على الطريق الطويل بعد القطاع
حمدان حمدان/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا
عندما سئل الدوق ولنغتون، جنرال بريطانيا الشهير، عن سر انتصاره على نابليون في معركة واترلو (بلجيكا عام 1815) أجاب الدوق بتواضع: ربما لأنني كنت اقرأ ما وراء الأكمة من دون أن أعرف المكان، بطريقة أفضل، أما السبب الآخر، فربما يعود إلى إنني بذلت قصارى جهدي، كي أجلس في دواخل نابليون، علني أتعرف على ما يجول في تلافيف دماغه، من تقديرات وأفكار.
في انسحاب شارون من قطاع غزة، ما يحفز لاستلهام شيء من دروس ولنغتون، أولاً بمحاولة قراءة ما وراء الأكمة الشارونية، وثانياً، في معرفة ما يجول في دماغه من أفكار، على الأقل من خلال تصريحاته العلنية مؤخرا لجريدة (يديعوت احرونوت) "الاسرائيلية".
ففي يوم الجمعة المصادف للحادي عشر من آب من عامنا الجاري، أي قبيل ما أسماه "فك الارتباط"، يصرح شارون بأنه ظل يفضل - بخصوص الانسحاب - التفاوض مع أمريكا، لا مع الفلسطينيين ولا العرب، وأنه كان يرمي من وراء ذلك، إلى تحريك الجمود السياسي، الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من مبادرات دولية تحرج أمريكا، خاصة وهي في وضعها الاحتلالي للعراق، وان واشنطن باتت معنية (بمعنى مضطرة)، كي تعمل على إحياء "خارطة الطريق" وإشاعة علاقات عامة أفضل مع عموم المنطقة، ولما كانت علاقة تل أبيب بواشنطن، قد أصبحت علاقة شراكة، وعلى طريقة الحسابات الصهيونية، فإن شارون في استشارته الأمريكية، التي ناهزت ستة أشهر قبل "فك الارتباط"، لم يكن في محل انتظار الموافقة الأمريكية، قدر ما هو معول على الثمن، فقد تردد في وسائل الإعلام، إن الثمن الذي تطلبه "اسرائيل"، من أمريكا أو من حلفائها النفطيين في بلاد الضاد، ما لا يقل عن مليارين من الدولارات، وهو ثمن إضافي فوق ما تمنحه واشنطن من معونات سنوية قابلة للزيادة، خاصة إذا أضيف إليها تبرعات المؤسسات اليهودية - الأمريكية، على مدار العام.. وهناك معلومة اليوم، هي أن الحكومة "الاسرائيلية" بالتعاون مع إدارة الاستيطان، سوف تمنح كل عائلة "اسرائيلية" نزحت من القطاع، مبلغا تعويضيا على شكل سيولة مالية تقدر بسبعين ألف دولار، وأن العائلات اليهودية المهاجرة من مستعمرات غزة، تجد طريقها لإعادة الاستيطان في مستعمرات الضفة الغربية وليس سواها، إذ هي خط الدفاع الأول عن الاستيطان النهائي.
في التحليل الآخر، لما يدور في دماغ شارون، هو أنه دماغ ينطوي على توقع فتنة بمزيد من التحريض عليها، ففي مقابلة له مع التلفزيون "الاسرائيلي"، مساء يوم الجمعة في 11 آب أيضاً، يؤكد شارون بأن (أي تقدم بعد عملية فك الارتباط، انما يقع الان علي عاتق السلطة الفلسطينية، ونيتها الحقيقية في مكافحة الارهاب) ثم ينطلق القضاء "الاسرائيلي" من عقاله، حين يأتي التصريح على لسان وزيرة العدل، بأن اتفاقات أوسلو تمنع من الوجهة القانونية، أي شراكة للسلطة الفلسطينية مع منظمات "إرهابية"، لا في المجال التشريعي أو التنفيذي أو القضائي فحسب بل والسياسي والاجتماعي.. ثم يكرر الرئيس بوش في مناسبة وغير مناسبة، جاعلا الاصطدام بين السلطة ومنظمات المقاومة الإسلامية، مقدمة أساسية لبلوغ "خارطة الطريق"، ولا نعلم لمن ستكون هذه الخارطة، بعد وقوع حرب أهلية فلسطينية، تماما كديمقراطية العراق، لعراق يراد لشعبه أن يموت! "فخريطة الطريق" لدى شارون، كذلك هي في دماغ بوش، مشروع قديم ينفذ في ظروف دولية جديدة، فشارون خلال عمره السياسي كله، ظل يعتبر الأردن أرض فلسطين الذي على الفلسطينيين أن يقيموا دولتهم فيه، فما أن جاء (اتفاق وادي عربة)، -الصلح بين الأردن و"اسرائيل"- حتى صرح شارون لجريدة (معاريف) 13 نيسان 2001 "لا أرغب أبدا في أن تكون هناك دولتان فلسطينيتان"، مما يعني لا دولة فلسطينية غرب النهر، بل هو الكيان الفلسطيني المندمج بالأردن، فيما تتعزز هذه السياسة واقعياً، بالفصل الديمغرافي عن القطاع، حيث يمكنه من الناحية الإدارية أن يعود مصريا في ظلال الكامب كذلك تتعزز السياسة الشارونية ببناء جدار الفصل العنصري، وتهويد القدس، على أن للضفة خيار الالتحاق بالأردن، محكومة - عدا مستعمراتها – "باتفاق وادي عربة"، من حيث هي تمسي في ظل إدارة أردنية. أما التعديل الطارىء في دماغ شارون، فقد انبثق من مستنقع أمريكا في العراق، وهذا التعديل هو حاجة أمريكية، قبل أن تكون "اسرائيلية"، فقد اضطر بوش، لأول مرة في تاريخ الرئاسات الأمريكية، أن يعلن عن تأييده لقيام دولة فلسطينية تمثل شعب فلسطين، دون الإعلان عن حدودها وتفاصيلها وملامحها، ولكن بشكل ضمني ومفهوم، (دولة مقيدة، محددة، منزوعة السلاح، ولها قوات شرطة بأسلحة خفيفة لازمة لحفظ الأمن، وتكون "اسرائيل" هي المسؤولة عن حدودها الخارجية، وهي لا تستطيع التوقيع على تحالفات مع دول معادية "لاسرائيل"، كما من حق "اسرائيل" أن تكون هي المشرف على أجواء وبحار الدولة المقترحة، كذلك الممرات والمعابر من الدولة وإليها.
وإضافة إلى ثمانية عشر تحفظا شارونيا، على "خارطة الطريق"، بما في ذلك عدم المس بمستعمرات الاستيطان اليهودي (في يهودا والسامرة)، فإن هدف الخطة في الخروج من غزة، ظل يكمن - يشرح شارون أيضاً، (في أي اتفاق مقبل ونهائي، فأنه لن تكون هناك مستوطنات في قطاع غزة، ومقابل ذلك، فأن مناطق في الضفة والقدس، ستكون جزءا من "دولة اسرائيل"، وهي ستتضمن كتلا استيطانية يهودية، ومستوطنات مدنية ومناطق أمنية ومناطق فيها "لاسرائيل" مصالح لا يستطيع أحد أن يمنعنا من تحقيقها).. وتضيف الكاتبة الفلسطينية سائدة حمد من القدس المحتلة، ليس صدفة أن يعلن شارون في سياق تسويق خطته لليمين "الاسرائيلي" المتطرف، أن الفلسطينيين سيندمون على هذا الانسحاب، سواء كـــانوا في صف المفاوضة أو المقاومة - (الحياة في 18 آب، وكان ينقص شارون أن يضيف (فإن لم يندموا من تلقاء أنفسهم، فإننا سنكرههم على الندم)!!.
فشارون يعلم قبل غيره، من حيث هو أحد "الآباء المؤسسين" لمشاريع الاستيطان، ما هو الحال الذي ترك عليه القطاع، إذ فوق ما هو سنجق صغير، في حدود 365 كيلومتراً مربعاً، وتعداد سكاني يجاوز مليون وأربعمئة ألف فلسطيني، فإن حصاره - بعد الانسحاب - سيضفي مشكلات فوق مشكلات، ففي الأساس، هناك نسبة من العاطلين عن العمل، تجاوز ثمانين بالمئة من القوة العاملة، وأن متوسط الدخل السنوي لأسرة متوسطة، لا يرتفع فوق ستمئة دولار سنوياً، وأن ضيق المساحة، لا يترك مجالات للاستثمار، وقد وصفت إحدى الصحف الألمانية، بأن مساحة القطاع، لا تتجاوز مساحة مطار فرانكفورت الدولي، وأن معيشة السكان، القائمة على اليسير من صناعات بدائية، وزراعات نادرة ومحدودة، وصيد سمك، وأعمال معمارية محدودة.. هذه المعيشة لا يمكن لها أن تتقدم، إذا كان حبل السرة مقطوعاً، مع الضفة والقدس من جهة، ومع مصر عن طريق رفح من جهة أخرى.. وليس أفضل من حصار شارون لكي يضع القطاع في صندوق عزلة، أو بصورة أدق، كي يجعل فلسطينيي الفرحة بالانسحاب، يندمون، ففعل الندم في نبوءة شارون، ليس فعلاً ذاتياً فلسطينياً، بقدر ما هو إجراء عدواني مبيت، والشاهد أنه يريد الكيل لطرفي المفاوضة والمقاومة على حد سواء، ففي سؤال للكاتبة الفلسطينية فاتنة الدجاني من لندن، تحت عنوان (الفلسطينيون بين التفاؤل والتشاؤل بانسحاب غزة) تطرح الكاتبة جملة من التساؤلات الواقعية، لا بد من الوقوف عندها، إذ ماذا لو ثبت أن ثمن القطاع هو مصير الضفة والقدس؟ ماذا لو لم تستطع السلطة والفصائل إدارة القاطع بروح الوحدة الوطنية؟ ماذا لو أدى الضغط البوشي - الشاروني، إلى رفع سقف المواجهات الداخلية؟
وهذا هو المقطع الأول أو النصف الأول من مصطلح التشاؤل لإميل حبيبي رحمه الله، أما النصف الثاني من المصطلح، أي التفاؤل، فينتج بأن مرحلة ما بعد الانسحاب، ستكون أهون من جميع المخاوف في جميع القياسات، فالشعب الفلسطيني بمحصلات وعيه وتجاربه، لن يكون (روبوتا) يتحرك بموجب (روموت كونترول) بيد أمريكا و"اسرائيل"، فهو يعي ما يدور في دماغ شارون وسيد البيت الأبيض، كما يعي طبيعة النزاع لقرن كامل، والوضع الدولي للعالم وأمريكا.. وفي تقدير هذه النبوءة التفاؤلية التي نصطف إلى جانبها، بأن الانسحاب من غزة، سيكون العتبة الأولى على طريق مرير وطويل، سلكه الشعب الفلسطيني وما يزال يسلكه، سواء بالتفاوض أو بالقتال، أو سواء بدمجهما على الطريقة الفيتنامية في جميع الظروف، فما لا يدور في تلافيف دماغ شارون، أن هذا الشعب الذي قاتل قرناً كامل من أجل فلسطين، لن ينسى طريق الكفاح الموصل إلى السيادة والعودة والكرامة، وينسى دماغ شارون، تلك الكآبة القاتلة التي عشعشت في نفسية غولدا مائير، قائدته ومعلمته في التاريخ الصهيوني.. قالت لا أستطيع النوم، وأنا أتخيل نشيج طفل فلسطيني وهو يولد الليلة..
وحتى في الشتات، بعد سبعة وخمسين عاماً من الغياب، فأن الطفل الفلسطيني، ما زال يردد لهجة فلسطينية دون خلل، فإذا ما سئل من أين أنت، أجاب دون لجلجلة من فلسطين.. وهو شاهد إضافي على الغيبوبة التي تنتاب دماغ الغطرسة المأفون.
لا مجال في مقام الانسحاب "الاسرائيلي" من غزة، للمبالغات الإنشائية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فإن كان يحق للفلسطينيين أن يفرحوا لحرية غزة وإسقاط مستعمراتها، فأنه لا يحق لنا، تنمية الأوهام في دحر "اسرائيل"، فالشوط ما زال طويلاً، وعلينا أن نتحصن أمام الوقائع والقادم على الطريق، ففرحة الحرية لا تغنينا عن مهام مصيرية، أولها ألا نقترب من مشادات عقائدية وتحازبية وماضوية.. سواء في إدارة القطاع أو في تسيير الانتخابات المقبلة، التي يقرر صندوق الاقتراع نتائجها بشفافية كاملة.
علينا أن نركن للحوار المفتوح، دون تشرنق أو انغلاق وباطنية، وحتى لو كانت الآليات مختلفة، لكن المصير واحد، ولا نريد لقوى خارجية أن تجرنا إلى الاحتراب.
ألا يغوينا نداء نزع السلاح من أيدي المقاومة، بذريعة "أن السلاح لا يكون إلا في أيدي قوة الدولة الرسمية"!، فنحن لسنا دولة - بل سلطة - لا تمتلك من أمر السيادة شيئاً، وأن شعار ضبط السلاح في قوة الدولة، يصبح صحيحاً بالكامل، عندما تغدو القدس والضفة والقطاع دولة فلسطينية مشفوعة بالسيادة وحق الشتات بالعودة.
ألا تغوينا شريعة حمل السلاح على الغارب، فللسلاح قدسية ووظيفة، من حيث لا يجوز، بل ومن المحرم استخدامه في غير هدفه الأسمى، محاربة قوات الاحتلال العسكرية (خارج القطاع) شريطة عدم إعادة العدوان عليه، وهي تفاهمات يجري الاتفاق عليها.
ألا تغوينا شريعة السلطة والاغترار بالحكم العضوض، فأمام السلطة الفلسطينية مهام تنهد لهولها الجبال وآخر ما في السلطة الفلسطينية، هو الاستعلاء والاستخفاف، بل الاهتمام بكل ذرة وزاوية ومنعطف شعبي، في مجالات المعيشة والسياسة والأهداف الكبرى، بالقضاء على الفساد والإفساد، والقضاء على روح التشريف لا التكليف، فالمسؤولية تكليف، (فوالله لو تعثرت شاة في العراق، لخشيت أن يسألني الله لمَ لمْ تعبد لها الطريق يا ابن الخطاب)، وذلك هو المعنى الصادر عن علاقة الراعي بالرعية.
فالتوادد والتفاهم والتواصل.. بعيداً عن الأنا الفردية ومثيلتها في الأنا الحزبية، فالكل يقارع من أجل هدف واحد، ومصير واحد، فلا تسمحوا للشجار أن يذهب بريحكم، لا تسمحوا لنفاذ نبوءة شارون في الندم، ودعوه يندم وحده، فنحن شعب الجبارين بالعقل قبل الزند، أما الحكم الوحيد على قياس وعي الأمم في عالم العصر، فقد بات في الوفاق والتجانس، ولا شيء آخر، أما التفاؤل والتشاؤم، فهما في علم النفس الذاتي، وليس في علم التاريخ وكفاح الشعوب، فالشعب الفلسطيني ليس مريضاً كي يحتاج إلى عيادة نفسية لدى فرويد، بل أن هذا الشعب، هو الذي علم وسيعلم العالم كيف تصنع الإرادات، إرادة التوافق مهما كانت الصعاب، وإرادة تجاوز الأنا الفردية والحزبية، وإرادة الشعب المتجانس، الذي لا تأكله طائفية أو عرقية، ثم إرادة العزم المكتنز في سبيل فلسطين ورد الاعتبار.