واعراقاه

د. فؤاد الحاج

فجأة انتابت جامعة العربان وأنظمة الذل والهوان الناطقة بالعربية حالة من الخوف على العراق كما يبدو من تصريحات عمرو موسى والناطقين باسمه وكذلك باسم تلك الأنظمة التي أعربت عن قلقها وخوفها على عروبة العراق وفي مقدمتهم نظام آل سعود في بلاد نجد والحجاز وإمارة آل صباح وباقي دول مصالحات الخليج العربي فصاحوا كلهم (وعراقاه)؟ فحالة القلق التي عبر عنها أمين عام جامعة دول العربان جاءت وكأن ما حدث في ما يسمى "صياغة الدستور العراقي الجديد" جاء على حين غرة!!.. وكأن ذلك لم يكن معروفاً له ولجميع ملوك وأمراء ورؤساء تلك الأنظمة!!.. مع أن الرئيس العراقي صدام حسين والأستاذ طارق عزيز وكافة الكتّاب والمثقفين الوطنيين والقوميين والمتابعين لمجريات أوضاع العراق تحت الحصار منذ عام 1991 ولغاية أيام قليلة قبل الغزو الأمريكي – البريطاني – الصهيوني – الفارسي في التاسع من نيسان/أبريل 2003، أعلنوا وكتبوا وقالوا بأن العدوان على العراق يراد منه احتلاله وتقسيمه وقد استعمل الأستاذ طارق عزيز نصاً حرفياً بذلك وهو "إنهم يريدون فرض سايكس – بيكو جديد للمنطقة العربية ابتداءاً من العراق" وأضفنا وكتبنا أن تقسيم العراق تحت مسمى الفيدرالية هو مخطط أعد مسبقاً في دهاليز البيت الأبيض الأمريكي تحقيقاً لتكريس الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة وتأمين حمايته، وهو ما بات يردده معظم الكتّاب والسياسيين في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، ونؤكد هنا أن ما سمي بـ"الدستور العراقي الجديد" ما هو إلا صياغة صهيو-أمريكية ولكن بترجمة عربية!.

الأسئلة البديهية التي تخطر في بال كل متابع لمجريات الأوضاع في بلاد العرب بعد فزع تلك الأنظمة وصراخ عمر بيه هي، لماذا كل هذا الصراخ والخوف الآن على العراق وعروبته، وأين كان ملوك وأمراء ورؤساء الأنظمة العربية عندما أرسل لهم وزير خارجية العراق ناجي صبري الحديثي رسائل تبلغهم بكل خطوات العراق التي اتخذها وأنه نفذ كافة التزاماته بناء لقرارات مجلس الأمن الجائرة، وأن ما تبثه قوى الشر والعدوان الأمريكية ما هي إلا ذر للرماد في العيون من أجل احتلال العراق وتقسيمه ومن ثم تقسيم باقي البلاد العربية؟!!.. ولماذا لم تعلن أي من تلك الأنظمة بجرأة ووضوح وتحديد موقف منذ بدء العدوان الصهيو-أمريكي البريطاني ولا نقول منذ ما قبل الغزو والاحتلال؟!!..

والآن نسأل لماذا لم تعلن أي دولة عربية موقفها من المقاومة الوطنية العراقية وترك هؤلاء مصير العراق بيد قوى الاحتلال الصهيو-أميركي وكأن ما يجري في العراق لا يهمهم ولن تصل شرارة تقسيمه إلى ديارهم؟!!، بل المتابع يرى أنهم وقفوا يسترقون السمع في الوقت الذي كان فيه أبناء الفلوجة وحديثة والقائم يصرخون أغيثونا، ساعدونا، أنقذونا، ولكن لا مجيب إلا ببيانات هشة وكلمات معسولة لا تسمن ولا تشبع ولا تغني عن جوع، وكلها حبر على ورق وتمنيات بالحفاظ على وحدة أراضي العراق!!.

إذن الأمر منذ البداية كان معروفاً، ومخطط تقسيم العراق كان يملأ الأفق اتساعاً وليس سراً، وقد أعلن بوش الصغير وعصبة الشر في البيت الأبيض كل ذلك قبل الغزو والاحتلال وبعده ما أعلن "إعادة رسم خارطة المنطقة بدءا من العراق"!!.. فلماذا تصرخون الآن ولم تقفوا صفاً واحداً مع العراق قبل الاحتلال، وهل ما أعلنه الأمير (سابقاً) الملك عبد الله الآن في مؤتمر قمة بيروت واحتضانه لنائب الرئيس العراقي عزة ابراهيم الدوري من أنه مع كافة الأنظمة لن يقبلوا بأي عدوان على العراق وأنهم سيقفوا بقوة وبشدة في وجه أي عدوان على العراق!!.. وأين مقررات ذلك المؤتمر ومقررات مؤتمر قمة عمان قبله!!.. وأين مقررات لقاء نواب الدول العربية الذي عقد قبل ذلك في عمان في الأردن، وأين مقررات المحامين العرب ومقررات وزراء الخارجية العرب والكثير من المقررات التي بقيت حبراً على ورق كما معاهدة الدفاع العربي المشترك؟!

أما بخصوص ما سمي بـ"الدستور العراقي الجديد" الذي يرفضه كل حر عربي شريف والذي قيل حوله الكثير إذا ما تم تمريره بناء للمخطط الصهيو-أمريكي- وبدعم صفوي فارسي، فلن يكون العراق حصن العرب الحصين في المستقبل جزءاً من الأمة العربية، كما لن يكون العضو المؤسس لما يسمونه (الجامعة العربية) لأنهم في موقع تلك الجامعة في شبكة الانترنيت حذفوا دستور العراق الذي أقره المجلس الوطني العراقي الأصيل عام 1996، واستبدلوا اسم الرئيس الشرعي للعراق صدام حسين باسم "طالباني" وهذه إحدى عجائب تلك الجامعة المتباكية على عروبة العراق!.. وفي القمة العربية التي ستعقد في شرم الشيخ كما يقال حتى الآن سنودع العراق الدولة الواحدة وسوف يعترف عربان الأنظمة بالعراق الفيدرالي المقسم بعد تعديل كلمة واحدة فقط تتعلق في الفقرة التي تشير إلى أن "الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية"، وهي مقبولة أميركياً وصهيونياً مبدئياً بحيث يتم تعديل ذلك بحكم الأمر الواقع مستقبلاً!!.

فهل سيبكي العرب جميعاً عروبة العراق كالنساء بعد فوات الأوان لأنهم لم يحافظوا عليه كالرجال قبل تدميره؟! أم أن شعب العراق الحر والشريف ومقاومته الوطنية القومية ستفرض الأمر الواقع على أعداء العراق وأعداء الأمة وأعداء العروبة؟.. إن غداً لناظره قريب..