مطالعة في قرائن فيدراليات عالمية

حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

علينا أن نعود القهقرى إلى ما قبل مئتين وثلاثين عاما من الزمن، كي نلتقط في العام 1774، رأس الخيط الفيدرالي الذي انطلق منه مندوبو مستعمرات أمريكية كانوا في حالة حرب مع بريطانيا بصفتها الإمبراطورية المستعمرة للبلاد.

وفي الأساس، فإن كل واحدة من هذه المستعمرات، كانت تنظر لنفسها كوحدة مستقلة، بل وبعين الحذر، لكل ما من شأنه أن يقود إلى فكرة اتحادية. وكشأن من شؤون إدارة الحرب ضد الاستعماريين البريطانيين، فإن المؤتمر الأمريكي القاري الأول، الممثل لدول القارة الأمريكية، كان قد انعقد للنظر في غمرة تداعيات الاستقلال عن البريطانيين، ومع الأيام الأولى لإعلان الاستقلال، كاد المؤتمر القاري أن ينفرط عقده مع انتهاء مهمته الحربية، إلا أن أعضاء منه، ممن عرفوا ببعد النظر والحكمة، واظبوا على الإقناع بضرورة تحويل المؤتمر (الكونغرس) إلى مؤسسة دائمة.

وقد تولى بعض أعضاء المؤتمر، علي رأسهم الخبير المخضرم ديكنسون، مهمة صياغة نظام جديد للحكم، يعطي الدول (أصبح اسمها ولايات)، حكومة مركزية ذات سلطات محدودة، ويبقى لها على استقلالها في مجالات إقليمية واسعة.

ورغم التوافق علي النظام الجديد، إلا أن (دولة) ميرلاند، أصرت على رفضه، ما لم يقدم المؤتمر على اعتبار أراضي الغرب الأمريكي، ممتلكات عامة يقسمها بين حكومات حرة ومستقلة.. ولما كانت هذه الممتلكات الغربية، ملكيات خاصة للعديد من أعضاء المؤتمر، فقد توافق الأعضاء من دول المؤتمر، على التنازل، عما لهم من مصالح في الجزء الغربي للبلاد، وجعلت الأراضي الواقعة بين جبال الابلاش ونهر المسيسيبي، بمثابة ممتلك وطني تشرف عليه حكومة مركزية، وقد أدى عناد ميرلاند بصورة موضوعية، إلى تقوية موقع السلطة المركزية، من حيث هي، الرابط الوحيد بين مصالح عامة، فيما يشد من أزرها كونغرس مركزي لعموم البلاد.

مع الموافقة على نظام الحكم الجديد، فقد نضجت الظروف، لاستصدار دستور عام، تحت اسم (شروط الاتحاد التعاهدي)، وهو يقضي بضم الدول الأمريكية في اتحاد يعرف باسم الدول الأمريكية المتحدة ، وبدأ تحول الكونغرس من صفة مؤتمر، إلى مهمة حكومة مركزية، تضم مندوبي أقدم ثلاث عشرة ولاية على الساحل الشرقي، بدءا من نيوهامشاير في أقصى الشمال إلى جورجيا في أقصى الجنوب.

لم يكن الكونغرس، الذي بات يزاول مهمة حكومة مركزية، راضيا عن الاضطلاع بدوره كسلطة تنفيذية ذات مهام متعددة وجسيمة، فمقررات الاتحاد في المركز الفيدرالي، قد تأخذ طريقها إلى الإهمال لدى حكومات الدول، وعلى وجه الإجمال، فإن الاتحاد التعاهدي، لم يؤد عمليا إلى دولة اتحادية متجانسة ومنظمة، فكل ما في الأمر، هو أن الدول (الولايات المستقلة)، كانت قد اتفقت علي عناوين حمالة أوجه، لتنظيم شؤون محددة، تتولي هي (أي الولايات) تنفيذها، فيما الكونغرس لا يمتلك صلاحيات الإرغام على التنفيذ، وقد أفرزت السنوات العملية، التي أعقبت هذا الوضع، اختلالات فظيعة تبدت في اضطراب الأداء العام، وعدم تلبية حاجات البلاد والقدرة علي حل مشاكلها الانقسامية، خاصة وأن الولايات بمجملها، عصفت بها كوارث اقتصادية، نظرا لبقاء السيطرة على الثروات والتشريعات والتجارة والجمارك بأيدي حكومات الولايات دون تنسيق فالقيود المفروضة على التجارة بين الولايات مثلا، كانت ترفع من سوية العداء بين السكان، أما تنوع العملات، بين ولاية وأخرى، أو في الولاية الواحدة نفسها، فكان يؤدي إلى هبوط كارثي في قيمها. ومع هذا العجز، فقد برزت النزاعات على الحدود بين ولاية وأخرى.

كما أن المحاكم في الولايات، كانت تصدر أحكاما قضائية متضاربة، بسبب عدم وجود سلطة قضائية عليا، لها الحق في إلغاء ما يتعارض مع الدستور، من قوانين تتخذها الولايات.

أما الأوضاع المعيشية المتردية لعموم الطبقات الكادحة، فقد أدت في خريف العام 1786، إلى قيام الفلاحين في ولاية ماساشوستس، بثورة مسلحة، اضطرت حكومة الولاية معها، إلى استعمال أقصى درجات العنف للقضاء عليها في مهدها.

كان الجميع يدرك تدهور سلطة المركز (في نيويورك آنذاك) حتى أن بعض حكومات الولايات، باتت تتجاهل وجود هذا المركز، فتتفاوض بشكل مستقل، مع حكومات أجنبية، وتقيم علاقات دبلوماسية خاصة معها، بل وتنشىء جيوشاً وأساطيل بحرية - حربية بصورة منفردة.

وفي الإرهاصات الأولى، لتبرعم قوى رأسمالية أمريكية، فإن سلوك الولايات، بإقامة حواجز تحد من تطور التجارة ونمو الصناعة، ليس مقبولا على الإطلاق، لذا فقد أخذت القوى الرأسمالية الناشئة، على عاتقها، مهمة إعلان الحرب ضد العزلة والانكماش، ولما كان أكثر رجال السياسة في تلك المرحلة من أصحاب رؤوس الأموال المالية والصناعية والتجارية.. فقد انخرطوا في المطالبة بحكومة مركزية أقوى وأشد فاعلية بموجب صلاحيات دستورية مضافة، وقد أثمر هذا الحراك عن انبثاق مؤتمر فيلادفيا الشهير عام 1787.

كان علي رأس المؤتمر، زعيم جماهيري قوي، هو الكسندر هاملتون، فهو يحظى بخبرة عملية وسياسية فائقة، وقد حالفه الحظ، حين جاء المؤتمر في أعقاب نزاع مستطير بين ولاية فرجينيا البروتستانتية وميرلاند ذات الطابع الكاثوليكي الأعم، ولم يكن سبب النزاع على المذهب بالطبع (وربما كان محتفيا تحته)، بل إن السبب المباشر للنزاع، هو الخلاف علي حرية الملاحة في نهر بوتوماك، الفاصل بينهما.

ثم التقط هاملتون الوضع برمته، فصارح المؤتمر (فيلادلفيا)، بأن الوضع في البلاد الأمريكية قاب قوسين أو ادني من الانهيار، وأردف بنبرة مقنعة (أرجوكم وضع نصوص ضرورية، بل هي غاية في الضرورة، تلك التي تجعل دستور الحكومة الاتحادية مناسبا لدور الحارس على حاجات الاتحاد ومصيره.. ومنذ البداية تمكن زعماء أفذاذ من عيار واشنطن وهاملتون وماديسون وموريس.. من السيطرة على الأكثرية (خمسة وخمسون مندوبا عن اثنتي عشرة ولاية)، حيث تم التوافق على إلغاء شروط الاتحاد التعاهدي الفيدرالي، والعمل على إصدار دستور جديد يناسب فئات المجتمع الأمريكي على اختلاف سلالاتهم وجنسياتهم الأصلية ومصالحهم الاقتصادية والتجارية والمعيشية.

في المحصلة، فقد كان أمام المؤتمر مشروعان لدستور جديد، الأول وهو ما عرف بمشروع فيرجينيا وقد قدمه أبو الدستور الأمريكي جيمس ماديسون (أصبح الرئيس الرابع للولايات المتحدة)، والمشروع الثاني وهو ما عرف باسم مشروع نيوجرسي، وهو أكثر ميلا لاستقلالية الولايات الصغيرة، خشية طغيان مصالح الولايات الكبيرة عليها.

وبحسب التاريخ الأمريكي، فقد كان لمشروع فيرجينيا، أرجحية غالبة، فقد تمكن المجتمعون بعد اجتماعات طويلة ومضنية (ومع حلول وسط) من دمج المشروعين في مشروع واحد، أدى إلى ولادة دستور جديد، يوازن في الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات.. على أنه من الأهمية بمكان، قراءة الصلاحيات الجديدة التي طفرت بها حكومة المركز.

فمن هذه الصلاحيات علي سبيل المثال لا الحصر، أن الحكومة الفيدرالية تتمتع بأوسع الصلاحيات الكبرى العائدة للمصالح المشتركة لعموم الشعب، كما تتمتع بصلاحيات كاملة في مجال الشؤون الخارجية والدفاع والاقتصاد العام ومالية الموازنات والجمارك وإصدار النقد وإبرام المعاهدات الدولية، أما السلطة التنفيذية فهي في يد رئيس الجمهورية الذي يمثل الشعب والدولة، وهو مسؤول أمام الشعب لا أمام البرلمان، وله أن يمارس أوسع السلطات في مجال السيادة فهو القائد الأعلى لجيوش البر والبحر والجو، وهو الذي يعقد المعاهدات مع البلدان الأجنبية، شرط موافقة مجلس الشيوخ، وهو الذي يعين أركان الإدارة والسفراء وقضاة المحكمة العليا وكبار الموظفين من الدرجة الأولى في مختلف مجالات الخارجية والداخلية والأمن والعدل والاقتصاد، كما يحق له أن يرد أي قانون تشريعي من الكونغرس لا يرضي عنه، فإذا أصر الكونغرس على تمريره، فإن عليه أن يجمع تواقيع ثلثي أعضائه لإرغام الرئيس على قبوله.

أما في مجال السلطة التشريعية، فهناك مجلسان، الأول للنواب وينتخبهم الشعب مباشرة بنسبة نائب واحد لكل ثلاثين ألف مواطن، والثاني للشيوخ وهو يمثل الصفة الاتحادية للبلاد، حيث التساوي بين الولايات بمعدل نائبين عن كل ولاية بصرف النظر عن تعداد السكان، فيما يجري انتخاب أعضاء مجلسي الشيوخ عن طريق الشعب مباشرة.

وفي مجال السلطات القضائية، فقد حفظ الدستور، مكانة القضاء واستقلاله، بعيدا عن مؤثرات السلطتين التشريعية والتنفيذية، أو ما يخالطها من مصالح وأهواء جماعية أو فردية، وعلى ذات الخطى الفيدرالية، فقد وضع الدستور محكمة عليا للبلاد كما وضع أحكاما ينشىء بموجبها الكونغرس محاكم فيدرالية ادني علي مستوي الولايات، فيما يعتبر من أهم صلاحيات المحكمة العليا، يكمن في التأكد من دستورية القوانين الصادرة عن الكونغرس ومجالس الولايات، وفيما إذا كانت القوانين الصادرة، تتعارض أو تتماشى، مع أحكام الدستور العام الناظم للعلاقات بين الولايات، وتلك هي نبذة مختصرة، من مشهد أمريكي تاريخي في نشوء الفيدرالية بضرورة اللجوء إليها، فهذه البلاد ظلت في حالة تشكل من هجرات عرقية شتى لمدة مئتي عام، ومن يدقق في تاريخ نشوء ولاية فيرجينيا على يد جون سميث في العام 1607، وانضمام ولاية اريزونا إلى الاتحاد في العام 1912، يلحظ مدي البون الزمني الشاسع، لتكون امة من خلائط أمم شتى، لا يجمعها إلا نظام فيدرالية، فأساس أمريكا البشري، جاء من غشيان هجرات مفتوحة، من الانكليز والفرنسيين والألمان والاسكتلنديين والايرلنديين والهولنديين والبرتغاليين والأسبان.. بحيث يمكن القول، بأن أمم أوروبا كلها، كانت تتجمع في أراضي القارة الجديدة، بمحمول فوارق لغاتها وعاداتها وتقاليدها ومذهبياتها.. وفي الحقيقة فأن أمم أمريكا، هي التي تَفَدْرَلَتْ بناء على ضاغط الأوضاع وضروراتها، وأساس الفدرلة في الولايات المتحدة، إنما يعود إلى تاريخ بريطاني وليس إلى تاريخ أمريكي خاص، فالولايات الأمريكية الأولى على الساحل الشرقي، مثل نيوهامشاير وماساشوستس وفيرجينيا ومجاميع نيو انغلاند البلدانية، ظلت تتمتع بحكم ذاتي موسع، قبل الاستقلال، إذ رأي الاستعماريون البريطانيون، بأنهم يحكمون شعبهم وليس أي شعوب أخرى، فما أن تكونت المصالح في ربوع قارة وليدة، حتى اصطدمت مع لوائح القوانين والأوامر والنواهي الصادرة عن مركز الإمبراطورية في لندن، فاشتعلت العصيانات المحلية والتمردات المناطقية وصولا إلى حرب الاستقلال، وقد كان من أهم سمات الفيدرالية الأمريكية، أنها كانت تتوجه إلى اتحاد من كيانات منقسمة على العرق والمذهب والعادة والأصل.. فالاتحاد في نظر واضعي الدستور الأمريكي، هو أولاً، ومع النقل من تقليد بريطاني عريق، فقد برزت أهداف المساواة والعدالة والديمقراطية في صياغات متحولة ومتعدلة في صيرورة دستور يتوالد بموجب تجارب على أرض الحياة المجتمعية في الواقع.

وعلى الضفة الأخرى من المحيط، كانت دول أوروبية، قد قطعت شوطاً كبيراً، في نظم سياسية قائمة على الفدرلة، وما يهمنا هنا، بعيدا عن الانخراط في التفاصيل، أن الفدرلة الأوروبية، كانت مع تطور تاريخي صاعد، من الإمارات والدوقيات والمقاطعات المحكومة بأسر النبلاء والأمراء واللوردات وأشقاء وشقيقات الملك من بلد آخر.. ثم إلى الدولة القومية في نظام توافقي فيدرالي يصب في المركز، حيث من النادر المستحيل، أن تجد انفصالاً في دولة من أمة واحدة، أما تفكك الدول كما جاء عليه مصير الاتحاد السوفييتي، فهو رجوع إلى الأصل، إذ لم تستطع فيدرالية الإكراه، من أن تقيم دولة اتحادية إلى مالا نهاية، أما الأصل في الفيدرالية الموجبة، ولأمة واحدة، فيمكن استلهامه من النموذج الألماني، حين بقيت ألمانيا الغربية، تضع موازنات جانبية، ليوم استحقاق عودة جناحها الشرقي إلى حضن الدولة الواحدة، وقد كانت هذه الموازنات المحضرة، ترمي إلى تحديث هيكلة البني التحتية كما وصلت إليها بعد هدم جدار برلين.

أما اليوم، فيعكف مونتسكيو العراق الجديد، على تقليد فيدرالية من نتائجها وليس من تاريخها، وفي بلاهة التذاكي، يستقرئون تجارب من رأس الماعون، ناقلين نماذج على الغارب، خالطين بين تواريخ الفيدراليات وسيروراتها وضروراتها بين بلدان وأخرى، وشعوب وأخرى، وتجارب متباعدة في شروط مختلفة وأنظمة متباينة، وقوى وبنى لا تشابه بينها، فالفيدرالية عندهم، مثل موناليزا مستنسخة، لا يهم الفارق فيها بين الأصل والصورة، طالما أن التذوق جاء من استثارة بل ومقاصد خارجية، وفي هذا المستوي من انغلاق الأفق، تقع اختلاطات شعاراتية نتيجة التباس المفهوم، فالفيدرالية نظام تدار بموجبه أوضاع السكان في الولايات المختلفة نتيجة تفارقات أممية أو طبقية وتاريخية، فيما الديمقراطية نظام سياسي تدار بموجبه العلاقة بين المواطنين ومؤسسة الدولة بموجب قوانين ناظمة، وقد رأينا في مفهوم الفيدرالية عند جان جاك روسو، العراق، السيد علي الدباغ مع آخرين، بأنها خشبة الخلاص من دكتاتور جديد في بغداد، كما أنها هي المساواة والعدل بين الناس، ولكن عتاة ديكتاتوريي العالم، في الأنظمة النازية والفاشية والستالينية والفرانكوية.. كلهم جاؤوا في ظل أنظمة فيدراليات وليس العكس، وهذا لا يعني أن الفيدراليات هي ماكينة تفريخ الديكتاتوريات مثل أنها لا تعني بالضرورة، أنها حاضنة الحريات والمساواة والعدل..

وكدليل على حسن النية! لنسمتع إلى فقرات عشوائية من "دستور" يريد للعراق أن ينهض.

- "يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مئة ألف نسمة".

وهي النية الأولى في التزوير، إذ لا يوجد بلد في العالم، يقدم على عملية انتخاب دون إحصاء حقيقي ونزيه قبله، وفي العراق يختلط اليوم، الحابل بالنابل، إذ لا تعرف العراقي من غير العراقي في إرجائه!.

- "يشترط في رئيس الجمهورية أن يكون ذا سمعة حسنة.. مشهوداً له بالنزاهة والاستقامة والإخلاص".

ولدينا لدى رأس الهرم السياسي العراقي مع الاحتلال، ما يشير إلى انعدام جميع هذه الصفات، فجورج واشنطن قاد بلاده إلى التحرر من الاستعمار وليس إلى جلب الاستعمار والاستقواء بعصاه. ولذلك استحق أن يكون رئيساً وطنياً للبلاد، رغم رفضه الصريح لهذا المنصب.

- كما يشترط في رئيس الوزراء أن يحمل الشروط اللازم توافرها في رئيس الجمهورية.

وينطبق استنتاجنا أعلاه على من يركب (الهمفي) أيضاً، ويعيش في "المنطقة الخضراء"، من حيث هو رئيس وزراء لشعب لا يراه!.

- "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي عن السياسة العامة للدولة، وهو القائد العام للقوات المسلحة".

ولا يرى الشعب العراقي، بعيداً عن كردية انفصالية، أو شيعية صفوية، في النموذج المتوقع، غير الطالب لبقاء الاحتلال، أما قيادة الجيش، فقد سبق لأصحاب "مسودة الدستور"، أن نقلوا ما كان ولم يكن، عن أسرار الجيش العراقي، إلى واشنطن ولندن وتل أبيب، بإضافة دسيسة رخيصة عن توافر أسلحة دمار شامل!.

- "النظام الاتحادي في العراق، يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية.. ولحكومات الأقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.. كما يخصص له حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً، ومن موارد الإقليم ويقوم مجلس وزراء الإقليم بإعداد الموازنة السنوية للإقليم".

وعليه فإن هناك في المتوسط، أربع وزارات. مع الوزارة الاتحادية، لسبعة وعشرين مليونا من الناس، تنطلق كل منها من أنانيات إقليمية مشبعة، تريد جر الغطاء إلى خاصرتها، بشاهد العداء المستحكم، الذي أيقظه الاحتلال، فالجو العام للفيدرالية، كان قد انطلق أساساً من إرادة احتلال في التفتيت، وليس في طلب العدالة والمساواة، أما النظرة إلى ثروات البلاد، وتنطلق من رؤية ريعية خراجية، كما هي الرؤية إلى كيس السلطان، فقد أشبعنا أصحاب "مسودة الدستور"، كلاماً عن ثروة العراق الكامنة في الجنوب. وكأن الجنوب هو صاحبها (نظرة إقطاعية للأرض ما فوقها وتحتها)، كما أن الأكراد على استعداد لخوض مذابح من أجل كركوك، وبالطبع لا لقدسيتها الكردية، بل لنفطها الذي يقدره الأكراد من جهتهم، بأنه يعادل ثلث القيمة لثروة العراق بأكمله!

في الدستور أيضاً، "أن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية".

ترى أين هي الدولة ذات النظام الفيدرالي، التي ترتضي أن تمسح هويتها التاريخية، في دلالة اسم بلادها، ومكونات شعبها في أكثريته الكاثرة، فـ"اسرائيل دولة يهودية" على اسم نبي، فهل باتت العروبة في العراق، على هذه الدرجة من الأقلية، كي تلفظ من فقرات دستور يريد طمسها، وأين هو هذا التوافق، الذي يشار إليه بالبنان، وهو يسقط تسعين بالمئة، من هوية العراق التاريخية؟!، وهذا دليل إضافي على النفوس الأمارة بالسوء، فالشيعة على هوى ايران، ترتضي شطب العروبة العراقية، لأنها تريد استرداد فارس في العراق، وها هي تطالب بجعل اللغة الفارسية، لغة ثالثة في العراق، بعد اعتماد العربية والكردية، وربما مع (انجازات) الفيدرالية، ستهمل العربية في المستقبل، أما الأكراد من السياسيين، فأنهم لا يطيقون لفظة العروبة، من حيث هي كابوسهم الثقيل في التاريخ، فهم درجوا على إشعال الحرائق ورمي وزرها على بغداد.

وفي مجال "اجتثاث البعث الصدامي"، فإننا لم نر دستوراً أو قانوناً، لا في فيدرالية ولا في غيرها، على هذه الدرجة من (التخصص) وتسمية الأشياء بأسمائها، فالفقرة ليست دستورية ولا قانونية، خاصة وهي تجيء بصيغة انتقامية حاقدة ومحددة، فالدساتير المحترمة بصفاتها وروحها ونصوصها، لا في إطلاق اللعنات على هذا الحزب أو ذاك، بتسفيه رئيسه والتشهير به، وإلا فأنه دستور للنقمة لا للرحمة، فعندما أرادت الدساتير في بلدان الديمقراطية الغربية، أن تحظر قيام أحزاب عنصرية أو شوفينية أو عرقية، أشارت إلى الطابع العام في الفاشية والنازية وحتى الشيوعية، ولكنها لم تشر إلى أسماء رموزها، موسوليني وهتلر وستالين. كيلا يصبح في فقرات الدستور ما يشي باستهداف شخصي، فيما هو وثيقة الأمة على الدوام!!.

في التاريخ السياسي لنشوء الفيدراليات ما يشي بالتطور من الأدنى إلى الأعلى (تاريخ صاعد نحو توحيد أمة) أما في التاريخ المعاصر، لمطلبية فدرالية عراقية، ما يشير إلى تطور ناكس، من الدولة إلى الأقاليم، وليس غريبا أن نرى مثل هذه الكرنفالات على يد أسياد الدستور، الذين هم ماسحو أحذية الاحتلال!.