مصر: هل ستتحول الدولة من الطور البوليسي إلى الفاشي؟
محمد عبد الحكم دياب/كاتب من مصر يقيم في لندن *
أصبح من المؤكد أن حملة الدعاية الانتخابية لحسني مبارك أتت عكس ما هو متوقع منها تماما.. ليس هناك من نظر إليها بالجدية المطلوبة، باعتبارها عرضا مسرحيا مفتعلا ومملا لن يغير من الأمر شيئا، وزاد من سوء هذا العرض طريقة تسويق الرئيس وبيعه للرأي العام.
كان شعار الحملة مبارك 2005، عبور إلي المستقبل، مثيرا للسخرية. فمبارك المستنسخ لـ 2005 غير ذلك الذي حكم مصر من 1981، والإيحاء بأن مبارك المجَدَّد محَسّن ومختلف جينيا وسياسيا عن مبارك الآخر.. مع أن الناس علي يقين أنه لم يتغير ولن يتغير. فكل ما مارسه في العام الأخير مارسه اضطرارا.. اضطر لتقديم برنامج انتخابي، وهو الذي رفض ذلك بعناد، قائلا: ليس لدي برنامج.. برنامجي هو أعمالي!!. تماما مثلما فعل مع مطلب تعديل الدستور، اتهم المطالبين بأنهم ناس عاوزين يولعوا البلد ودعوتهم باطلة ، وأمام ضغط كوندوليزا رايس أقدم مضطرا علي تعديل المادة 76 فقط دون غيرها.
مبارك 2005 المحسن والمجدد، جعلوه علي صورة الرئيس الموازي، جمال مبارك وهيئته، ولم يكن البرنامج الذي أعلنه سوي برنامج التوريث سيتولي الابن تنفيذه بعد 7 أيلول (سبتمبر).. سيحتفظ الأب بشكل الرئيس، إلي حين، ويقوم الوريث بعمل الأب في كافة المجالات، السياسية والاقتصادية والتشريعية والأمنية والعسكرية، وهناك من نسي أن الحياة السياسية شبيهة بحياة الإنسان البيولوجية، وموت السياسة هو كموت الجسد البشري. ينطبق عليه قول إكرام الميت دفنه، فالجثمان الذي لا يدفن يتحول إلي جيفة، تؤذي البصر وتزكم الأنوف، ونظام الرئيس حسني مبارك مات وشبع موتا وتحول إلي جيفة، لم تجد من يواري سوءتها.. والعلاج في هذه الحالة بالتشييع، وليس بـ "التوريث"، فالتوريث أشبه بالدواء منتهي الصلاحية، الذي يقتل السليم ولا يحيي الميت.
يوم السابع من أيلول (سبتمبر)، يوم فاصل في تاريخ مصر. فهذا الجثمان الميت ستحميه الدولة البوليسية.. تخيف بصورته الباطشة وأساليبه الوحشية الناس باعتباره مازال حيا، وإذا لم تحدث مفاجآت، سيزداد بطش الدولة البوليسية أكثر من قبل، وهنا نحب أن ننوه إلي معني الدولة البوليسية، لأن هناك خلطا بين دور الشرطة والأمن وبطش الدولة البوليسية، فالأمن وظيفة مطلوبة ومهمة في كل المجتمعات.. يحمي المواطن، ويطبق القانون، ويصون الحريات، أما أن تكون كلمته هي القانون، الذي يصادر الحريات، هنا تتحول دولة القانون إلي دولة بوليسية، وقد يكون من بين رجال الدولة البوليسية من ينادي بتصحيح دور الشرطة والأمن، مثلهم مثل كثير من المواطنين، ومبارك مكن الدولة البوليسية من التحكم في الأرزاق والأعناق.. جعلها متحكمة في كل شيء.. بدأً من تعيين الخفير حتي رئيس الوزراء، ولا يستثني من ذلك إلا عائلة الرئيس.. وقد عرض أستاذ الطب الشهير، محمد أبو الغار لحادثة تكشف مدي تحكم الدولة البوليسية في العلم والعلماء والجامعات، ونشر ذلك في صحيفة المصري اليوم من عدة أيام. بطل هذه الحادثة طالب نجيب.. كان يحصل علي المركز الأول طوال سنوات دراسته، وحصل علي إجازته الجامعية من كلية العلوم محتفظا بترتيبه الأول وامتيازه، وكان من حقه التعيين كمدرس مساعد بكليته، وتقدم بطلبه للكلية، وحصل علي تزكية أساتذته وعميد الكلية، وانتظر ولم يأته رد، وهو يري الأقل درجة وتفوقا يشغل الوظيفة، وقدم التماسا يشكو فيه مما حصل معه، وعند عرض الأمر علي عميد الكلية أشار بان الطلب لدي جهات الأمن، ولما وصل الأمر لمدير الجامعة وعد بالحل، ولما لم يأت الحل رد على من راجعه بأنه في انتظار موافقة الأمن، أي أن مصير العلم والعلماء والأساتذة والمسؤولين في الجامعة وعلى كل المستويات مرهون بقرار الأمن وليس غيره.. هذه هي الدولة البوليسية.
لكن بعد السابع من أيلول (سبتمر)، إذا غابت المفاجآت، فإن الرئيس الموازي سينقل الوراثة من الدولة البوليسية إلي الدولة الفاشية، وسوف تفصح عن نفسها بشكل سافر. وقد يسأل سائل هل هناك فرق بين دولة بوليسية وأخري فاشية؟ الدولة الفاشية تعطي لمسؤوليها حقا إلهيا، يبرر احتكار الحكم من قبل قلة من ذوي الثراء الفاحش، والسيطرة على الكثرة الأقل حظا، وهي دولة تنتعش مع الانكماش السياسي والاقتصادي، وتعمق الخلل في توزيع الثروة، وترى أن مصدر الخطر عليها هو من الحريات والديمقراطية، وتدعي أن عدم نضج الشعب، يعطيها حق فرض الوصاية عليه، وهذه الوصاية هي طريق الفاشيين للاستمرار في السلطة. والفاشيون انعزاليون بطبعهم، يعادون العمل الجماهيري، وينفرون من كل ما له علاقة بالشعب. يخافون التجمعات ويرفضون التشكيلات الجماعية، ومن يراجع سيل الكتابات المؤيدة لجمال مبارك بأقلام "الليبراليين الجدد" في صحف (الأهرام) و(نهضة مصر)، ومجلات (روز اليوسف)، و(الديمقراطة)، تجد أنها قد استماتت في الدفاع عن حقه في الوراثة. لمجرد أنهم وجدوه قادرا علي التعبير عن مصالح الفاشيين، ويحمل فكرا جديدا، لا يؤمن بأي حق للشعب في الحياة الكريمة، وقد ارتاح اليمين الصهيوني المسيحي، الحاكم في البيت الأبيض لمقدم جمال مبارك. ومن يتذكر التقارير التي نشرتها كبريات الصحف والمجلات الأمريكية من عام 1997، وحتى عام مضي، يجد أنها ربطت بين مستقبل المشروع الصهيو أمريكي في مصر والوطن العربي ووراثة جمال مبارك للحكم!!
7 أيلول (سبتمبر) هو يوم معركة حياة أو موت، ليس فيه من سبيل غير التزوير لمواجهة أزمة حكم مات وولي، في مواجهة موقف شعبي رافض للتمديد والتوريث. صحيح هناك وعيد من جانب عائلة الرئيس بمواجهة دموية ضد من انتقد وكشف عوراتها وفساد مواليها وسياستها.. ستواجه هؤلاء بـ "الجزم"، أي الأحذية، حسب ما ورد علي لسان بوق من أبواقها، في ثقة زائدة في نجاح التزوير، الذي صك له الرئيس الموازي شعارا لتزكية مبارك 2005 يقول "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش"، إلا أن الشعب الذكي اللماح، قابله بشعار آخر، تعبيرا عما لاقاه من ظلم وضنك وفساد ونهب وشظف عيش. شعار مستقي من مملكة الحيوان.. عندما قرر القرد في الغابة مواجهة الظلم، ولما هددوه بأن يسخطوه، فقال قولته الشهيرة التي صارت مثلا: "حيسخطوك يا قرد حتبقي إيه.. برضه قرد"، وكذا المصري المكبل، لن يخسر إلا قيده في النهاية!!
كثيرون في انتظار تطورات متوقعة خلال الأيام القليلة الباقية علي يوم السابع من أيلول (سبتمبر)، ويبنون حساباتهم علي نتيجة المعركة المفتعلة، التي أشعلها الرئيس الموازي، بين القضاء واللجنة العامة المشرفة علي الانتخابات، وهي برئاسة رئيس المحكمة الدستورية، لتبدو معركة قانونية، لا شأن لمشعلها بها، وترتب علي ذلك حرمان أكثر من ألفين من القضاء من الإشراف علي اللجان الانتخابية.. تخلصا ممن يصرون علي ألا يكونوا شهود زور في عملية تستوجب الشفافية والنزاهة، وعدم القبول بسرية فرز الأصوات. ووصل الأمر بالرئيسين، الرسمي والموازي، بأن يحطما قواعد التراتب القضائي، المتعارف عليها، باختيار أعضاء دوائر قضائية لرئاسة اللجان العامة، وتعيين رؤساء دوائر للإشراف علي اللجان الفرعية، وهذا لا يجوز قانونيا ولا دستوريا، لأن رئيس الدائرة لا يخضع لرئاسة عضو دائرة، فالقاضي رئيس نفسه، ولا ولاية لأحد عليه إلا للقانون والضمير. وإخضاع القضاة، بهذه الصورة، هو عقاب جماعي على ما صدر عن الجمعية العمومية لنادي القضاة، في نيسان (ابريل) الماضي تطالب باستقلال القضاء وإخضاع القاضي لرئاسة الأقل في الأقدمية والدرجة هو ضرب لكل القيم، ليست القانونية فحسب، بل الأخلاقية أيضا.
وقد تمكن الرئيس الموازي من افتعال معركة أخري بين الجماعات الأهلية المحلية، الراغبة في رقابة الانتخابات واللجنة العامة للانتخابات، بعد أن أعلنت رفضها لوجود رقابة من أي نوع. ثم تأتي مشكلة الرقابة الدولية، وكانت مصر قد قبلت بها وشاركت، مع غيرها، في مراقبة الانتخابات في بلاد افريقية وآسيوية، وكان آخرها مراقبة الانتخابات الفلسطينية. وفضلا عن أن رفض الرقابة من أي نوع هو تبييت لنية التزوير، يبدو أنه اعتمد على تدخل شارون الذي تمكن من إقناع الإدارة الأمريكية بأن أمن دولته الصهيونية مرتبط باستمرار عائلة الرئيس في حكم مصر، وهو ما رفع القبضة الأمريكية التي كانت ضاغطة على عنقها، ولولا هذا ما كانت هذه الجرأة علي رفض الرقابة المحلية أو الدولية وغيرها.
لكن هناك أمورا تسيل اللعاب الأمريكي، في ظروف الضربات المتلاحقة من المقاومة العراقية، وحاجة بوش إلي ورقة الديمقراطية أمام الرأي العام الأمريكي لتبرير غزوه للعراق وتدخله في شؤون المنطقة العربية. هذه الأمور تمثلت في أن المتنافسين الثلاثة الكبار حسني مبارك، ونعمان جمعة، وأيمن نور، ينطلقون من أرضية واحدة تقريبا، وتكاد برامجهم تتطابق في ثوابتها، ويراهنون علي نفس القوي الاجتماعية ويلعبون بنفس الأوراق الاقتصادية والسياسية، فنعمان جمعة غازل رجال المال والأعمال، في يومه الانتخابي الأول، بطلب إلغاء جهاز الرقابة الإدارية، وكأنه يدعو لمزيد من النهب والسرقة والتسيب. وأيمن نور لا يراهن إلا علي دعمهم، ويقتدي الاثنان بخصمهما حسني مبارك، الذي خاطب الفلاحين من قلعة إقطاعية، والعمال من مشروعات رجال الرئيس الموازي.. برامج شبه متطابقة، تمكن الثروة من السلطة، ولا تستخدم السلطة، بالمعني السياسي والقانوني، في كبح جماح الثروة، أو في فصم عري الزواج الباطل الذي أسس له الرئيس الموازي بين المال والحكم.. فنهب ثروة الفقراء ومنحها، بلا حساب، للأغنياء والأغبياء واللصوص.
هذا قد يغري بوش ورايس، في الساعات الأخيرة، بالعودة إلي الضغط وفرض الرقابة المحلية والدولية، فالتخلص من عائلة مبارك المرفوضة من الشعب، والمستهلكة عربيا وعالميا، يساعد الإدارة الأمريكية علي تحقيق إنجاز تحتاجه في تعاملها مع الرأي العام الأمريكي، فتنقل رهانها علي حصان آخر، فتضرب عصفورين بحجر واحد.. تبدو مستجيبة لمطالب التغيير الملحة في مصر، في نفس الوقت تكسب إلي صفها حاكما لا يمثل خطرا على مصالحها أو مصالح الدولة الصهيونية. وهذا قد يقلب الموازين ويصبح شعار الأيام القليلة الباقية من الحملة الانتخابية "اللي تعرفه أسوأ من اللي ما تعرفوش"!!
http://www.kanaanonline.org/articles/00681.pdf