية مسكونة بفكرة على غاية من الخطورة وهي القول بأن (حتى يكون بيدك كل شيء يجب أن تكون أيدي الآخرين فارغة)، الأمر الذي لا يعزز الأنانية فقط وإنما الرغبة الجامحة لتجريد الآخر كليا مما قد يثير الريبة والشك ويبقي لديه أملا في التحرر من الهيمنة. من هنا لجأ الغرب إلى الحروب الاستباقية وسياسة احتكار الأسلحة الهجومية والتدميرية الشاملة.
"إن إمكانية التمرد هذه وذلك الحق في عدم الخضوع للاستسلام هما الشيئان اللذان سعى الأوروبيون إلى إنقاذهما غداة الحرب العالمية الثانية. ولقد أدت بهم هذه الإرادة إلى وعي اندماجهم في مجموعة أوسع من أوروبا، ألا وهي المجموعة الأطلسية أو حلف الطغيان. وبهذا المعنى فإن مقدمة معاهدة واشنطن في 4 أفريل 1949 تشكل تاريخا هاما حتى الدرجة القصوى في تاريخ الحضارة الأوروبية، ألا وهي وعي الامتداد الأطلسي لهذه الحضارة"[جج][xxxi].
بما جعل أوروبا الأم القديمة تستعيد فتوتها عبر مد مجال قوتها إلى مجال قوة أحفادها وأبنائها بالشمال الأمريكي لا بل قد سلمت زمام القيادة والزعامة للطاغية الأمريكي سليل المجد الأوروبي القديم.
ترك المفكر لوك في العقلية الغربية فكرة عميقة الأثر وهي "ما لا ينفعنا ليس ضروريا لنا" وتتدعم هذه الفكرة من عمق التعاليم المسيحية "من ليس معي فهو ضدي"، ولمواجهة هذا (الضد) عبأت أوروبا نفسها واستنفرت ما لديها من حقد وأنانية لتحقق "الرغبة في السيادة التامة"[دد][xxxii]. ويا لها من رغبة لا تبقي ولا تذر من أجل أن تستأسد أوروبا على جميع البشر لكونها الأحق والأبقى وبمعنى آخر لأنها عقل العالم وقوته المادية وقد صارت الأعظم الأوحد بامتدادها الأمريكي. تبنى الغرب فكرة المسيحي المنقذ من الضلال ولذا نصب نفسه هاديا وراعيا للبشرية يقودها إلى التحرر والرخاء مستخدما تقدمه وتفوقه المادي الراهن، ناسيا أن الإنسانية تستلهم متعتها الآنية من تجربتها الخصوصية وراحتها الأبدية من القيم فوق المادية ومن التطلع إلى ما وراء الزوال والسمو الروحي المنصهر في الذات الأعلى التي لا تُدرك إلا بالإيمان والانتماء إلى وحدانية الخالق.
فالحفاظ على الذات تلك في الغرب يسبق قدسية الدين والوطن والكرامة... بينما لا معنى للذات في الشرق أمام المحافظة على المعتقد والعرض والأرض والكرامة. هنا تبرز جيدا الفجوة القيمية، الثقافية بين أهل الغرب وأهل الشرق (عربا ومسلمين). وإن تواصل الحروب العدوانية وتجاوز الغرب على حقوق وكرامة الشرق سوف تعمق الفجوة وتشدد الجفوة وتعجل بانهيار قوى الغطرسة مثلما انهارت من قبل جميع إمبراطوريات الظلم.
[أ][i] ) بول هازار: الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر من مونتسكيي إلى ليسنج (ج1-2)، ترجمة: د. محمد غلاب، مراجعة: د. إبراهيم بيومي مدكور، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004. ص 262.
[ب][ii] ) بول هازار. ص 446-447.
[ج][iii] ) بول هازار. ص 8.
[د][iv]) كلود ديلماس: تاريخ الحضارة الأوروبية، ترجمة: كوليت حبيب، مراجعة: الأستاذ إبراهيم أبو حيدر، منشورات آفاق ثقافية العدد 17، الطبعة 2، وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004. ص 5.
[ه][v] ) بول هازار. ص 63.
[و][vi] ) كلود ديلماس. ص 153.
[ز][vii] ) بول هازار. ص 148.
[ح][viii] ) بول هازار. ص 520.
[ط][ix] ) راجع كتاب الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر من مونتسكيي إلى ليسنج (1-2)، تأليف: بول هازار، ترجمة: د. محمد غلاب، مراجعة: د. إبراهيم بيومي مدكور، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004.
[ي][x] ) بول هازار. ص 518.
[ك][xi] ) بول هازار. ص 520.
[ل][xii] ) بول هازار: الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر من مونتسكيي إلى ليسنج (ج1-2)، ترجمة: د. محمد غلاب، مراجعة: د. إبراهيم بيومي مدكور، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004. ص 97.
[م][xiii] ) كلود ديلماس: تاريخ الحضارة الأوروبية، ترجمة: كوليت حبيب، مراجعة: الأستاذ إبراهيم أبو حيدر، منشورات آفاق ثقافية العدد 17، الطبعة 2، وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004. ص 91.
[ن][xiv] ) بول هازار. ص 97.
[س][xv] ) بول هازار. ص 227.
[ع][xvi] ) بول هازار. ص 200.
[ف][xvii] ) بول هازار. ص 202.
[ص][xviii] ) بول هازار. ص 190.
[ق][xix] ) بول هازار. ص 179.
[ر][xx] ) بول هازار. ص 180.
[ش][xxi] ) بول هازار. ص 183.
[ت][xxii] ) ورد عن بول هازار: ص 415.
[ث][xxiii] ) بول هازار. ص 232.
[خ][xxiv] ) Abbé Terrasson : La philosophie applicable à tous les objets de l’esprit et de la raison, 1754, p : 96. Cité par Paul Hazar.
[ذ][xxv] ) بول هازار. ص 222.
[ض][xxvi] ) Friedrich Ratzel (1844-1904) عالم ألماني: الإنسان في رأيه، كالنبات والحيوان، هو من نتاج البيئة وهو في نشاطاته وتطوره وآماله محكوم بها لا يستطيع منها فكاكا. حاول أن يبرز القوانين التي تتحكم في نمو الدولة وتكوينها بناء على البيئة الطبيعية ومكوناتها وقد رأى أن قوة الدولة تكمن في المجال الواسع وقد أكد على أن الدول الواسعة التي تحتل مناطق قارية كأمريكا وروسيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية هي التي ستقرر مجرى التاريخ.
[غ][xxvii] ) Karl Haushofer (1869-1946) هو مؤسس معهد ميونيخ للجيوبوليتيك سنة 1924 لمساعدة الدولة الألمانية على استرجاع مكانتها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وفقدانها لمستعمراتها. ركز جهده على دعم مساعي ألمانيا في (كفاحها المستميت من أجل الحصول على مجالها الحيوي) وخدمة لذلك تمحورت بحوث حول مبدأ "الدولة العملاقة" على غرار راتزل.
[ظ][xxviii] ) د. صلاح الدين الشامي: الفكر الجغرافي: سيرة ومسيرة، نشر منشأة المعارف، الإسكندرية 1999. ص 160.
[أأ][xxix] ) Clarence J. Glacken : Histoire de la pensée géographique, 2- Conception du monde au Moyen Age, Edité et présenté par Ph. Pinchemel. Traduit de l’Américain par Tina Jolas , Préface Danielle Lecoq, Paris, C.T.H.S. 2002, p: 164.
[بب][xxx] ) بول هازار: الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر من مونتسكيي إلى ليسنج (ج1-2)، ترجمة: د. محمد غلاب، مراجعة: د. إبراهيم بيومي مدكور، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004. ص 553.
[جج][xxxi] ) كلود ديلماس: تاريخ الحضارة الأوروبية، ترجمة: كوليت حبيب، مراجعة: الأستاذ إبراهيم أبو حيدر، منشورات آفاق ثقافية العدد 17، الطبعة 2، وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق 2004. ص 194-195.
[دد][xxxii]) بول هازار. مصدر سابق. ص 62.
4 - لا حدود للرغبة في السيادة الكونية
ما يميز القرن الثامن عشر هو البوح الكبير بالكفر الأكبر حيث انفجر القس جون ميليه في سنة 1729 يقول: "إن الأديان ليست إلا تزويرا وهي المنبع المحتوم للاضطرابات والانقسامات والحروب. وإذن فهي ليست من التنظيم الإلهي في شيء...وإن تعاليمها مضادة لتعاليم الطبيعة ما دام أنّها تجعل الألم مقدسا ومضادة لتعاليم العقل وما دام أنها تتطلب الاعتقاد..."[دد][xxxii].
وهذه القناعة ليست منعزلة بل أنصارها على امتداد أوروبا وعرضها وهو ما عزز هبّة الإصلاح الواسعة غير أن هذا القرن المميز بالتمرد والثورة لم يتوقف عند حدود الإصلاح "وإنما أراد أن يحطم الصليب وأن يمحو فكرة الاتصال بين الإله والإنسان أي فكرة الوحي وأن يقوّض الإدراك الديني للحياة"[دد][xxxii] مع أن الصليب يوحي لمريديه أن راحة المسيح تكمن في أن يكون جميع مخالفيه مستضعفين معذبين وحتى مقتولين، لأنهم لم يدركوا معنى المسيح المنقذ والذي ورد على لسانه "إنني نور العالم وأن من يتبعني لا يسير في الظلمات". إلا أن الأوروبي يريد نورا من عنده على هدى عقله وهواه. وقد تحوّل من تقديس المسيح المنقذ إلى نور العقل والوجود المفكر (أنا أفكر إذن أنا موجود). هكذا ابتدأت الحضارة الأوروبية بـ(عصر الأنوار الوضعية)، وهكذا تصور الغربيون أنهم (نور العالم وعقله المدبّر) وعليه يريدون أن نتبعهم حتى لا نبقى تائهين في الظلمات وأوهام القيم والأخلاق وخرافات الأديان.
من الحقائق المأساوية أن تبدأ الحضارة الأوروبية بعصر الأنوار وأن يخرج الغرب من الظلمات ومن البربرية إلى التقدم والمدنية ولما لم تستخدم هذه الأنوار في إنارة الطريق نحو العدل والمساواة وتوطيد القيم الإنسانية فقد بدأت هذه الأنوار تعيد الغرب إلى شعاب التوحش والعنجهية. "لأن الرغبة في السيادة التامة قد استيقظت وأرادت أن ترضي نفسها"[دد][xxxii] وتحقق أغراضها المادية، فعمت كليا عن إرادة الله وحقوق الآخرين. تلك هي أنوار الغرب لا تسطع إلا باستحقاقات "الأنا" والميول الذاتية المتحررة.
"وهكذا كانت إحدى ركائز تاريخ هذه الحضارة هي التأكيد بأشكال مختلفة على الحق الذي يملكه كل إنسان في البحث عن حقيقته الخاصة، إذ ليس في هذا الكون حقيقة (حقيقة بأحرف كبيرة) بل حقائق بقدر ما فيه من وجدانات"[دد][xxxii]. والواقع قد يهتدي الوجدان إلى الحقيقة ولكنها تبقى جزءا من الحقيقة المطلقة ولا تعبر إلا عن الذات المفعمة بالكبرياء. ولا شك أن أوروبا قد وجدت عبر جنوح العقل لدينا ما تصبو إليه من فرض لمكانتها على ما تقدم من حضارات وثقافات وأمجاد تاريخية ولعل في المقدمة منها الحضارة العربية الإسلامية.
ولبلوغ هذه الغاية وتحقيق ما في الوجدان الأوروبي من حقائق الكبرياء والاستعلاء، انطلقت حملات الغزو مستعرة لترضي إرادة "الأنا النير المفكر" من خلال إشباع الرغبة في الهيمنة والتحكم. لقد أشعل الأوروبيون الحروب بنورهم أو بأنوارهم التي تجاوزت على القديم والموروث بتقديس العقل وحرية الفكر وعبادة الذات. فالوجود عندهم لا يعني شيئا خارج وظيفة التفكير والتسيير (أنا موجود بالتفكير إذن أنا موعود بالتسيير) أي تسيير من هم أدنى في التفكير ومن هم أعجز عن التدبير والتغيير والتطوير كما تصور عقلاء أوروبا وأهل العقد والحل فيها. والمُسيّر هنا لا بد أن يكون الأرقى والأحق بالسيادة والأدنى هم "الأوغاد والأغبياء" في الشرق والجنوب.
وبحكم أن الإنسان هو الوحيد الذي يفكر فهو فوق الجميع وأسمى من كل الكائنات والمراد قوله تأليه الإنسان المفكر بطريقته الخاصة أما الذين يضعون الوحي وثوابت العقيدة الإلهية فوق التفكير البشري فهم ولا شك دون مرتبة أهل العقل والفكر الأوروبيين وغير جديرين بالتعبير عن وجودهم وحريتهم من خلال التفكير السليم حيث أن تعاليم السماء وإملاءات الوحي تضعف لدى الإنسان استخدام العقل الحر واستقلالية الفكر النير.
"ليست المسألة مسألة حل عقال الأنانية بلا عنان وإنما العقل هو الذي يجب أن يوجه الميل الذي يحملنا على أن نتبع فائدتنا"[دد][xxxii] ومصالحنا باعتبار أن العقل مرتبط بأحاسيسنا فهو الأصدق والأخلص في التعبير عما نريده ونسعد به أما ما يملى علينا باسم العقيدة والأخلاق العرفية القديمة وغيرها مما لا نرتضيه أحيانا ولا يشبع كبرياءنا الصاعدة.
هكذا تفشت واتقدت فلسفة الأنوار، وبهذا الانفلات الكبير والتحرر الأشمل، جعلت من الإنسان الأوروبي "الطاغية الأكبر على وجه الأرض" فلم يتأخر هذا المنفلت الجانح عن إعلان "موت الله" والاقتناع بامتلاك القوة التي تُصنع من خلالها وعبر استخدامها (الحقيقة والحقوق والقوانين المترعة بإنزيم الأنانية والعنصرية)، حيث لا زال صدى مقولات الفصل الخامس من الكتاب الخامس عشر من "روح القوانين" يتردد رجعه ولا يكاد يبرح الذاكرة لدى الكثير من المتابعين حيث يقول مونتسكيي باستخفاف صليبي مقيت: (إن أولئك الذي يتعلق الأمر بهم هم سود من أقدامهم إلى رؤوسهم وهم فطس الأنوف إلى حد أنه يوشك أن يجعل الإشفاق عليهم مستحيلا ولا يستطيع المرء أن يضع في ذهنه أن الإله الذي هو كائن جد حكيم قد أمكنه أن يضع نسفا خيرة في جسم كله أسود... إنه من المستحيل أن نعتقد أن أولئك الأشخاص هم أناس، لأننا لو فرضنا أنهم من البشر لبدأنا نحسب أننا نحن أنفسنا لسنا مسيحيين) كما يجب أن يكون المسيحي الأوروبي الجديد. والقصد هنا مسيحية العقل وعقيدة الفكر وإنجيل الطبيعة وليس تعاليم ابن مريم ووحي السماء.
إذا كان كتاب "روح القوانين" يشيع بمثل هذه المعادلة العنصرية والآراء الكيفية، فماذا يمكن أن تحفل به قصص وروايات المستكشفين وماذا تقول مدونات المبشرين وماذا حمل أدب الفكاهة والطرائف عن رعايا المستعمرات والمضطهدين من كل عرق ولون ؟.
لقد أتت الأحداث التاريخية حافلة بالأفعال قبل الأقوال وجرائم الاستعمار قد برهنت ولازالت عن تلك الأفكار السوداء وعن تلك الآراء الخرقاء التي ازدان بها عصر الأنوار وعلى أساسها ارتقت المدنية الغربية وسادت شرقا وغربا حربا وجورا... والآن تأمركت وتعولمت استعمارا جديدا أكثر فتكا وترهيبا. والضحية نحن دوما، والعدو نحن قديما ومستقبلا فكأنما الغرب لا يمكن أن يكون ولا يستكين إلا على أشلائنا وسفك دماءها. فهل نحن من يضمر الشر أم هم بالنشأة استعماريون وبطبعهم إرهابيون ؟؟.
5 - العقل هو القانون الأعظم وأي عظمة!
شيدت أوروبا العقلانية حضارتها المادية على جماجم ودماء ودموع الشعوب المضطهدة من منطلق فلسفة الأهواء وحاجات الغرائز وتعاظم الذات التي تعمل بفعل القانون الأعظم للعقل ولكن أيضا بفعل الوجدان الأعمى إن كان له اعتبار لديهم أصلا. فحين نعود إلى مؤلفات عصر الأنوار والنهضة الأوروبية سنجد أن الكثير من المفاهيم والمعاني قد أخذت مداها في التكرار والاجترار ومنها "روح القوانين، روح الأمم، روح الفنون الجميلة، قوانين الطبيعة...". وهكذا تبدو الدلالة حصرية أنه "كان يراد استخلاص جوهر أو روح كل شيء"[دد][xxxii]. ثم لماذا التركيز على العقل والروح والمنطق والتحرر...؟ أليس لإثبات حق الاختيار وتمكين الذات من هذا الحق واصطفاء وترجيح أفضل ما ترغبه وتستهويه النفس البشرية من حيث الفائدة والضرورة بدلالة القول "أن الحقائق التي نحن في حاجة إليها هي ثمرة الأفكار المتأملة التي تسببها أحاسيسنا"[دد][xxxii].
وقد اكتشف العقل الغربي أن الأوروبيين هم الأفضل لقربهم أكثر من أنفسهم ومن إدراك أسباب التحرر والتفوق بما يمنحهم استحقاق البقاء الذي يقتضي منهم أن يكونوا الأقوى ماديا، لأن المادة هي الوعاء الحقيقي الملموس للتعبير عن حقيقة القوة وممارسة فاعليتها. ألم يقر الأوروبيون بالدين الطبيعي والحق الطبيعي والحتمية الطبيعية وقدسية العقل الذي اكتشف كل ذلك ؟؟. ونزولا عند هذا التوجه، أصدر جوان كريستيان إيدلمان كتابه (ألوهية العقل، 1741) بعدما قادته الصدفة إلى قراءة جملة في إنجيل القديس جون مفادها أن "الإله هو العقل"، ومن حينها صارت مهمته التبشير بين الناس لعبادة العقل حتى صار العقل الغربي من فرط التقديس أفيون الشعوب ومصدر بلائها.
وبحكم أن العقل هو نتاج مادي والقوة نتاج مادي أيضا، فالإنسان محكوم بالحتمية المادية. وبحكم أن المادة تتطور فقد اتخذت الحتمية مصارها التاريخي فكانت الحتمية التاريخية والحتمية الاستعمارية والتكنولوجية والعلمية التي تنتقل بأوروبا من قوة إلى أخرى أعظم ومن غطرسة إلى أخرى أسوأ. وما كل ذلك إلا بفعل قوانين الطبيعة وقانون القوة وحقوق التفوق. وهكذا كانت الحتمية الطبيعية وما تبعها من حتميات وإمكانيات تضع الأوروبي في مقدمة الجميع.
يعتقد الغرب في كونه الأسبق في تملك قوة العقل واكتشافه لقوانين الطبيعة وفي قدرته على استغلالها والإيمان بها دون ذلك الوحي الإلهي والتصور الماورائي بما جعل الإنسان الغربي إلاها بعقله وحرية فكره ومن حقه الطبيعي أن يكون أحق بالمكانة الأرقى وبإنارة السبيل لغيره وما على الجميع غير الانصياع له والخضوع لإملاءاته استحقاقا قانونيا طبيعيا. فجاء من الغرب حق الفيتو على تقرير مصير الشعوب وواجب الأمم في اتباع تعاليم القوة العظمى وما ترتئيه من نظام عالمي جديد وعولمة واحتكار نووي وسطو بالقوة على ثروات وحريات الشعوب.
إن الحديث عن الذات والفردانية والعقلانية والحتمية والقوة والليبرالية والحرية الشخصية وحرية التملك هو حديث عن محتوى ثقافي يوحي بمنزلق خطير نحو مادية وضيعة رفعت الغرب إلى مكانة الشعور بالتفوق والغرور بامتلاك وسائل التحكم المادية والرخاء الاقتصادي التي تعد المصدر الحقيقي لإنتاج الفكر والثقافة والسعادة... وغيرها من حاجات الإنسان. هذه الأرضية المادية الصرفة التي انبنت عليها الثقافة الغربية منهجا للبقاء والصراع من أجل تأمينه، وفّر للغربيين عموما مسلكا حياتيا دنيويا منطلقه "الأنا" ومصدره المادة كرافعة لبناء القوة التي صارت مركز القيم والقوانين والنظم الجديرة بالسيادة والانتشار والتي تدور جميعها حول قدسية (رأس المال والليبرالية) وما ينتجاه من سلطان وهيمنة حتى صار المال عامل سلب لحرية وإرادة وكرامة المجتمعات وعبر كل ذلك تأسست نوازع الهمجية المقننة والإرهاب الدولي المنظم والحروب العدوانية التأديبية وتراجعت قيم الخير فطغى احتكار القوة التدميرية وتفرد الغرب بامتلاك حق تقرير مصير الإنسانية وقيادتها وتمدينها...
فالهيمنة الرأسمالية الليبرالية أصبحت فلسفة لا تستقيم حياة الغرب بدون ضمانها وأصبحت القوة مصدر الحق والقانون ومن حق الغرب احتكارها وتجريد الآخر من أسباب امتلاكها. لذا نرى الغرب يستجمع كل وسائل وقوى الشر لضمان أحقية الاستباق وسيادة التفوق وقانون القوة في رعاية مصالحه وفي التعامل مع من هم خارج دائرة هيمنته. فمن لم يلتحق بالحداثة الغربية ومن لم يرتبط بالثقافة المادية ومن لم يستجب للهيمنة وينخرط في التبعية هو "ليس مع الغرب بل ضده"، هو عدو مناهض قد يقوّض أمن الغرب ويهدد مصالحه. فالنظرة الغربية للمسلمين على ضعفهم وتخلفهم وللصين على انغلاقها هي نظرة تخوف وريبة ولا اطمئنان دون الهجوم الاستباقي عليها بهذه الوسيلة أو تلك. وما الحرب على الإرهاب في واقع الحال وما السعي إلى احتكار الأسلحة النووية ومنع الآخرين من السعي إلى امتلاكها أو حتى التفكير فيها وما العولمة إلا مشاريع للإطاحة بالقيم والأيديولوجيات والثقافات والقوى المارقة على "روح القوانين والنظم الغربية"، لأن الغرب يعرف جيدا أن القوى والقيم المادية متحولة بحكم التحول المادي وأن القوى الروحية والقيم الأخلاقية العقائدية باقية وقد تتعزز بالتقدم العلمي والإنساني عموما.
ويعرف الغرب أيضا أن الأنوار لن تأتي إلا من الشرق لتنتهي ظلاما في الغرب. وبحكم الغرور الذي انزلق إليه والمستنقع المادي الذي انسجن فيه حاول الغرب أن يكون له شرقه الخاص "عصر الأنوار" وأن تكون له معجزته الخاصة "عصر النهضة"، كل ذلك في قطيعة شبه تامة مع الشرق. فمن المؤكد تاريخيا، أن النظرة الجغرافية المقدسة للعصر المسيحي الوسيط قد فصلت بين الشرق والغرب لتجعل من الغرب ذي المناخ المعتدل وسطا أو بيئة ملائمة للعقل الراجح والإنسان القويم، هبة من الله وحتمية جغرافية.
وكثيرا ما ردد علماء ومفكرو الغرب أن المراكز الحضارية قد انتقلت من الشرق إلى الغرب أو هكذا يجب أن تكون وجهة التاريخ حيث يجب أن "تنشط الحضارة بمقتضى تحرك شمالي-جنوبي مرتبط بالخصائص العائدة للمناطق الشمالية"[دد][xxxii]. الخطير في هذه الفكرة، الممتدة جذورها إلى العصر الوسيط والمترسخة معالمها في عصر الأنوار، أنها مرتبطة بتقدير بالغ الكبرياء والمبالغة للدور المزعوم الذي من حق أوروبا أن تلعبه في التاريخ العالمي والهدف أولا انتزاع المركزية الحضارية واحتكار المساهمة في تطويرها وإعادة نشرها كنتاج أوروبي صرف. وثانيا محاولة للتخلص من قبضة الحضارة الشرقية التي وجد الأوروبيون أنفسهم خاضعين لها، فابتدعوا فكرة انتقال مهد الحضارات من الشرق إلى الغرب ليكونوا على قدر من العبقرية في احتضانها وإعادة صياغتها.
وحتى تجد هذه الفكرة التنفيذ المنتظر لها تم دعمها بالدور التاريخي أو الحتمية الإلهية عبر الكنيسة التي من خلف أسوارها ومن بين دفتي إنجيلها وتوراتها صيغت وترسخت فكرة الرقي الطبيعي والتقدم الحضاري والنبل العرقي الضارب في عمق العقلية المسيحية الغربية (الأوروبية المنشأة والمنطلق) والتي تم التعبير عنها انطلاقا من الحروب الصليبية المقدسة وعبر الحروب الاستعمارية ورسالتي التبشير والتمدين الكبيرتين ثم الممارسات الاستغلالية ومختلف أوجه التدخل والهيمنة... ويبقى المبرر لكل ذلك نشر المدنية التحررية ويبقى الهدف المقرر اجتثاث المدنية الشرقية الرسالية التي مثلت ولازالت عقدة الغرب ومصدر تخوفه وعجزه عن محوها أو فهمها والاطمئنان لها لسببين رئيسيين:
1- سر بقاء واستمرارية المدنية الشرقية (العربية الإسلامية تحديدا) رغم أن أسباب بقائها تبدو غير مناسبة وعلى قدر من الهشاشة والضعف والجمود مقارنة بالحضارة الغربية المستجدة والحية.
2- قدرة هذه المدنية على الربط بين الماضي والمستقبل، بين الزوال والخلود، بين المادي والروحي، بين الجائز والمستحيل، بين الواقعية والمثالية... أي بين السماء والأرض إجمالا.
وبحكم أن الغرب يرى بعيون مادية فهو لا يدرك بالبصيرة تلك القوة الروحية التي تدفع الصبي المجرد من أي سلاح إلى مواجهة مدرعة ومهاجمة دبابة ولا يدرك معنى الجهاد والمقاومة الاستشهادية، فيصاب أمامها بمزيد من الوحشية العنصرية والهمجية الانتقامية خوفا من فقدان المكانة الريادية والسيادة الكونية بانهيار القانون الأعظم للعقل أمام الإرادة الأقوى بقيم العقيدة والانتماء.
يبدو الغرب كما يتصور أهله منتصرا دائما ويتقدم باطراد باعتبار أن انتقال مركز الحضارة إلى أوروبا قد جعل منها القلب النابض للحضارة العالمية وأن الغرب بقوته ورخائه هو نتاج عبقرية العقل الأوروبي دون سواه. وقد يبدو هذا سليما في ظاهره، ولكن التحليل العلمي المنطقي العميق يفيد أن في ذلك مغالطة وإجحاف لأن المسألة فيها سوء نية وهي أن الانتقال الحضاري قد أحدث فراغا في الشرق وتشبعا في الغرب. وأن هذا الفراغ في حاجة إلى ملء وتعمير ولذا يتحدث الغربيون دائما عن دور لهم في التعمير والتوطين وتمدين الشعوب في الشرق والجنوب، ويتغافل هؤلاء إلا لماما عن مسألة الإشعاع والرسالة الحضارية التي ساهم في نشرها العرب الفاتحون والشرقيون عموما، بل يعلنون دون وجل أن "كل نفوذ وكل علم يبدأ في الشرق ولكن يأتي لينتهي في الغرب"[دد][xxxii].
ورغم كل ذلك يعلن الغرب قطيعته مع الشرق وبدافع الاستكبار، يريد أن تكون إنجازاته وبالفعل كانت مروقا على القديم وهدما للثوابت وتفكيكا للوحدة والتوحيد حتى تجد الذات حريتها ويجد العقل تمرده ويفلت الإنسان في النهاية من سجن القيم الإنسانية الجامعة ليتربع على عرش الحرية الذاتية (الفكرية والجسدية) لتأسره المادة وتصنعه وتمده بالحقيقة والقوة.
صنع عصر الأنوار الإنسان أو العقل الذي يتوهم أنه الأرقى والأجدر بالحرية في رفض ما ليس له به علاقة وحتى إذا ما قبل بشيء فعن طريق الخداع والكذب وسوء النية يفعل. وهكذا صارت فلسفة العقل التي تريد تخليص الإنسان من الشر هي نفسها صنيعته وآلته المدمرة. فبالنسبة للعقلية الغربية هناك وجهان للتعامل أو خطان متوازيان واحد داخلي مفعم بالحرية والثقة والحوار والحقوق والعمل والمواطنة والوفاء للذات أولا وأخيرا. وثان في مواجهة الآخر مشحون بفلسفة المناورة والخداع حيث كل الوسائل مباحة في سبيل تأمين المصالح وتحقيق المنافع.
نهض الغرب على تراتيل حرية العقل والفكر وعبادة الذات وسطوة القوة، نهض وعيونه على الجنوب والشرق طمعا في الاستحواذ على الثروة ورغبة في بسط النفوذ ونشر الثقافة المادية في مواجهة أوهام القيم الروحية وطقوس المعتقد اللاعقلية كما يتقوّلون. وعليه نالت الإنسانية من أنوارهم دخان الحروب ودمارها بما وسم العقل الغربي حصرا كقانون أعظم بمصائب أشد وأعم.
6 - من يزرع الظلم يجني الإرهاب
لا مبالغة في القول أن الشر عقيدة تمكنت من عقل الغرب وحكمت غريزة البقاء لديه، من الحقد تغذت وبحب الذات ارتوت وبالمادة استقوت واستعلت حتى صار الغربي بين الخلق أرقى وعلى الناس وصيا.
عبر عيوبنا تسلل الغرب إلى مكامن الخير فينا ليمعن فيها تجفيفا واجتثاثا فقضى على قدراتنا المادية بانتزاع ثرواتنا واستعصت عليه القيم الروحية والإنسانية فظل على الدوام يغزو ويعيد الغزو، ينهب ويعيد الكر حتى أثبت التاريخ بأحداثه وتجاربه المرة أن الشرق لا يغرب نوره إلا ليشرق من جديد وأن نور الغرب نار شر على الظلم تقيم، تزيد الغرب حلكة فيندفع قهرا وغرورا نحو بؤس المصير. تصور مقتنعا أن الطبيعة مكنته من قوة تزداد عظمة ومن رخاء ليس له نظير فلم يحصد من روح القوانين الطبيعية ومن نور العقل ومكاسب العلم غير مزيد الخوف وعقد الشعور بالدونية إزاء نشوة الشرق بطمأنينة الروح وعدالة القوانين الإلهية والقيم الإنسانية وأناشيد الخلود. فالأبوة والأمومة والروح القبلية وراحة العقيدة والتضحية بالنفس والتوازن الوجودي كلها قيم تقلق العقل المقدس والذات المتحررة والقوة القاهرة بما حول الغرب، كل الغرب، إلى ذات معذبة، مهددة بفعل ما صنعت وما زرعت وما قدمت من إنجازات تاريخية في ترويع وتدمير الإنسانية.
للشرق عبقرية التحمل وروح التطلع، فليس للغرب ما للشرق، فعنجهية العقل وجموح الذات وعقدة العظمة تنكسر لو تعطلت مكينة الشر وكفت عن الدوران مما يدفع الغرب باستمرار إلى خلق أعداء وترتيب مواجهات وخوض حروب وقودها الأبرياء والمستضعفين. فلسقوط برجين أسقطوا دولتين فماذا لو سقطت دولة غربية، هل يسقطوا العالم كله ؟؟.
قد لا يبدوا الغرب واحدا، إذ كثيرا ما تحاول أوروبا كبح الجموح الأمريكي أو تتضارب الاجتهادات ولكن لا يخفى أن السرطان الاستعماري الأمريكي الهمجي هو امتداد للسرطان الاستعماري الأوروبي الخبيث. فالمناهضة الظاهرية ليست رغبة في منع العدوان الغربي في حد ذاته ومهما كان اسمه وإنما مجرد احتجاج على أسلوبه وتوقيته لأن العدوان على الشرق هو نهج فلسفي وخطة إستراتيجية بعيدة المدى لضمان التفوق الغربي واستبقاء الشرق في حالة ركود وخضوع يسهل معها النهب والابتزاز وممارسة الهيمنة والاستعباد.
إذا كنا نتخذ من القناعة كنزا لا يفنى ومن الإيمان ملجأ آمنا ومن الصبر ذخيرة لا تنفذ، فإن الغرب يتخذ من القوة المادية سندا ومن التفوق سبيلا إلى السطو على الطبيعة وعلينا ومن الهيمنة وسيلة للرخاء والأمن. فلا شك، إذن، أن يكون الإرهاب والقهر والظلم وكل عناوين الشر مبادئ أساسية للهيمنة تحرك العقل الغربي وتوجه أفعاله تجاه الشرق وتجاه العرب والمسلمين خصوصا. عقلية الهيمنة هذه وتلك وعمق الخبرة في إدارة الحروب العدوانية والاستعمارية هي المحضنة التي ترعرعت فيها ثقافة الغرب وشيدت على هداها حضارته وتاجها الإرهاب.
هل كان يتقدم الغرب لو لا حروبه الاستعمارية وسياسة النهب والسطو على جهود وثروات المستضعفين ؟
ألم يتحرر الغرب من قيود الأمر الإلهي وشروط القيم الإنسانية (من حق وعدل ومساواة) ليمارس قانون القوة وحق التفوق استجابة لنداء الذات والاستعلاء العنصري ؟. ألم يكن التطرف الديني والدكتاتورية الطبقية والوحشية الرأسمالية ونشأة الأحلاف العسكرية وحروب الإبادة والاستيطان القسري من صلب العقلية الأوروبية الخالصة ؟. أفليس لكل شعب خارج أوروبا قصة غزو واستعمار قادها الرجل الأبيض تحت راية التعمير والتمدين ؟؟. هذا الظاهر ولكن على صعيد خفي آخر وخلف تلك الأنوار وفي الزوايا المظلمة كان الشر المتستر يرسم مصيره ويبني جسوره إلى مختلف المؤسسات والأفكار ويؤدي قسم الوفاء والسرية: "إنني أتعهد وألزم نفسي أمام المهندس الأعظم للكون وأمام هذه الجماعة المحترمة ألا أفشي البتة أسرار الماسونيين والماسونية...". لماذا السرية في عمل ينفع البشرية ؟؟. ولماذا الوفاء لمجموعة دون أخرى ؟؟. صناديد الماسونية هؤلاء هم خميرة عصر الأنوار وبذور الشر فيه التي لا زالت تنمو وتشحن العقل الغربي بكل أحاسيس الكراهية والحقد والانتقام من حملة العقيدة الإلهية ودعاة القيم الإنسانية.
كان "هؤلاء يريدون تغيير المجتمع ولكن ليس لديهم سلطان وإذن ينبغي لهم مؤامرة ومؤامرة دولية، إنهم سيتحدون وسيصيرون إخوة، وإن وفاء بعض أعضاء الجماعة للبعض الآخر سيكون أحد قوانينهم..."[دد][xxxii]. يشهد التاريخ إذن أن التآمر الغربي قضية تاريخية وخطة إستراتيجية عابرة للعصور تتداول على إذكائها كوكبة من الحركات العنصرية المدمرة مثل الحركة الصليبية، الماسونية، الصهيونية، النازية، الفاشية، الشيوعية، الصليبية التوراتية الجديدة... وبالإجماع الحركة الاستعمارية المتجددة بقيادة هذه القوة الغربية أو تلك والآن الحلف الإنجلوأمريكي البغيض.
وبالعودة للتاريخ حتى تكتمل الصورة، و"في 7 أفريل من سنة 1778 طبعت هذه القوة الماسونية بطابع التشريف"[دد][xxxii] ليس لكثرة ما انضم إليها من ملوك وأمراء وإنما لكثرة ما اندمج فيها من فلاسفة ومفكرين وأدباء وعلى رأسهم فولتير الذي أعفي من رسميات الالتحاق لشدة الإعجاب به من قبل لجنة المندوبين التسعة لمحفل باريس المؤسس سنة 1776. وكان تشريفها أيضا لكونها شكلت الضمير الحي العامل باستمرار على تطوير قيم الفساد ووسائل الإفساد. ولنا منها سرطان الصهيونية وكيانها العنصري الاستعماري الذي يجد كل الدعم والتبجيل والتشريف من قوى الغرب الرأسمالي لأن هذا الكيان ليس إلا قلعة متقدمة للمؤامرة الاستعمارية الكبرى.
تنازع الغرب مرارا وتصادم تكرارا ولكن من منطلق أرضية فكرية واحدة وهي كسب الجدارة والزعامة لقيادة الغرب في مواجهة الشرق. ولم تكن آليات وأساليب وأهداف هذه المواجهة خارجة عن سياق فرض الهيمنة تحت شعار حماية مصالح (العالم الحر والمدنية الغربية). هذا العالم الظالم الذي ما انفك صانعوه يردّدون زهوا: "لقد نحج الإنسان في إطالة مدة حياته، والعائلات تبذل الجهد كي تؤمن هي نفسها مصيرها الخاص دون الاعتماد بكل بساطة على العناية الإلهية. وإن الإنسان الأوروبي لا يشك مطلقا في تفوق أوروبا... وقد شجع العلم على تطور فلسفة وأخلاق مستقلين عن الله فيما الحقوق تسجل وتكفل المكان الجديد للفرد في المجتمع الاقتصادي"[دد][xxxii]. حيث ترتكز القوة كلها على المال والمادة والرأسمالية بالأساس كسبيل وحيد لتحقيق الرخاء والقوة الفاعلة بعيدا عن الرعاية الإلهية. وهكذا برهن الغرب علنا وسرا أنه صانع للمدنية، عدو للإنسانية، محب لذاته، فاتك بغيره، باسم حماية المصالح والدفاع عن السلم والحرية.
وبانتهاء الحرب العالمية الثانية وعلى مشوى القنبلة النووية أعلن حلفاء الشر عن انتصارهم على إخوتهم في الشر وعن تأسيس المنتظم الأممي ومجلس الأمن. فماذا جلبت هذه المؤسسات ؟ ألم تُمكّن الغرب من حق الفيتو لا بل تحويل هذه المنظمات لتطبيع الهيمنة وتوطيد أركانها ؟؟. ألم يكن تقسيم الوطن العربي واحتلال فلسطين وتدمير العراق واحتلاله والعدوان على أفغانستان وقانون مكافحة الإرهاب... من إنجازات تلك المؤسسات الدولية إسميا والغربية فعليا ؟؟؟. أولم تكن أقدم إمبراطورية استعمارية (بريطانيا) وأحدث دولة استبدادية (أمريكا) هما المستخدم طوعا وكرها لهذه المنظمات في ممارسة الغطرسة والتطهير الثقافي والسياسي والديني ؟؟.
وبحكم أن النفس تأمر والمال يحكم، فقد استقر العقل الغربي على نظرية الهجوم والاستباق تلبية لنداء الذات المتفردة وحاجة المال للطغيان ضمانا للجاه والسعادة. وبقدر ما دعا المسيح إلى السلام والمحبة، فقد حوّل الغرب تلك المحبة إلى تقديس للأنا الخالصة كما حوّل الاعتراف بالخطيئة إلى جحود للخير وتنزيه للنفس وقوة المال. فبؤس العقل الذي ألّهوه وبؤس الذات التي قدّسوها وبؤس الرقي الذي حقّقوه والقوة التي تعشقوها... ويكفينا فخرا حياة التقى وحب الجهاد والاستشهاد الذي منه ارتابوا ويرهبون، فحاربوه ليقعوا منه في الجحيم وهم لا يدركون ما تخفيه قوة الإيمان إذا ما تنادى المؤمنون. فأي منقلب سينقلبون وأي ثمن بحساب النفوس والمال سيدفعون ؟.
وبشر الذين في غطرستهم متمادون أنّنا بالحق وللحق بعون الله منتصرون على الإرهاب ومن صنعه وعلى كل المعتدين لأننا أمة تأبى الضيم ولا تنتصب لها خيمة عزاء على مصابها حتى يبلغ الثأر مداه ويندحر الغازي ويرينا قفاه. وعلينا سجّل أن "لا يردع الإرهاب إلا الإرهاب" ولن يرضى عنك الروم وبنو صهيون حتى ترد إرهابهم وتقوّض الأرض تحت أقدامهم، وإنا لفاعلون جهادا واستشهادا كما تملي سنة الحياة وفروض العقيدة. فقد زرعوا الإرهاب الفكري والعسكري والمالي عبر قرون وعصور وعليهم أن يحصدوا شر ما زرعوا. وهكذا يقضي التاريخ عليهم بما على غيرهم ادعوا. ولا شك فمن يزرع الظلم يجني الإرهاب. ونعم ما يحصد الغرب هذه الأيام. فقد جنت على نفسها طواغيت العدوان والاحتلال وأحلاف الغدر والخيانة من بني العمومة والجيران.
الخاتمة
آخر الشعوب التي ظلت نائمة هي التي أول من استيقظ وحقق نهضته ولكن على النهب والحرب والتآمر والتعدي. والمقصود هنا هو اعتبار أوروبا آخر من التحق بركب الحضارة مقارنة بالشعوب الشرقية وجنوب المتوسط. ورغم هذا التأخر فقد استطاعت أن تصبح القاطرة الأقوى في جر العالم إلى الحروب ومشاريع التدمير والتخريب والحال أن هذه القاطرة قد صارت الآن بقيادة الحلف الإنجلوصهيوني. وهكذا الغرب في الشر واحد سواء كان بزعامة أوربان الثاني وأتباعه في العصر الوسيط أو فريق آل لويس أو آل نابليون وغيرهم في عصر الأنوار أو هتلر وموسليني وفرانكو أو تشرشل وستالين وترومان وبن غوريون في القرن العشرين على سبيل المثال، أو جوقة الإرهاب الصهيوني في القرن الواحد والعشرين بزعامة الثالوث العنصري شارون وبلير وبوش الابن، نجوم الإجرام الدولي. ولا غرو فالعقل الأعظم لا ينجب غير الطواغيت والقانون الظالم لا ينتج غير الإرهاب.
والسؤال يبقى أي قرن لم تكن فيه أوروبا ترتكب المجازر وتخوض الحروب ؟. والخلاصة تاريخ الغرب هو تاريخ الإرهاب وسقوط الغرب سيكون بسبب الإرهاب وعلى يده. وما تصفى القلوب التي بها ذرة حقد وما تنعدل العقول التي بها بذرة جنون وما ترتدع غطرسة ما لم تصدها قوة. ولكن ما الحيلة مع غرب شب على الجنوح واكتهل على الطغيان والسطو والآن يتوّج مشواره على حلم العولمة الكبير وسيجني حتما الانحطاط وسوء المصير لأن مهما عظمت قوى الشر وأرعدت وعصفت ونالت من المستضعفين، فلا شك أن المنتصر الأخير هي ثورة المضطهدين وإرادة المؤمنين. فبارك الجهاد وحي المقاومين في أرض الوحي وديار المسلمين في انتظار عودة الوعي للمحبطين وباقي المظلومين.