إسقاط "الدستور المقترح" والموقف المطلوب

سعد داود قرياقوس

لقد وضع الدستور المقترح والاستفتاء عليه شعب العراق والقوى والشخصيات السياسية الوطنية المجابهة للاحتلال إزاء تحدٍّ جديد، وإزاء اختبارٍ وطني صعب تتجاوز آثار نتائجه المستقبل السياسي  لتك القوى والشخصيات لتؤثر في مستقبل العراق شعبا ودولة.

التحدي المطروح ولاسيَّما أمام الفصائل الوطنية المناهضة المسؤولة عن تعبئة الجماهير في هذه المرحلة الخطيرة، يكمن في ضرورة تحديد الموقف الوطني السليم من مشروع الدستور المقترح والاستفتاء عليه، واختيار البديل الأفضل من خيارين مطروحين لإسقاطه.

الأول: إسقاط مشروع الدستور من خلال الرفض المطلق للتعامل مع مفرداته وعدم المشاركة في الاستفتاء عليه.

الثاني: إسقاط الدستور عن طريق صناديق الاقتراع، أي من خلال المشاركة في الاستفتاء والتصويت عليه بالنفي.

في تقديري أن الخيار الأكثر ضمانة لمصالح العراق ومستقبل أجياله هو الرفض المطلق للمساهمة في هذه العملية الصورية والخطيرة. لماذا؟

لن نتطرَّق في هذه المساهمة إلى الجوانب الفنية للدستور، ولن نستعرض حيثيات الجوانب السلبية وتفاصيلها والفجوات الخطرة والألغام القانونية، ولن نتطرَّق إلى المستوى المتردي لهذه الوثيقة التي لا تتوفر فيها أبسط مستلزمات الدساتير الحديثة. ولندع جانبًا كون الدستور وثيقة كتبت بوحي "ملاك" أمريكي، وتلبية لمتطلبات سياسية أمريكية بحته. لكننا سنركز على الجوانب السياسية التي تدفعنا إلى المطالبة بإسقاط مشروع الدستور من خلال مقاطعة الاستفتاء عليه. هناك سببان أساسيان يدفعاننا لاتخاذ هذا الموقف.

الأول: المشاركة في الاستفتاء تمثل اعترافا صريحا وواضحا بشرعية الاحتلال، وقبولا لبرنامجه السياسي. هناك ثوابت مبدئية وطنية لا يمكن لأيَّة قوة سياسية تعتز بانتمائها الوطني تجاوزها وخرقها. أهم هذه الثوابت، هي أن الاحتلال الأمريكي للعراق هو احتلال غير شرعي قانونيا وأخلاقيا. عدم الشرعية هذه، تقابلها شرعية ثابتة وراسخة، ألا وهي شرعية مشروع المقاومة الوطنية. قبول أحد هذه الثوابت يعني بالضرورة  إسقاط الآخر. لذا، فالقبول بشرعية الاحتلال من خلال قبول برامجه والتعامل معها سياسيا، من ضمنها لمساهمة في الاستفتاء على الدستور يعني بالضرورة رفض شرعية المقاومة ومصادرتها.

إذًا، فالدخول في العملية السياسية والمساهمة في الاستفتاء على هذا الدستور المسخ  يلغي شرعية المقاومة وأيَّة تفسيرات للمواقف المنتهكة لهذه الثوابت تبقى مجرد تبريرات.

السبب الثاني لترجيح خيار الإسقاط عبر رفض المشاركة، يعود إلى عدم وجود آلية تضمن نزاهة الاستفتاء وتحول دون قيام الجهات الراعية له والمستفيدة من نتائجه، وتحديدا حكومة الأشيقر وإدارة الاحتلال من تزوير عملية الاستفتاء، ومن ثم تجيير نتائجه لصالح تكريس مشروعها الاحتلالي.

من الواضح انه في ظل غياب هكذا ضمانات، وفي ظل انعدام روية واضحة وموقف وطني موحد مستند على أسس ثابتة وتقديرات إحصائية سليمة، تبقى المشاركة في الاستفتاء عملية مقامرة سياسية قد تترتب عليها عواقب وخيمة وخسائر سيدفع الوطن فواتيرها. إن على المتحمسين الجدد للالتحاق في مسيرة العملية السياسية أن يأخذوا في الاعتبار مسألة مهمة نرى من الضرورة التذكير بها. مشاركتهم  في الاستفتاء، وإذا ما مرر الدستور، ستقود إلى تثبيت دستور تفتيت وحدة العراق وتغيير هويته الوطنية والقومية، وبالتالي سيتحملون تبعات مشاركتهم. فهل لديهم الاستعداد لتحمل تبعات المساهمة في تفتيت وحدة العراق؟

ثمة سؤال آخر يطرح نفسه على الشخصيات والقوى السياسية المؤيدة لخيار المشاركة في الاستفتاء. إذا كانت لدى هذه القوى القناعة في قدرتها على إسقاط مشروع الدستور، وإذا كانت تقديراتها مبنية على حسابات سياسية سليمة، فلماذا المشاركة في الاستفتاء إذا؟ لماذا لا تعبأ الجماهير في اتجاه الرفض القاطع لمشروع الدستور وعدم المساهمة في الاستفتاء وإسقاطه، وبالتالي إجهاض مشروع الاحتلال و تعرية إدارة بوش وتقصير أمد الاحتلال؟

أن المساهمين في الاستفتاء نتيجة لحسابات تقوم على مصالح الطائفة أو الحزب أو التيار لا يمكن تفسير موقفهم إلا بمثابة صفقة مقايضة لمصالح الطائفة أو الفئة بالمصلحة الجمعية لشعب العراق، هذه المقايضة، بالتأكيد عملية خاطئة ومرفوضة وطنيا، وسيدفعون المقايضون تكاليفها السياسية مستقبلا.