نصر الله والفاتورة!!

حياة الحويك عطية/باحثة وكاتبة من الأردن

هل كان حطاب السيد حسن نصر الله وحديثه إلى العربية تسديدا لفاتورة استبعاد حزب الله من لائحة الاتهام الموجهة إلى القادة الأمنيين في عملية اغتيال الرئيس الحريري؟ وهل سنشهد موقفا مشابها من سوريا ومن رئيس الجمهورية العماد اميل لحود؟

هل كانت عبارة " حتى الآن" التي أردف بها ميليس تصريحه بأنه لا دلائل على تورط سوريا ورئيس الجمهورية و(حزب الله) في الجريمة، هي بمثابة منح الفرصة لتنفيذ المطلوب..... وإلا...؟

ألذلك بدا وجها الرئيس لحود والسيد نصر الله بالغي التجهم في اليوم الأول لاعتقال القادة الأمنيين، ومن ثم أكثر انفراجاً في اليوم التالي؟

هل كان هؤلاء القادة كبش الفداء، كما هي العادة. تلصق بهم التهم فيتحقق بذلك أمران: الأول: تبرئة "اسرائيل" وأميركا وأجهزتهما وعملاؤهما في لبنان من تهمة الاغتيال، والثاني إحكام الطوق حول عنق سوريا و(حزب الله) ورئيس الجمهورية، مما يجعلهم جميعا يقدمون التنازلات المطلوبة على صعيدين أساسيين: العراق ونزع سلاح المقاومة اللبنانية.

التنازلان قدمهما نصر الله أمس: فقد قال في حديثة للعربية أنه مستعد لنزع سلاح (حزب الله) بعد تحرير كامل التراب اللبناني وبضمانات غير أميركية، وهذا موقف قد لا يخمل جديدا إلا في جزئه الثاني.

أما في موضوع العراق الذي كان الموضوع الأساسي في خطابه - كما قال هو بالحرف - فقد حاول السيد توظيف كل قدراته الفقهية والبلاغية لإخراج الموضوع بشكل منطقي ومقبول: بدءا من الاستشهاد بأئمة السنة للدلالة على أهمية الإمام موسى الكاظم، واستمرارا في التأكيد على وجوب تجنب الفتنة بين السنة والشيعة.

ولكن.... وصولا إلى إدانة المقاومة العراقية المسلحة، وقتل المدنيين، واتهام المقاومين بأنهم فريقين: "جنرالات الصداميين" الذين يريدون العودة بالبلاد إلى الحكم السابق، وعملاء الأميركيين، بل أنه أقام ربطاً وثيقاً بين الاثنين، دون أن يذكر بكلمة واحدة المقاومة الحقيقية من جهة، أو دور "الموساد الاسرائيلي" من جهة أخرى!. وفي الخط الإسلامي ركز هجوماً مطولاً شرساً على "جماعة التكفير والهجرة"، مغفلاً جميع الفصائل الأخرى!، بحيث بدا وكأن المقاومة العراقية كلها "تكفيريين مجرمين ومتواطئين قتلة ومراوغين"!!. كذلك عمد إلى تبرير التروي والانتظار قبل اتخاذ موقف من الاحتلال، واعتماد المقاومة السلمية، وإلى شن الهجوم الشديد على مقاطعة الانتخابات.

عمليا، تبنى نصر الله جميع العناوين التي يسوقها الاحتلال الأميركي، ووقف منصاعاً بحرفية وراء خط السيستاني، وسوَق بحماس المطلب الأميركي الحالي والملح أي مشاركة العراقيين في الاستفتاء على الدستور العراقي الأميركي!، مشاركة لم يكن مناخ الخطاب كله ليشكل دعوة إلى أن تكون مشاركة الرفض والاحتجاج. خاصة وأنه لم يذكر بكلمة واحدة، رفض الفدرالية أو مخاطر تقسيم العراق!!.

هكذا سدد الأمين العام فاتورة ثمن رأس حزبه، برأس العراق!.

وإذا كان ثمة أسئلة تطرح نفسها من مثل من الذي كان وراء الصفقة الواضحة، ايران أم أوروبا أم عائلة الحريري التي وجه لها زعيم (حزب الله) الشكر صراحة، ومعروف أن المقصود بالعائلة هو سعد الدين الحريري الموجود في باريس؟ أم زعماء وسفراء آخرون؟

كان أهم ما في الموضوع أن هذه المجريات تؤكد على التحليل الذي سقناه منذ بداية عملية التوقيفات، وتوقيتها، بأن المقصود من كل ما يجري هو العراق، وتحديداً تمرير الدستور الأميركي، وما يتلوه من عملية التقسيم.

عملية لا ترفضها ايران، وربما لا تبدو مقيتة بالنسبة للعقلية الشيعية، خاصة إذا كان ثمنها مكسب شيعي آخر، أو الخلاص من تهديد آخر.

ليظل الدرس إن العقلية الطائفية لا يمكن أن تفرز خطاً صحيحاً، حتى وإن صح فيه جزء. وأن كل ارتباط بما هو خارج الأمة لا يمكن أن يصب في مصلحتها..

وأخيرا إن الوضع القومي العام المهترىء والمتداعي لا يمكن أن يدفع الناس، حتى أفضلهم، إلا إلى مواقف ضعف وتراجع وتنازلات.