وقفة عربية مع "الصديق" الامريكي

بقلم: فهد الريماوي/رئيس تحرير صحيفة (المجد) التي تصدر في الأردن

بصراحة تقتضيها أزمة اللحظة التاريخية الراهنة، وبشجاعة تتطلبها أمانة المسؤولية الوطنية والقومية.. يتعين على حلفاء واشنطن في الأردن ومصر والسعودية الذين ضرب بلدانهم تباعاً "تسونامي الإرهاب"، أن يمارسوا مع الإدارة الأمريكية ما كان يسميه أنور السادات "وقفة مع الصديق"، وأن يحملوها تبعات ومسؤوليات الهجمات والتفجيرات التي وقعت في طابا والعقبة وشرم الشيخ والرياض وجدة، جراء عدوانها على العراق، وتحويل ذلك القطر الشقيق الذي كان مدججاً بالأمن والأمان، إلى مزرعة هائلة لتفريخ الإرهابيين، وغابة مفتوحة لكل أنواع التجنيد والتدريب والتسليح والتصدير الإرهابي إلى دول الجوار.

أمريكا أولاً، وأمريكا آخراً، هي المسؤولة عن اضطراب الأمن، وانتشار الإرهاب في مصر والسعودية والأردن واليمن وقطر والكويت وسوريا ولبنان التي تعرضت جميعها خلال الشهور القليلة لأعمال عنف وتفجير ومصادمات قتالية على أيدي جماعات أصولية أو إجرامية انطلقت في معظمها من العراق المستباح الذي تحول إلى قاعدة متقدمة لرجال "القاعدة"، وبؤرة مركزية لاستيراد وتصدير طبعة جديدة من "المجاهدين الأفغان".

لقد أُكلنا جميعاً يوم أُكل الثور العراقي، وسقطنا تباعاً في دوامات الفوضى والاضطراب يوم احتفل المحتلون الأمريكان بإسقاط تمثال صدام حسين في قلب بغداد، كما انخسفت قوانا العسكرية يوم جرت إبادة وتفكيك الجيش العراقي الذي طالما شكل رقماً صعباً في معادلة التوازن العسكري الإقليمي بـ"الشرق الاوسط"، ناهيك عن أن نجاح عملية "بلقنة" العراق الجارية راهناً على قدم وساق ودستور فيدرالي، سوف ينعكس سلباً وسريعاً على معظم الدول العربية المرشحة للشرب من هذا الكأس المسموم.

لقد ثبت حتى للأعمى والأهبل، أن الأمن العربي لا يكون إلا قومياً، ولا يتحقق إلا بشكل جماعي، فما الأمن الوطني لكل قطر عربي إلا جزء من الأمن القومي، وما الاضطراب في أي قطر عربي إلا وستكون له ذيوله وامتداداته في الأقطار المجاورة.. وبالرغم من إن أمتنا العربية لم تستطع بمبادراتها الذاتية، وتطلعاتها النهضوية، تحقيق وحدتها القومية، إلا أن هذه الوحدة كثيراً ما تتحقق على أيدي الأعداء، ولكن بتشكيل عكسي، وفي ميادين الخطر والضرر.. فما أن استسلمت مصر السادات في كامب ديفيد، حتى خرجت الأمة العربية كلها من معادلة الصراع العسكري مع العدو.. وما أن سقطت منظمة التحرير في فخ أوسلو حتى هرولت الدول العربية زرافات ووحداناً، سراً وعلانية، لمصافحة اليد "الاسرائيلية".. وما أن سقط العراق تحت سنابك الاحتلال حتى سرت موجات الانقلاب والاضطراب في الجسد العربي، بدءاً من محمد بن فال الموريتاني على شاطئ المحيط، وانتهاءً بمحمد بن الحوتي في اليمن، والتنظيم الإباضي في سلطنة عمان على شواطئ بحر العرب.

أغلب الظن أن إدارة بوش كانت تدرك مسبقاً عقابيل عدوانها الآثم على العراق، وتعرف جيداً أن هذا العدوان سوف يحقق لها هدفين كبيرين.. الأول خدمة "اسرائيل" من خلال تغييب العراق من معادلة الصراع معها، والثاني إبعاد شبح "الإرهاب" عن الأراضي الأمريكية من خلال تعريبه ودفعه نحو الانشغال بالساحات المحلية، والأنظمة العربية.. ولكن لو افترضنا جدلاً أن الفتى بوش وعصابة المحافظين الجدد كانوا يجهلون عواقب ما اقترفته أيديهم المجرمة في العراق، وكانوا يتوهمون بناء على نصائح احمد الجلبي وارييل شارون "أن النصر قيد انتظارهم"، و"أن الشعب العراقي ينادي عليهم".. فلن تختلف النتيجة في شيء، ولن يتمخض الحال عن غير الحاصل الآن، ومؤداه أن التحالف الرسمي العربي مع الإدارة الأمريكية الحاضرة قد أصبح مكلفاً، بل مرعباً وباعثاً على القلق الشديد.

بصراحة.. بعد فتح الجرح العراقي النازف، إضافة إلى الجرح الفلسطيني المزمن، أصبح الإرهاب يحظى بشرعية شعبية متصاعدة، وباتت الأصولية الراديكالية محل إعجاب وإقبال قطاعات واسعة من الجماهير العربية والإسلامية، كما سيطرت على عشرات آلاف الشباب رغبة أسطورية عارمة في الجهاد والاستشهاد، دون تردد أو اكتراث بالحياة.. وليس من شك أن الخلط الأمريكي والأوروبي المتعمد بين المقاومة والإرهاب قد حفز هؤلاء الشباب ليس على رفض المقاومة، بل على تقبل الإرهاب.

آن للأنظمة العربية أن تدرك أهمية المستجدات التي طرأت على المفاهيم العامة عقب احتلال العراق، وأن تعرف أن أمريكا المتورطة في وحل العراق وأفغانستان لم تعد حليفاً نافعاً، أو مركز قوة يمكن الاستناد إليه والاعتماد عليه، فلا قيمة في الوضع الحاضر للجيوش أمام الاستشهاديين، ولا أهمية للاستقواء بالخارج لتعويض الإفلاس في الداخل، ولا جدوى من الحلول الأمنية في غياب المبادرات السياسية الايجابية، والتدابير الاستراتيجية الكفيلة بمعالجة الأسباب قبل النتائج، وتجفيف المنابع قبل المساقط والمصبات.

من حق الوطن الأردني على كل حامل قلم أو صاحب رأي، أن يشجب عملية الكاتيوشا العمياء في العقبة، وأن يرفض الإخلال بالأمن والاستقرار في هذا الحمى العربي، وأن يشد على أيدي الأجهزة الأمنية ما دامت تعمل في حدود اختصاصاتها المهنية والفنية·· ولكن هذا كله لن يؤتي ثماره الحقة بغير ممارسة القراءة الصحيحة للوقائع والأحداث والمزاج العام، وتقديم النصيحة الشجاعة والصريحة للمسؤولين وصناع القرار.

ليس بالوعظ وحده يتغير الإحياء والأشياء، وإلا لكان العالم العربي والإسلامي قد تحول إلى "يوتوبيا" أو "مدينة فاضلة" لكثرة ما لدينا من مساجد ووعاظ.. وليس بالدعاء أو النداء أو المناشدات الحماسية أو الحملات الإعلامية وحدها تتبدل الحقائق والمعادلات والقناعات في ميادين الأمر الواقع.. وليس في مقدور الكاتب أو صاحب الرأي أن يؤثر في توجهات القاعدة الشعبية، مادام عاجزاً عن التأثير في سياسات وممارسات أهل الحكم وولاة الأمر.

زمان.. أيام كانت جيوش الفتح الإسلامي تدق أبواب كسرى وقيصر، مر الخليفة العادل والراشد عمر بن الخطاب برجل يلحف في الدعاء إلى الله أن يشفي جمله من الجرب.. فما كان من الفاروق إلا أن قال له "أما جعلت مع الدعاء قليلاً من القطران؟".. والمعنى واضح ومفهوم، فالعلاج لا يتحقق إلا بالجمع بين الدعاء والقطران، أو بين ما هو دعوي وإعلامي، وما هو مادي وملموس.

وعليه.. فقد جنت علينا أمريكا.. جنت على حلفائها قبل أعدائها.. جنت على دول أوروبية مثل اسبانيا وبريطانيا، قبل الدول العربية مثل السعودية ومصر والأردن.. وإذا صح أن خادم الحرمين الملك عبد الله قال ذات جلسة خاصة "لقد خسرنا صدام حسين"، فلسوف يمكننا اعتبار هذه "الجملة المفيدة" بداية صحوة سياسية عربية سيكون لها ما بعدها على صعيد "الوقفة مع الصديق" الأمريكي الذي يتعين عليه من واقع خيبته الثقيلة في العراق، أن يصغي هذه المرة لنا، لا أن يملي علينا.

 

شافيز.. بطولة تتحدى الامبريالية

ما أروع سحر البطولة، وعطر الشجاعة، وروح التحدي، ولغة النضال، وإرادة الاستقلال، ووقفات العز والرجولة في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار.

ما أعظم القيادات الواثقة من نفسها، والمستندة إلى شعبها، والمعتمدة على صدق وطنيتها، والمتشوقة لمعانقة العلياء، والمستعدة لبذل أغلى التضحيات، والمتأهبة على مدار الساعة للرد على التحدي بالتحدي، والتهديد بالتهديد، والوعيد بالوعيد.

بالأمس كان الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز يثير إعجاب البشرية التقدمية، وهو يتحدى واشنطن، ويهدد بقطع إمدادات النفط الفنزويلي عنها، ويسخر من الرئيس بوش وهو يطلق عليه اسم "دنجر"، ويندد أمام "محكمة مناهضة الامبريالية" بالولايات المتحدة التي اتهمها بالاعتداء على أمريكا اللاتينية منذ مئتي عام.

لولا قوة الإرادة، ولولا صدق العزيمة وصلابة الشكيمة، لما امكن لهذا القائد الفنزويلي القابع قاب صاروخين أو أدنى من الولايات المتحدة، توجيه صلية من الانذارات والتحذيرات الى الفتى بوش الذي لاذ بالصمت، واصيب بالخرس، وتخلى فجأة عن ابجدية الوعيد والتهديد التي بالغ في استخدامها ضد الكثير من الدول والقوى، منذ اليوم الاول لدخوله البيت الابيض.

سبحان مغير الاحوال، فها هو البطل الفنزويلي يصول ويجول·· يرغي ويزبد·· يهدد ويتوعد، فيما يرفع البيت الابيض شعار "الصمت من ذهب"، ويلوذ الثلاثي بوش وتشيني ورامسفيلد بالحكمة الهندية القديمة "لا ارى، لا اسمع، لا اتكلم"·· تاركين للقس والواعظ الانجيلي الشهير بات روبرتسون مهمة التحريض العلني الوقح لاغتيال شافيز بدعوى انه حليف للشيوعية والاسلام معاً!!

بطولة شافيز هي الطبعة الجديدة والمنقحة من بطولة فيديل كاسترو الذي شق عصا الطاعة على امريكا منذ زمن بعيد، وحوّل كوبا الى قلعة حصينة من قلاع الحرية والاشتراكية، وصمد في مواجهة الوحش النووي الامريكي خمسة عقود، واسهم في تحويل جمهوريات الموز بامريكا اللاتينية الى مراجل تغلي بالثورية والروح النضالية.

عشرات المؤامرات دبرتها وكالة المخابرات الامريكية لاغتيال كاسترو، واسقاط شافيز·· الاف العملاء والمعارضين المبرمجين جندتهم للتخريب من داخل كوبا وفنزويلا تحت رايات الديموقراطية وحقوق الانسان·· مئات التهديدت بالغزو العسكري والحصار الاقتصادي اطلقها دهاقنة البيت الابيض لارهاب هذين القائدين·· الا ان كيد واشنطن سرعان ما ارتد الى نحرها، وباءت كل مؤامراتها بالفشل، بل جاءت بنتائج عكسية عادت عليها بافدح الاضرار، والّبت عليها دولاً لاتينية اخرى مثل البرازيل التي اختارت بمزاج ديموقراطي ثوري عارم، القائد النقابي المناوئ للامبريالية "لولا" رئيساً لها، وزعيماً لنضالها، وشريكاً لكاسترو وشافيز في تحرير وتوحيد امريكا اللاتينية.

على ان هذه البطولة اللاتينية المتجسدة في كاسترو وشافيز ولولا ليست فريدة في عالم اليوم، ولا تندرج تحت بنود "الندرة"·· فهناك على الجانب الاسيوي اكثر من بطولة تربض في كوريا الشمالية، وتتمثل اولاها في الرئيس الشجاع كيم جونج ايل الذي تحدى واشنطن في عقر كبريائها، وبالغ في اظهار قوته النووية لكي يزيد في قهرها واحراجها، وواصل منهجه المعتاد في الحكم المركزي والاشتراكي دون ان يعير ادنى اهتمام لوصفات الديموقراطية الامريكية المسمومة.

اما البطولة الاسيوية الثانية فقد سطعت فجأة في شخص الرئيس الايراني الجديد احمدي نجاد الذي تبوأ سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع، وباصوات الفقراء والكادحين والمجاهدين، وليس رموز البازار واصحاب الهوى الامريكي.

الرئيس نجاد جاء اسماً على مسمى، وقدم اكبر "نجدة" لرواد النضال العالمي الصامدين في خندق التحدي للغطرسة الامريكية، حين كسر اختام الرقابة الدولية على المنشآت النووية الايرانية، وامر باستئناف البرنامج النووي لبلاده، دون ان يحفل بتهديدات امريكا واسرائيل، او يأبه لوساطات ومعاتبات دول الاتحاد الاوروبي الغارقة في وحول السمسرة والنفاق واللعب على كل الحبال.

شافيز وكاسترو ولولا وجونج ونجاد، رؤساء دول ابطال يباهي بهم التاريخ، وتفخر بشجاعتهم البشرية جمعاء تقف امامهم الغطرسة الامريكية موقفاً ذليلاً لا يليق الا بالضعفاء والمساكين وابناء السبيل، بعد ان حاولت باستماتة اسقاطهم او اسكاتهم او ارهابهم او تصفيتهم جسدياً وادبياً.

لقد اكتسب هؤلاء الرؤساء بطولاتهم بفعل عاملين مهمين·· الاعتماد على الشعب، ثم الاستعداد للقتال·· فهم جميعاً يتمتعون بقواعد شعبية واسعة في بلادهم، وهم جميعاً يتصفون بالشجاعة والاقدام والاستعداد العالي لمنازلة الثور الاميركي الذي ثبت بملموس تجربة المقاومة العراقية الراهنة، انه ثور جيد التسليح ولكنه شديد الرداءة والانهزام في ميادين القتال.

ولعل نظرة فاحصة لخرائط الصراع العالمي، سوف تكشف بوضوح انتقال مراكز المناهضة والتحدي والعداء لامريكا، من المعسكر القديم حيث روسيا والصين والهند واوروبا الشرقية، الى معسكر او مجال جديد حيث كوريا وايران والعراق وامريكا اللاتينية·· كما تكشف ايضاً اختلاف ماهية حركات التحرر الوطني بين الامس واليوم، حيث كانت فيما مضى ذات طبيعة يسارية، فاصبحت فيما هو راهن ذات طبيعة جهادية واسلامية.

ورغم الدور المركزي والتاريخي المهم والفعال لحركات التحرر وقوى المقاومة العربية والاسلامية والعالمية، في تهشيم العنجهية الامريكية، وتحجيم غطرسة اليانكي القادم من وراء البحار·· الا اننا لن نتطرق في هذا المقال لبطولات قادة هذه القوى والحركات الباسلة، من أمثال القائد عزت الدوري، والمناضل جورج غالاوي، و(الملا محمد عمر)، و(المجاهد حسن نصر الله).. ذلك لاننا نستهدف القاء الاضواء على بطولات رجال يعملون فوق الارض وليست تحت الارض، ويناهضون امريكا من مواقع رؤساء الدول وليس زعماء الحركات السرية، ويثبتون كل يوم ان الاعتصام بالوطنية، والاعتماد على الشعب، والاستعداد لمنازلة امريكا، هو الحل، بل هو الرد الرادع والناجع على التغول الامبريالي المجنون.

تحية حارة الى الرئيس هوجو شافيز الذي يعيد انتاج بطولات عبد الناصر، ويترسم خطى بوليفار، ويأخذ بثأر جيفارا، ويمنح فنزويلا دوراً تقدمياً عالمياً، وينوب عن كل احرار الدنيا في السخرية من الفتى "دنجر"، وهو الاسم الكاريكاتوري للرئيس الامريكي الغشيم.

ذات وقت بعيد في اواخر الخمسينات واوائل الستينات، تشكلت في معظم دول امريكا اللاتينية خلايا "الضباط الاحرار" التي كانت تقتدي بتجربة عبد الناصر الثورية، وتستلهم كفاحه الشجاع ومنازلاته البطولية، وقبل عام اعترف شافيز في محاضرة له بطرابلس بمناسبة منحه "الجائزة العالمية لحقوق الانسان"، انه عربي الاصل، وناصري النشأة والتربية، وشديد الاعجاب بمسيرة احمد بن بيلا وصلابته.

وعليه.. فها قد دارت الايام، وتغيرت الازمان، وانتقل مركز الثقل الكفاحي العالمي من مصر وافريقيا الى فنزويلا وامريكا اللاتينية، وبات شافيز، وليس حسني مبارك خليفة عبد الناصر، ونجم الثورية العالمية، ورمز الكفاح الوطني التحرري، وعنوان الصمود والثبات في مواجهة الامبريالية.