غريب.. والله.. وعجيب يا مستر زاده..!
محمد ح. الحاج/سوريا
في معرض حديثه عن مسودة مشروع الدستور العراقي الجديد قال السيد الدليمي أن هناك اعتراضات كثيرة عليه، وأن هناك قانون يفرض أن تكون الموافقة عليه بالاجماع.
سفير الولايات المتحدة الأمريكية العظمى (المندوب السامي) وفي معرض تعليقه على ما قاله السيد الدليمي قال: إذا كان هناك قانون بهذا المعنى فليقدمه لنا السيد الدليمي...!!!
أن يعترض عراقي، سواء كان فرداً يرأس تنظيما، أو ناطقاً باسم تجمع أو حزب أو قبيلة، أو أية صفة أخرى، فهذا حقه الطبيعي، حق المواطنة، بل هو واجب يقتضي إبداء الرأي والتعبير عن الموافقة أو المعارضة، وعلى هذا الأساس يمكنه أن يقيم الحوار مع أطراف عراقية أخرى يتشارك وإياها في حقوق المواطنة وواجباتها، ويبحث وهذه الأطراف عن قواسم مشتركة للاتفاق حول أية نقطة خلافية، سواء بشأن الدستور، أو شكل النظام أو غير ذلك، واستطراداً ليس من حق أحد، سلطة كانت أو دولة أن تعترض على اعتراضه أو تحفظه، فكيف والحال أن الاعتراض جاء من سفير لدولة أخرى (زالماي خليل زاده) الذي تضلل بلاده العالم بأجمعه مدعية أن الهدف من احتلالها أرض العراق هو تحرير شعب العراق، وجلب الديمقراطية له، وتعليمه أصول العيش والتعايش، باستخدام أحدث الطرق والأعراف، والقيم "الأمريكية"..! وهي تصر على لسان مسؤوليها بأنها لا ترغب في التدخل بالشأن الداخلي العراقي، أو في شئون دول أخرى، بينما تؤكد الوقائع وما يتسرب من معلومات أن مسودة مشروع الدستور جاءت جاهزة ومبوبة، وما على اللجنة الوطنية العراقية سوى إقرارها بحيث تأتي في المحصلة متطابقة مع ما يخدم المصالح الأمريكية في هذه المنطقة، وهذا بحد ذاته غاية الحرب التي خاضتها، والاحتلال الذي تمارسه، وعمليات القتل والإذلال اليومية لإخضاع من يعارض من شعب العراق الأبي.
ما الذي يجعل السفير الأمريكي على ساحة العراق يتفوه بهذه السخافات إن لم يكن يمثل دور المندوب السامي، وأنه واثق من أن بلاده تهدف إلى فرض رأيها وبرامجها المستقبلية على شعب العراق وحكوماته طالما استمر الاحتلال، أو زال..!! وهل يدخل في أدب وبروتوكولات السياسة الدولية أن يعلن سفير لدولة تحترم نفسها وتحترم القوانين الدولية وآداب ولياقة العمل السياسي مثل هذا الطلب فيقول: ليقدم لنا السيد الدليمي ما لديه..!
في استفتاء يجريه موقع أمريكي على الانترنت حول السياسة الخارجية الأمريكية،؟ مقدماً توصيفات خمسة لهذه السياسة جاءت النتائج على النحو التالي: دولة ديمقراطية = 13% - دولة أثرياء : 12% - دولة ديكتاتورية: 10% - دولة فاشستية: 30% - دولة مستَعبَدَة "لإسرائيل": 33%. وأما عنوان الموقع فهو: nogw.com www.، ويمكن لمن يرغب المشاركة.
إذا كان هذا هو التوصيف في داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فهل يبقى من مجال لمجتهد في شأن الحرب على العراق التي جاءت نتيجة سياسة مسبقة التخطيط وضعها غلاة الصهاينة من المحافظين الجدد، وهل بقي على أرض عالم العرب من يصدق كلمة واحدة مما يقوله الرئيس بوش وهو يمثل مظاهر الألم والشعور بالخيبة وغير ذلك من ألوان الخداع والكذب، في حين تتعاظم مسيرة الأمهات الثكالى في طرق وشوارع المدن والبلدات الأمريكية وهن يتساءلن عن الغاية من سفك دماء فلذات أكبادهن، في عمليات تدمير أرض العراق، - أرض بابل وقتل سكان هذا البلد الآمن بالجملة، ونتساءل معهن: لو لم تحتل أمريكا بلاد الرافدين، هل كانت لتقع هذه المجازر التي يذهب ضحيتها المئات يومياً، وفي بعض الأحيان الآلاف، عدا عن شهداء الواجب في الدفاع عن أرض العراق والذين أحرقتهم آلة الحرب الأمريكية مستخدمة الأسلحة المحرمة والمحظورة دوليا، دون وازع من ضمير أو رادع من أخلاق، أو احترام لقوانين وأعراف دولية، وكل ذلك لأن سلطة ما على وجه الكرة الأرضية غير قادرة على وقف هذا الثور الهائج بقرونه النووية وغير النووية، وليس من يجرؤ من قادة العالم على اقتراح أو القول بضرورة إحالة هؤلاء القادة على محكمة دولية، إذ أصبحت المحاكم الدولية في خدمة شريعة الغاب العظمى التي تنتهجها أمريكا (الحرة).!.
حري بالسيد الدليمي - الوطني العراقي أن يجيب هذا السفير المتعجرف بالقول: ومن أنت وماذا تمثل، بل ما شأنك والدستور الوطني العراقي..؟ نحن كعراقيين، وحتى كعرب نرى من الأفضل أن تغلق فمك فلا تتحدث إلا بما يعنيك، وليس مهماً لنا أن تكون بلادك وحيدة القرن والقوة، مع ذلك فهي ستجلو صاغرة عن هذه الأرض، طال الزمن أم قصر، بل هو أقرب مما تتصورون، وهو أمر تنتظره آلاف الأمهات الأمريكيات، وأيضاً الآباء الأمريكان برغم شكوكنا حول عواطف الأبوة الأمريكية ومشاعر الآباء الأمريكان المأخوذين بنشوة بوش وانتصاراته الخلبية، دون أن يدققوا في شعبيته الهابطة المتدنية، وانعدام الثقة بوعوده وبما يقوله ويدعيه، وكان الأجدى بدلاً من قوله أنه مطمئن ومتفائل لمستقبل العراق، أن يقول أنه مطمئن ومتفائل حول مستقبل استمراره في الإدارة المشكوك فيه منذ اللحظة.
بوش، وبلير غير معنيان بمستقبل دول العالم الأخرى، فلكل منهما دولته، ومشاكلها، وهمومها، فإذا ما توسعت الأحلام لتصبح بحجم امبراطورية، تتوسع معها وتكبر، بل تتعاظم المشاكل حتى ليعجز عقل بوش الصغير وتابعه عن حملها، أو معالجتها، وإذ يصل حافة النهاية فيتعثر في أداء دوره تتخلى عنه آلة الصناعة السياسية السرية ليسقط كما سقط غيره ضحية أخرى غير مأسوف عليه، وكأني به يدرك هذا المصير، وإذ يكتفي بما يتحقق اليوم، لا يبحث عما يخبئه له الغد، وليس معنياً بما قد يقال عنه، فقد أصبح في لعبة العظماء أداة صماء لا تقرر مصيرها، بل تنجز آلياً ما تم برمجتها عليه.
اللعبة الأمريكية في العراق أكبر بكثير من مقدرة البعض على إدراك خفاياها، والوباء الذي تعمل على انتاجه السياسة الأمريكية في العراق، قابل للانتشار في كل دول المنطقة، وربما بدأت تباشيره تنتقل ببطء لن يوقف تسارعه إلا الوعي والإدراك الغائبين عن ساحة القيادات حتى اللحظة، وإذ تتعرض السياسة والوجود الأمريكيين في العراق لانتكاسات متتالية تلجأ أجهزة التخطيط في هذه الدولة لافتعال حرائق ومشاكل في جهات عدة أخرى لامتصاص النقمة ولفت الانتباه بعيداً عن حقيقة المعاناة والإثارة، أو تبدأ ماكينة فبركة التهم وإلصاقها بالغير وتحميل البعض مسئولية ما يحصل متجاهلة السبب الرئيس ألا وهو التواجد غير المرغوب في المنطقة ككل، وفي العراق بوجه الخصوص.
استندت الولايات المتحدة في مواجهتها مع الاتحاد السوفياتي السابق ضمن دول أمريكا الجنوبية إلى الإدعاء أنها الحديقة الخلفية لها..! البعض يرى ذلك مبرراً كافياً لما لعلاقات الجوار والتداخل الجغرافي والسكاني من حرمات لم تراعها الولايات المتحدة بالنسبة للآخرين عندما انفردت بالقوة على ساحة العالم، وهي إذ تتدخل في شئون الدول كبيرها وصغيرها (من شيشان روسيا) إلى كشمير الهند - وسينكيانغ، وتايوان الصين، وشمال كوريا، وكوسوفو،وأفغانستان، وإيران وغيرها الكثير الذي لا يتسع له المجال، تنكر على دول كثيرة سياستها تجاه أمن شعوبها، واستقرار هذه الشعوب ونموها إذا جاء ذلك متعارضاً مع ما تعتبره مصالح قومية أمريكية ..! وهي ترفض أن ترى في شعب فلسطين جزءاً من الشعب السوري، ولا الشعب اللبناني، ولا العراقي، ولا تقبل الإقرار بوحدة السكان (العشائر والقبائل السورية - والعربية راسخة الجذور على هذه الأرض الشاسعة)، وفي حين يسجل التاريخ تواصل واستمرار سيادة شيوخ القبائل وعدم اعترافهم بحدود مصطنعة، وإثباتهم المقدرة على إدارة شئون القبيلة بعيداً عن حدود الكيانات الحالية، تطالب أمريكا سوريا (حكومة) بوقف ومنع مثل هذا التواصل، الذي هو بحد ذاته أمنع من أن يوقفه أحد بسبب طبيعة المنطقة وعدم مقدرة رجل الأمن على تمييز شخصية السوري أو العراقي أو الأردني أو السعودي، لاشتراك الجميع في وحدة المواصفات شكلاً ولغة وسلوكاً وتابعية للعشيرة أو القبيلة، ويبقى السؤال: أين المنطق في المطالب الأمريكية بأن تقوم السلطات السورية بتحقيق ما تعجز عنه كل الأدوات الأمريكية - الأرضية والفضائية - والتقنية المتطورة...؟. وهل أصبح منطق العولمة يقضي بأن تحرس قوات دولة ما حدود دول أخرى مجاورة..؟؟. قد يقبل البعض بهذا الطرح، لكن ليس حماية لوجود واستمرار احتلال مرفوض من أساسه.
الكثير من الإعلاميين الأمريكان يدركون أن حجم الخسائر المعلنة يشكل جزءا من الحقيقة فقط، وأن الخسائر الحقيقية - البشرية، والمادية أكثر بكثير من مقدرة الدولة الأمريكية على التحمل بعيد الأمد، حتى المواطن العادي أصبح يتلمس الحقيقة عبر نوافذ كثيرة، وثورة المعلومات لم تترك ما يمكن إخفاؤه حيث تسجل العدسات والأقمار الصنعية مجريات كل حدث مهما صغر شأنه وتعيد بثه تكراراً وهذا وحده يكفي لتجهيز معركة مستقبلية بين جموع المواطنين المتضررين الأمريكان من جانب والإدارة الأمريكية المتعالية من جانب آخر.. وسيبحث الصقور طويلاً عن مصادر لتغطية نفقات حرب جائرة أقاموها لإرضاء نزوة غير إنسانية أبداً.
ستخرج أمريكا، وستحصد المزيد من الكراهية عبر العالم وخصوصاً بين صفوف شعوب المنطقة، وقد يسجل التاريخ أن بداية نهاية الدولة العظمى كانت يوم دخول قواتها لأرض العراق، ويبقى أن الأقسى من ذلك والأكثر فداحة، هو الثمن الباهظ الذي يدفعه أبناء العراق البطل لتحقيق حريتهم من جديد.