حلفاء أمريكا والخيارات الصعبة في العراق
د. فيصل الفهد
سبق أن أفردنا دراسة خاصة عن المأزق المتنامي للولايات المتحدة الأمريكية في العراق وسنتناول هنا جانب من الخيارات الصعبة التي تواجه حليفاتها وفي مقدمتهم.
بريطانيا:
رغم أن بريطانيا القوة الاحتلالية الثانية (إعلامياً لأن إيران هي القوة المحتلة الثانية بعد أمريكا) إلا أن قوة بريطانيا وتأثيرها في العراق لا يظهر بوضوح إذا ما نظرنا إليه من ناحية القوة العسكرية البريطانية المستخدمة في احتلال العراق بل إن الوجود الاحتلالي البريطاني يكتسب خطورة أكبر إذا ما وضعناه في إطاره التقويمي الصحيح أي بما يعنيه هذا الوجود من تمثيل حقيقي لخبرة ودهاء وخبث ومكر وحقد مختزن لدى ورثة الإمبراطورية البريطانية التي كانت الشمس لا تغيب عن مستعمراتها والتي يقال عن شدة مكرها وخبثها وتآمرها (لو تقاتلا سمكتين في البحر فاعرفوا أن بريطانيا وراءه) وبهذا المعنى فإن الاعتقاد أن البريطانيين يؤدون دور فرعي أو هامشي هو اعتقاد خاطئ بل وساذج لأن البريطانيين يقفون وراء جانب مهم مما دبر ونفذ ضد العراق إن لم يكونوا هم من أكثر المحرضين عليه لأسباب عدة في مقدمتها توريط الثور الأمريكي وإضعافه وإبعاد شره عن بريطانيا وأوروبا وإعطاء المجال لأوروبا الموحدة أن تأخذ فرصتها برص صفوفها وتنظيم وضعها لتكون القوة المعول عليها لتحقيق التوازن الدولي من خلال أقطاب عدة وليس قطب واحد.
لقد كانت حكومة بلير تسابق إدارة بوش للعدوان على العراق واحتلاله ولكنها هي الأخرى أهملت قضية مهمة وهي أن مشاركتها في زرع الإرهاب في المجتمعات الأخرى الآمنة يمكن أن يولد رد فعل له داخل المجتمع البريطاني وهذا ما تحقق وربما سيستمر في بريطانيا وسواها من دول العدوان وهذا ما دق ناقوس الخطر تحت أقدام توني بلير ومؤيديه، ورغم أن بلير اتخذ سلسلة طويلة ومعقدة من التدابير والإجراءات فإنها لا يمكن أن تعالج الوضع بل لربما ستزيده تعقيداً وتوسع منافذ ما يسموه هم (بالإرهاب) ليجد فرصاً أكبر في زعزعة وتحطيم نظريتهم بالحرب على الإرهاب أو الحرب الاستباقية داخل المجتمعات التي أوجدت مقوماتها (صناعة الإرهاب) وأخذت تتهم الآخرين به لقد اعتمدت حكومة بلير على إرثها وخبراتها السابقة بالشأن العراقي ولم يكن اختيار البصرة مقراً للقوات البريطانية محض صدفة وإنما لأن لبريطانيا موروث يعود إلى بداية محاولاتها الأولى لاحتلال العراق مطلع عام 1914 ومنه انطلقت بعد ثلاث سنوات لاحتلال بغداد 1917، كما أن البصرة وما حولها تعد واحدة من أكبر مراكز احتياطيات النفط في العراق والمنطقة والبصرة هي رئة العراق على الخليج العربي كما أنها محافظة تجمع في ثناياها كل مكونات الطيف العراقي ومشهود لأهلها الأصليين بالطيبة والهدوء والتسامح عدا أنها من أكثر مدن العراق التي عانت من ويلات العدوان الإيراني على العراق ثم العدوان الامبريالي الصهيوني على بلدنا بداية عام 1991 وما انعكس على أوضاعها من ظروف صعبة أثناء الحصار الجائر شأنها شأن كل العراق ناهيك عما سببته أسلحة الدمار الشامل التي استخدمتها جيوش العدوان وتركت آثارها في كل مرافق الحياة في البصرة وكل الجنوب العراقي...
إذن البريطانيون كانوا يعرفون أين يضعون أقدامهم وكانت أمامهم مشاكل محددة تقف في المقدمة منها التمدد الفارسي في مركزي البصرة والعمارة إلا أن البريطانيين استوعبوه ويبدو أنهم عقدوا صفقة مع الإيرانيين ووضع كل منهم لنفسه حدود أمام الآخر لا يتخطاها ولم يتدخل البريطانيين لمنع أي من الجرائم التي ترتكبها (قوات إطلاعات والحرس الثوري الإيراني وفيلق غدر وحزب الله وحزب الفضيلة الموالين لإيران) بل إنها كانت تذكي الخلافات وتشجع على عمليات تبادل القتل والاغتيالات تنفيذاً لسياستها المعروفة (فرق تسد) كما حاولت بريطانيا تحييد عشائر البصرة وتضع معهم ميثاق عدم اعتداء في مقابل خدمات وهبات لبعض رؤساء العشائر الذين حاولوا الانتفاع من هذه الظروف التي ألمت ببلدهم؟!
ورغم كل سياسة الخبث هذه فإن القوات البريطانية كانت تتعرض لهجمات نوعية من قبل أبناء العراق الشرفاء في البصرة والعمارة وأوقعوا فيها خسائر مهمة إلا أن تلك الخسائر لم تكن بالقوة والدرجة التي تجبر حكومة بلير على التراجع وسحب قواتها المعتدية من العراق ومن هنا جاءت أحداث لندن التي توقعناها قبل أكثر من سنة ونصف لتزعزع أوضاع توني بلير وتقض مضجعه بقوة ولتزيد من فرص ضغوط خصومه عليه وهو الذي كان يتملص من كل الضغوط التي مورست عليه بعد انكشاف كذبه وتضليله للرأي العام البريطاني واندفاعه مع حليفه بوش في احتلال العراق وما ترتب على هذا الفعل اللا أخلاقي من استحقاقات لن تؤثر على بلير ومستقبل حزبه بل وعلى مستقبل بريطانيا واستقرارها وديمقراطيتها وحرياتها التي طالما تمشدق بها المسؤولين البريطانيين وضرب الآخرين الأمثال بها.
إذن ما هي خيارات بلير في ظل هذه التعقيدات؟
إن الخيار الوحيد الأقل إضراراً به وبحكومته هو أن يسحب قواته من العراق تدريجياً وبفترة زمنية يسبق بها الانسحاب الأمريكي لاسيما وقد جاءت تفجيرات لندن (منقذاً له) ليخلص نفسه من كل التزاماته التي تعهد بها مع حليفه بوش كما أن سحب القوات البريطانية لن يترك فراغاً محسوساً لأن البريطانيين لم يكونوا حريصين على التدخل بتفاصيل الحياة المباشرة في البصرة والعمارة لأسباب معروفة!
الدول المتحالفـة مع أمريكا:
كانت مشاركة الدول الأخرى في الاحتلال عبارة عن مشاركة رمزية هدفها إظهار الإسناد والتأييد للرئيس بوش فيما أسموه الحرب على الإرهاب والذي فرضه الرئيس الأمريكي تحت شعاره سيء الصيت (من لم يكن معنا فهو ضدنا) وهذا يعني أن الدول المعنية بهذا التحالف المتواجدة بقواتها المحدودة على أرض العراق لم تأتي بذات قناعة ومبررات أمريكا وبريطانيا ولذلك فإن هذه القوات ستنتهز أية فرصة متاحة للفرار من العراق وقد تساعد هجمات لندن على حصول ذلك أسرع مما خطط إليه المسؤولين في تلك الدول ونشير هنا إلى الإشكالية التي أوقع نفسه فيها رئيس وزراء اليابان والتي ستؤثر على مستقبله السياسي بإصراره على المشاركة في الاحتلال خلافاً لما نص عليه دستور اليابان إلا أن المسألة التي ربما لم يعطيها كثيرين من المتابعين ما تستحقه من الاهتمام وهي لماذا اختار اليابانيون محافظة المثنى (السماوة) وهل هي محض صدفة أم ماذا؟ ونجيب أن لليابان طموحات وأطماع في هذه المنطقة وسبق للشركات اليابانية إن حاولت لمرات عديدة وقدمت عروض كثيرة للحصول على فرصة للتنقيب والاستثمار في الحدود الإدارية لمحافظة المثنى قبل الاحتلال إلا أن الحكومة العراقية الشرعية رفضت ذلك وفضلت أن يكون التنقيب والاستثمار عراقياً صرفاً لقد بذلت الحكومة اليابانية بعد الاحتلال جهوداً كبيرة وأنفقت أموالاً طائلة وقدمت الرشاوى لعدد من رؤساء العشائر ليكون وجودها في السماوة محط ترحيب من قبل أبناء شعبنا في تلك المنطقة إلا أن كل تلك المحاولات والأموال لم تكن لتمنع العراقيين الشرفاء من استهداف القوات اليابانية وتكبيدها الخسائر عدا المظاهرات والاحتجاجات الكثيرة التي أوصلت رسالة واضحة للحكومة اليابانية بأن وجود قواتهم في السماوة غير مرحب به وأنهم إن لم ينسحبوا بسرعة فإنهم سيشهدون ما لم يتحسبوا له ولذلك نتوقع أن يكون اليابانيون في مطلع من يغادروا العراق في وقت قريب وإذا لم يحصل ذلك من قبل اليابانيين أو الدول الأخرى فإن أراضيها ربما ستكون مسرحاً لعمليات أشد وطأة من تلك التي حدثت في إسبانيا وبريطانيا.
إيران:
إذا كنا ننظر إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاؤهما نظرة لا تخلو من التفاؤل في مغادرتهم العراق من أماكن مهمة من منطقة الشرق الأوسط فإن هذه النظرة تأخذ اتجاهاً عكسياً مع إيران الجارة الجغرافية للعراق والأمة العربية وتاريخياً إن العراق كان يشهد استقطاباً لكل ما هو خيّر ونمو وتقديم وحضارة من غربه لاسيما من امتداده العضوي بالجزيرة العربية بمعنى أن الذين يقصدونه من غربه هم حملة رسالة وحضارة في حين كان الشرق دائماً مصدر تهديد للعراق وحضاراته أي من إيران وهذه ظاهرة لازمت تاريخ العراق منذ تشكل المجتمعات البشرية وحتى هذه اللحظات ولذلك فنحن نخشى من إيران ونتحسب لها ربما أكثر من أمريكا وبريطانيا لاسيما وأن أطماع هذه الدولة بالعراق وبالخليج العربي أكثر من أن تحجبها إدعاءات كلامية فارغة لهذا المسؤول أو ذاك في النظام الإيراني بأنهم مسلمين ويدعمون الشعب الفلسطيني ضد (الاحتلال الإسرائيلي) وغيرها من البدع والأكاذيب.
لقد أثبتت الوقائع وتصريحات المسؤولين الإيرانيين أنهم شركاء فاعلين في احتلال العراق وأن علاقاتهم مع الولايات المتحدة وبريطانيا مؤسساتياً أقوى وأعمق من كل هذه الشوشرة والسفسطة الدعائية التي يحاولون تعمية أبصار العالم عن رؤية حقيقة ما تربط النظام الإيراني بالغرب الأمريكي وكذلك مع الكيان الصهيوني، فإيران اليوم أكبر ساحة للمخابرات الأمريكية والصهيونية أما مسرحية الملف النووي والتدخل الإيراني في العراق فليست أكثر من عملية ذر الرماد في العيون وجزء من عمليات توزيع الأدوار وتبادلها بما يخدم هذه الأطراف ومصالحهم في المنطقة.
وإذا ما حصرنا اهتمامنا بالعراق فإن ثمة شواهد تدلل بوضوح على درجة القربى التي تربط بين نظام طهران وأمريكا وأنهما شريكان مطلقان في جريمة احتلال العراق وتدميره بل سبق ذلك ما نفذاه في صفحة الغدر والخيانة ربيع 1991 وما قامت به المخابرات الإيرانية من جرائم قتل وتدمير ألصقت زوراً وبهتاناً بأجهزة الأمن الوطنية العراقية. لقد استباحت إيران عسكرياً واستخبارياً مساحات واسعة من العراق تحت مرأى ومسمع قوات الاحتلال الأمريكية التي تعد المسؤولة الأولى بموجب فبركات قرارات مجلس الأمن عن حماية كل أراضي العراق ومواطنيه بمعنى أن إيران لو لم تكن شريكة مع الإدارة الأمريكية في جريمة احتلال العراق لما سمحت لها القوات الأمريكية بكل جبروتها من احتلالها سنتمتر مربع واحد من أرض العراق.
ونشير هنا إلى ملاحظة مهمة توضح نوع العلاقة (الإستراتيجية) بين أمريكا وإيران وهي العلاقة التي جعلت من إيران تعيد بناء كل قدراتها العسكرية وبالذات إنجاز المفاعلات النووية تحت مرأى ومسمع المسؤولين الأمريكيين ولم تحرك الإدارات الأمريكية ساكناً لمنع النظام الإيراني من إكمال كل مشاريعه العسكرية إلى أن وصلت المرحلة الخطيرة التي استطاعت فيها إيران من تخصيب اليورانيوم كذلك فإن المخابرات الأمريكية كانت لديها معلومات وأدلة دامغة على قيام إيران باحتضان الخلايا الإرهابية ومع ذلك لم ترى أمريكا في ذلك خطراً عليها أو على العالم وبالاتجاه الآخر نلاحظ كيف تعاملت الإدارات الأمريكية مع العراق منذ عام 1990 حتى احتلاله رغم أن الأمريكيين يعلمون علم اليقين أن العراق لا يمتلك الأسلحة المحظورة ولا يستطيع إنتاجها وأنه أبعد ما يكون عن التعاطي مع تنظيم القاعدة لوجود تناقض فكري معه وكان العراق أكثر بلدان المنطقة استقراراً وأمناً وخلواً من أية أنشطة يمكن أن تكون مبرراً للتدخل الخارجي اللهم إلا دعم أشقاءنا الفلسطينيين في جهادهم ضد الاحتلال الصهيوني لبلدهم وهذا ما يعده الشعب العراقي شرفاً نعتز ونتمسك به ومن ثوابته ومبادئه الأساسية.
إذن أمريكا تشجع إيران على المضي قدماً في برامجها النووية الواضحة لكل العالم وتعلم أنها ترعى الإرهاب (حسب الوصف الأمريكي) ولم تفعل إزاءها أي شيء في حين كان العراق الخالي من أسلحة الدمار الشامل والبعيد عن الإرهاب والمفروض عليه أقسى حصار عرفه العالم هدفاً لسلسلة من الاعتداءات العسكرية التي أصبحت يومية ولم تكتفي الإدارة الأمريكية بكل ذلك بل ضربت كل القوانين وما كانت تتحجج به بما يسمى الشرعية الدولية عرض الحائط وأقدمت على احتلال العراق وتدميره بالكامل وقتل وتشريد شعبه.
ولذلك لم يعد من شك في أن أمريكا وإيران يتبادلان الأدوار وينسقان بينهما لتنفيذ كامل مشروعهما المعادي للعراق والعروبة والإسلام وتأسيساً على هذا فإن إيران تهيمن على أجزاء مهمة من العراق وبشكل مركز على مدن البصرة والعمارة والكوت وكربلاء والنجف كما أن أغلب مكونات فيلق غدر وما يسمى بالحرس الوثني والشرطة هم من حرس الثورة وإطلاعات الإيرانية كذلك أدخلت إيران بالتنسيق مع الأحزاب العميلة المرتبطة بها أكثر من ثلاثة ملايين إيراني وهؤلاء استوطنوا في محافظات وأماكن لإحداث تغيرات سكانية في مكونات تلك المدن وقد زودوا هؤلاء بالبطاقات التموينية المزورة التي اعتمدت أساس في تسجيل من شاركوا في مهزلة الانتخابات وتؤكد المعلومات أن هؤلاء حصلوا هذه الأيام على شهادة الجنسية العراقية على يد العميل جبر صولاغ وزير داخلية الحكومة المنصبة.
إن هؤلاء الإيرانيون أصبحوا يشكلون الأساس في القوات التي سيعتمد عليها لمواجهة المقاومة العراقية في حالة حدوث فراغ ستخلفه عملية هروب القوات الأمريكية في أي وقت قريب محتمل ويمكن لنا هنا أن نربط بين هذه النقطة والخبر الذي سربه رامسفيلد وزير العدوان الأمريكي قبل فترة من عثورهم على أسلحة إيرانية رغم أن هذه المعلومة ليست جديدة لأن إيران ومنذ الأيام الأولى لاحتلال العراق كانت تكدس الأسلحة بكميات كبيرة استعداداً لتنفيذ الدور المرسوم لها في حالة اضطرار الأمريكان مغادرة العراق وحينها لا يستطيع أحد اتهام إيران بالتدخل في الشأن العراقي لأن من سيقوم بهذه المهمة أناس من الشعب العراقي بجنسياتهم وأسلحتهم وللعلم نشير أن إيران نجحت في مد جسورها مع أغلب الكيانات التي لبست رداء الطائفية في العراق لاسيما الذين لا يمتون بصلة إلى العروبة والإسلام؟!
كما أن إثارة موضوع الملف النووي الإيراني ودرجات التعقيد فيه إعلامياً وسياسياً لا نستبعد أن يكون من جملة أهدافه إبعاد الأنظار عن طبخة الدستور المنوي تمريره على الشعب العراقي.
الكيان الصهيوني:
رغم أننا وضعنا (إسرائيل) في التسلسل الرابع فهذا لا يعني الاستهانة بها أو بدورها التآمري التخريبي في العراق وهي من أهم اللاعبين الخطرين وميزتها الأقوى أنها لا تظهر في الصورة بينما هي المحرك الأساس لكل اللاعبين (أمريكا وبريطانيا وإيران وكل العملاء في العراق) (ولإسرائيل) أهداف ومطامع لا تقل خطورة عن إيران ولذلك فهما أكثر استجابة للتنسيق والتوافق والتعاون بينهما لوجود أهداف مشتركة آنية ومستقبلية وكلاهما كان يعادي ويتآمر على النظام الوطني في العراق وأسهما بشكل فعال في محاولات إضعافه ثم احتلاله والمشاركة في تفتيته وشرذمة قدراته وإمكانياته واغتيال علمائه وسرقة مصانعه وتفكيك أسلحة جيشه.
وإذا كانت سياسة إيران طائفية فإن (إسرائيل) تلعب على جميع الحبال الطائفية والعنصرية والمناطقية والعشائرية والسياسية والاجتماعية والثقافية والجغرافية والتاريخية والحضارية فاهتمام الصهاينة بالعراق يدخل في إنجاز خطوات على طريق تأسيس (إسرائيل الكبرى) من الفرات إلى النيل وما سيناريوهات الفيدراليات التي تزكم أنفاسنا هذه الأيام إلا بدع، لا نستبعد أن نجد فيها بصمات صهيونية مع ملاحظة أن من مصلحة (إسرائيل) تحويل كل العراق إلى كانتونات في حين أن إيران تريد دولة شيعية وترفض إعطاء أي شكل من الحكم في شمال العراق خشية من أن تكون مبرراً لثورة كردية في شمال إيران وهم يشكلون ثلث سكان إيران ويتمتعون بمزايا أخطر بكثير مما يراها البارزاني والطالباني في العراق وهم لا يتجاوزون فيه (2-3 مليون) هذا عدا أن قسم من عشائر الكرد (السادة) هم عرب.
تركيا:
تحاول تركيا ممارسة دور عقلاني (براغماتي) بالتعامل مع الشأن العراقي ولذلك فهي لا تظهر اهتماماً واضحاً إلا في حالتين الأولى عندما يتعلق الأمر بالتركمان في كركوك والثاني عندما يكون شمال العراق مرتعاً لانطلاق هجمات حزب العمال الكردي ولكن هذا لا يعني عدم وجود اهتمام حقيقي للساسة الأتراك بما يحدث في العراق فتركيا اليوم وغداً ستتأثر بكل ما ستؤول إليه الأوضاع في العراق سلباً أو إيجاباً ونعتقد أن المسؤولين الأتراك أذكى من أن يتركوا الساحة العراقية المهمة بالنسبة لتركيا حكراً على قوى أخرى مثل إيران أو الأكراد فأي إنجاز يحققه أي من هذين الطرفين لابد وأنه سينعكس سلباً على مصالح تركيا ولذا لابد من وجود آليات لتركيا يمكن أن تقلل من فرص الآخرين لأن يحققوا مكاسب تضر بتركيا مستقبلاً ويمكن أن تكون لتركيا فائدة في غير ما يحاول الآخرين تثبيته من واقع سلبي بمعنى أن ما يتم إعداده من طبخات لفرضها في العراق سيضر تركيا حتماً وهذا ما سيجعل المسؤولين الأتراك يتعاونون مع الأطراف المناهضة للمشروع الحالي في العراق؟!
الأنظمة العربية:
كان موقف الأنظمة العربية سيء ويستمر سوءاً طالما تنساق وراء تبعيتها لأمريكا واهتمامها بالحفاظ على كراسيها وتكميمها أفواه شعوبها بالقوة إلا أن الحقيقة التي سيواجهونها المسؤولين عن هذه الأنظمة تكمن في أن مواقفهم السلبية ودعمهم للمشروع الأمريكي في العراق سينعكس سلباً على مستقبلهم السياسي بل وسيزعزع كياناتهم الهشة لأن تداعيات الوضع في العراق لا يمكن حصرها داخل حدوده الجغرافية أو البشرية بل ستجد لها امتدادات قوية وخطيرة ستفلت زمام المبادرة والسيطرة من أيدي الحكام العرب كما ستتوسع أفقياً وعمودياً دائرة العنف لتجد طريقها إلى كل مرتكزات الأنظمة العربية وما حصل لحد الآن في عدد من المناطق إلى محاولات جس النبض فخصوم أمريكا يزدادون قوة عدة وعدداً وتخطيطاً وإمكانيات كما أن فرصة قبولهم وانتشارهم اليوم وغداً أقوى وأكبر.
ونعتقد أنهم سيصلون إلى ما يريدونه من أهداف حتى لو جمعت الأنظمة العربية الخائرة ملايين من أجهزتها الأمنية ومعداتها العسكرية المتطورة ولا سبيل أمام هذه الأنظمة إلا بالعودة عن غيّها وانحرافها ومصالحة شعوبها والابتعاد عن خدمة أمريكا (وإسرائيل) وتغير مواقفها الداعمة للمشروع الأمريكي في العراق.