كـاترينـا.. تفضح بشاعة وزيف النموذج الأمريكي

محمد العبد الله/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

الإعصار العنيف الذي دمر بشكل كبير مدينة نيو أورليانز المطلة على خليج المكسيك، جنوب الولايات المتحدة، والتي امتدت ضرباته لتشمل أجزاء كبيرة من ثلاث ولايات هي لويزيانا، المسيسبي وآلاباما، لم ولن تتوقف آثاره على عشرات الألوف من القتلى، وتدمير وتخريب السدود والمنشآت العمرانية والصناعية - المصانع ومصافي النفط - بالمناطق المنكوية، بل ستكون نتائجه المباشرة، كما صرح به العديد من الناجين والناشطين السياسيين، تعرية البنية الأيديولوجية التي قام عليها المجتمع الأمريكي، المستندة على نظرية عرقية عنصرية بشعة، لم تكن تعبيراتها الوحيدة منظمات القتل البيضاء المتوحشة كعصابة الكوكلكس كلان، بل كان نهج إدارة البيت الأبيض وتكتل الكارتلات والشركات العملاقة المهيمنة على مختلف جوانب الحياة، والتي شكلت المظلة التي ترسخت في جنباتها النظرة الدونية لمجتمع الملونين، الذين قامت على أجسادهم ودمائهم وعذاباتهم حضارة "الرجل الأبيض".

الأيام التي أعقبت بداية الإعصار كانت مليئة بالصدمة والفجيعة لدى السكان والمراقبين، أما ما هو قادم فستكون أيامه وساعاته طويلة، ثقيلة لأنها ستكون مليئة بالمفاجآت للكثيرين ممن راهنوا على عظمة النموذج الأمريكي، الديمقراطي، الحر القائم على احترام حقوق الإنسان.. إلى آخر الأوهام المعششة في عقول هؤلاء. فالعديد من رجال الإعلام والسياسة أكدوا هشاشة الإجراءات التي كان من المفترض التعامل من خلالها مع الإعصار المتوقع قدومه. فالنائب الجمهوري (سوزان كولتس) والديمقراطي (جوزف ليبرمان) يقولان: "من مسؤوليتنا أن نحقق حول التقاعس للتحضير، والتحرك بشكل غير كاف لمواجهة هذه العاصفة الرهيبة" كما نددا بما أشارا إليه على أنه "الفشل الذريع". وعلى الرغم من محاولات الرئيس بوش المتتالية للتأكيد على "أن واشنطن تملك كل الموارد العسكرية لمواصلة الحرب على العراق والقيام بعمليات الإغاثة وحفظ النظام في جنوب الولايات المتحدة" فإن حجم المأساة و زيف الادعاءات دفعت بالبيت الأبيض للتنازل عن عنجهيته المعهودة والطلب من دول العالم والمنظمات الإنسانية تقديم المساعدة. فالدولة الأعظم تبرق سريعاً للإتحاد الأوروبي ليزودها بالأغطية والتجهيزات الطبية وعبوات مياه الشرب وخمسمائة ألف وجبة طعام. بل إن ثلاث مروحيات ثقيلة من طراز شينووك تابعة لسلاح الجو السنغافوري انضمت لجهود الإنقاذ في نيو أورليانز، حسب ما نقلته يوم أمس صحيفة "سترتش تايمز" لأن المروحيات السبع التابعة لخفر السواحل بالولاية كانت عاجزة عن تأمين عمليات الإنقاذ في الأيام الأولى من وقوع الكارثة، لأن العديد منها أرسلت للعراق حاملة الموت والدمار لشعبه. والعجز لم يكن في عدد المروحيات بل في النقص الفادح بعدد عناصر الحرس الوطني في الولايات الجنوبية. المتحدث باسم قوات الحرس الوطني (إندي ثاجارد) يقول "إن افتقاد القوات هو أكبر ما نواجهه في هذا الحدث، إننا في حاجة إليهم". إن إرسال أبنائهم وقوداً للعدوان الجائر على العراق هو الذي حرم سكان الولايات الثلاث من رجال الإنقاذ، فهناك أربعة آلاف من عناصر الحرس من ولاية المسيسبي ينشرون الموت والدمار بوسط العراق، بينما يغطي أكثر من ثلاثة آلاف عنصر آخرين من ولاية لويزيانا عمليات المداهمة والعدوان داخل مدينة بغداد ومحيطها. لقد فضحت الكارثة التقصير والإهمال الهائلين الذين تعرضت لهم هذه الولايات، فكل المناشدات والطلبات التي صدرت عن المجلس البلدي لمدينة نيوأورليانز لتخصيص مبالغ مالية لدعم عملية تعزيز السدود التي تحمي المدينة من مخاطر ارتفاع منسوب مياه البحر نتيجة الأعاصير، ذهبت أدراج الرياح فالأهم لدى الإدارة بالبيت الأبيض، تمويل وزارة الأمن الداخلي والإنفاق على تجهيز عناصر الحرس الوطني لإرسالهم للحرب في العراق، وهذا ما أكده (والتر مايستري) رئيس إدارة الطوارىء في أبرشية (جفرسون) في لويزيانا بحديثه المنشور بصحيفة "تايمز بيكايون" في حزيران الفائت "يبدو أن المال قد جرت إزاحته في ميزانية الرئيس ليصب في خزانة وزارة الداخلية وليذهب إلى الحرب على العراق، وأنا افترض أن هذا هو الثمن الذي ندفعه، الكل مبتئس هنا.. إن السدود لم يستكمل بناؤها ولاصيانتها" ولهذا يتساءل ملايين المواطنين داخل الولايات المتحدة عن طرق صرف مليارات الدولارات التي يتم جمعها من دافعي الضرائب. فإذا كانت الدولة تنفق شهرياً خمسة مليارات على قوات القتل والتدمير التي أرسلتها للعراق بدعوى مكافحة الإرهاب وبناء الديمقراطية، فمن الأجدى أن تنفق مئات المليارات على حماية حياة السكان داخل الدولة. وهذا ما دفع ببوش ليقول قبل يومين "العديد من مواطنينا لا يتلقون بكل بساطة المساعدة التي يحتاجون إليها، وعلى الأخص في نيوأورليانز، وهذا أمر غير مقبول". لقد فضح الإهمال والعجز، اللذان يجدان تبريرهما في عنصرية النظرة للأمريكيين السود الذين يشكلون 70% من سكان المدينة والذين يعيش أكثر من 30% منهم تحت خط الفقر، من تعداد سكان المدينة المنكوبة البالغ نصف مليون. وهذا ما أكده العديد من النواب. (وليام جفرسون) النائب عن لويزيانا يقول "لو لم يكن هؤلاء الناس من السود والفقراء لما تـُركوا في نيو أورليانز" وهو ما يشير إليه أيضاً عضو الكونغرس (الايجا كمنغز) "إن ما يحدد من عاشوا ومن قتلوا في هذا الإعصار المدمر هو الفقر والسن ولون البشرة" وهو ما عبر عنه (ديفيد بروكس) الكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" في تعليقه على الكارثة "ما يحدث مأساة إنسانية، إن من تراهم يهيمون على وجوههم وقد فقدوا كل شيء هم من السود والفقراء "مؤكداً على أن الاضطرابات السياسية ستأتي. العديد من الإعلاميين في مناطق الكارثة قدموا تقارير متطابقة عن التلكؤ المقصود بالاستجابة لنداءات السكان السود. شهادة مراسل صحيفة "معاريف" الصهيونية (بوعز غاؤون)، تحمل دلالة خاصة، لأنها تصدر من أحد حلفاء المحافظين الجدد القابضين على القرارات السياسية للبيت الأبيض، وهو بتقريره الصحفي يحاول أن ينقل صورة حقيقية لمعاناة الناس فيقول "لو كنت أسوداً لكنت الآن ميتاً، أو للدقة منبطحاً، محطم الرأس على أرض ملوثة بيدين مفرودتين على شكل صليب" وينقل عن أحد الشباب السود (فارنون توماس) أو كما يحلو لأجهزة الأمن والإعلام العنصرية بتسميته وأمثاله "الناهبين السالبين السود" قوله "على الناس أن يعرفوا أن الشرطة لا تريدنا أن نخرج من هنا، إذ لا تريد للناس أن يعرفوا، إنهم لا يفعلون شيئاً. صحيح أننا سرقنا الغذاء ووزعناه، ماذا يريدون منا أن نفعل ؟ أن نموت بصمت". لقد عبرت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية عن عنصرية فاشية مقززة في متابعتها لعمليات النهب في المدن، فعند الحديث عن الناجين البيض الذين اقتحموا المخازن، يتسامى الوصف الإنساني لعملياتهم "يحاولون الحصول على ما يقتاتون عليه من طعام من محل غرق بمياه الفيضانات التي أحدثتها الأعاصير" لكن السلوك ذاته عند الزنوج يتحول إلى "عمليات نهب وسلب".

إن توجه الرئيس وبطانته لزيارة المناطق المنكوبة بعد الكارثة بعدة أيام لن يعيد الحياة للأموات، ولن يحجب عن أعين السكان عجز وإهمال مؤسسات الدولة المركزية، فالزيارات لا تعدو عن كونها حملة علاقات عامة، تسعى لستر عيوب التلكؤ المقصود، وللتخفيف من هول ما سيعيشه السكان منذ الآن ولعدة سنوات. وزير الأمن الداخلي (مايكل تشيرتوف) يضع الأمريكيين أمام الحقائق المتوقعة "إننا سنكتشف وجود أشخاص موتى قد يكونون داخل المنازل، أو جثث في الشوارع.. إننا سنعاني من تلوث هائل سيكون الأفظع من كل ما شاهدناه في هذا البلد" مؤكداً على "توقع الأسوأ بعد انحسار المياه" التي يتطلب تصريفها ما بين أربعين إلى ثمانين يوماً حسب ما أكده الجنرال (روبرت كرير) من وحدة الهندسة العسكرية.

لقد انعكست ردات الفعل على هول المأساة بأكثر من مكان. التجمع الحزبي للنواب السود في الكونغرس، الهيئات والمنظمات الأهلية المدافعة عن حقوق الإنسان والبيئة، بدأت تتحرك لكشف أسباب التقصير والدعوة لمحاسبة المسؤولين. كما أن صدى الكارثة تردد داخل قوات الغزو في العراق. فقد تابع الجنود وعناصر الحرس الوطني القادمون من الولايات الجنوبية أخبار الدمار والموت في مدنهم وبلداتهم، مما أدى لحالات انهيار عصبية هستيرية لهول الأنباء القادمة من نيو أورليانز وبايلوكس وموبايل أكثر المدن تضرراً. فقد شهدت معسكرات قوات الاحتلال "بالمنطقة الخضراء" ومطار بغداد الدولي حركة احتجاجات واسعة بين الجنود، وصفها بعض الخبراء على أنها مقدمة لحركة عصيان داخلية، فقد قام أحد ضباط الصف الرقيب (نك لانسر) بالصياح بشكل انفعالي حاد، بعدما وصله نبأ موت ثلاثة من أفراد عائلته بنيو اورليانز "هذه لعنة العراق، عائلتي دفعت ثمن جرائمي هنا، أعيدونا لننقذ أهلنا، بوش ورامسفيلد عليكما اللعنة"، حاول أحد كبار الضباط إسكاته بالقوة، لكنه فشل بفضل انضمام عشرات الجنود للرقيب، لتبدأ عملية مواجهة مع الضباط وعملائهم من المترجمين والمرتزقة. كما امتد تأثير الإعصار على عجز البنتاغون من تأمين التحاق المتطوعين بالقوات المتوجهة للعراق، على الرغم من ماكينة الإعلام العسكرية الكاذبة في إغرائهم للتطوع عبر وسائل متعددة. أحد الجنود الذي رفض التوجه للعراق قال: "أن أكون جرذاً سجيناً في أميركا، أفضل من أن أكون جندياً في العراق".

لقد أطاحت كاترينا بهشاشة البناء الأيديولوجي/الأخلاقي الذي حاول دعاة "الليبرالية الأمريكية المعولمة" تعميمه على العالم، وأسقطت بضرباتها القوية الستائر الواهية التي تغلف وحشية العنصرية العرقية، وعـَرَََّتْ منظومة الأفكار الكاذبة التي يتشدق بها كتبة المحافظين الجدد، داخل أمريكا وخارجها.