يُسمونه أيلول.. وأُسميه الذهب

موسى حوامدة/الأردن

لأيلولَ طعمُ مختلف، وله رائحةٌ مميزة، صوته حَييٌ خَفِرٌ، لا هو بالمرتفع الصاخب ولا بالضعيف الواهن،كأنه موسيقى ساحرة، تصاحبها آلات الاوركسترا بإيقاع عذب وجميل،ترافقه خشخشةُ الأوراق وهي تساقط بعد اصفرار!

هذا هو شهر الشهور الذي أحب، استراحة السنة من غبار الصيف وضوضائه وصراخه ومفرقعاته ومشاكله، إنه شهر العتبات، فكأنك ترتقي سلما طويلا طيلة ثمانية أشهر، ولما تصل العتبة التاسعة، تنبسط الأرض تحت قدميك، تهب نسمة هواء رطبة تمنحك شعورا لذيذا بالبرودة،بعد شدة الحرارة التي تنهك الجسد وتبقي عليه آثارها وخطوطها من عرق ورطوبة وقشب يعلو البشرة ويشوه لونها ونعومتها.

هذا هو أيلول الذي يسمونه الأصفر وأسميه الذهب، شهر الانحراق والاحتجاج على وهج الشمس ولفح الهاجرة، وكأن الزمن شعبٌ حي ينتفض في وجه القيظ ويعيد الأرض إلى صوابها ورشدها ويهدئ من غلوائها وبطشها وتغولها على الكون كله.

هذا هو شهر الصفاء، وليس الصفرة الفاقعة، النسيم والندى ورذاذ السماء، زحزحة المحتل ودفعه لتفكيك مستوطناته، ونقل كلابه بعيدا عن مداخل الحارات والتكايا والبيارات، وأبواب مدارس الأطفال التي تُفتَح مع مطلع هذا الثلاثيني الخالد، والأمدي الودود المعطاء والذاهل عن بقية شهور السنة والأيام والتقاويم.

ليس سيئاً مثل حزيران المنحوس المهزوم، أو تموز الحارق المارق الثقيل، ولا لاهباً مثل آب أو كئيبا مثل تشرين الثاني، لكنه مزدهٍ بنقائه ولمعانه واعترافه بهزيمة الخريف أمام جشع الصيف، وطغيان الربيع وعتمة الشتاء على تشويه الفصول والأشهر.

إنه واحة، لا تسورها الأشجار، ولا تطوقها الجبال، ولا تمخر وسطها الأنهار والبحيرات، لكنه وديع هانئ هادئ معترف بقيمته ورشاقته في زمن عز فيه الهناء والاعتراف بالقدر والتواضع.

إليك يا أيلول أمد يدي وأبسطها فوق وجهك الوسيم، أداعب جبينك وأقبل محياك وأشكرك على المجيء كل عام، وإن كان يحزنني فراقك مثلما يحزنني مجيء غيرك، فليس بقدرتي اعتقالك في كل الأشهر، ولا أملك الحق في وصفك دواء لبقية الأسابيع، ولا أستطيع أن أجعل الندى بديلاً عن ماء السماء، وحين ترحل يا صديقي، لا تعتب علي، فقد يجيء وقت قد لا نلتقي فيه على بساط الدهر والأعوام.

إليك يا حبيبي، أفتل شعاع الشمس، وأقدم حساء الليل، فاهنأ يا نفسي بطعم المحبة، وزاد الرغبة، ولكن لا تخجل من ممارسة حقك في جمع تلك الخضرة التي لم تصمد في وجه الشمس فتهاوت مذعورة ناشفة.

تقبل صداقتي كما صاحبتُ الريح فوعدتني ألا تصبح عاصفة أو إعصارا..

تقبل محبتي ولا تخذلني مثل حزيران وأيار من قبله وما تلاهما..

تقبل دعائي أن تظل أعذب الأشهر وأصفاها ولا تُكذب أملي كما نيسان الذي خان شباط ولم يترفق بشقيقه آذار.

على أني بحت لك بما لك، وغفلت عما عليك، كي لا تكون كبقية المشعوذين والسحرة، وكي لا أطرد من جنة الشهور ورحمة الأسابيع، فأضحي يوما بلا أسلاف أو زملاء في ورق الرزنامة.