أمريكا والمخاض الصعب في العراق
د. فيصل الفهد
تمر الأوضاع في العراق بمنعطفات خطيرة الآن وفي المستقبل القريب ورغم أن التداعيات التي لازمت الفترة الماضية لم تخرج على الإطار الذي توقعناه إلا أنها مع ذلك أسست لبنى تعد هي الأخطر في حجم تأثيراتها المتوقعة على مستقبل العراق المنظور والبعيد إن لم يتم تدارك تفاعلاتها والهيمنة عليها في الوقت المناسب.
صحيح أن المحتل الأمريكي خطط للاحتلال منذ وقت طويل إلا أنه لم يراعي في ما خطط له ما يمكن أن يترتب من نتائج وخيمة على هذه الجريمة لأنه لم يدرك خطورة مسائل عديدة في مقدمتها:
أ - إهماله الواضح لخصوصية القيم والتقاليد والأعراف والنظم والعقائد والتركيبة الاجتماعية والموروث الحضاري والفكري التاريخي للشعب العراقي وحجم تأثيرها على السلوك المتوقع وغير المتوقع للعراقيين لاسيما في حالة الاحتلال.
ب - احتمالية درجة دقة المعلومات التي استند عليها المخططون في أروقة الإدارة الأمريكية والتي استخدمت ليس فقط لترويج مسوغات العدوان بل والاستكانة لفرضية قبول الشعب العراقي وتعامله إيجابياً مع واقعة احتلال بلده.
ومع عدم إهمالنا أو تخطينا للمسائل الأخرى المهمة الا اننا نجد أنفسنا ملزمين في إطار ما نحن بصدد التركيز عليه في هذا الموضوع من تثبيت درجة تأثير هاتين المسألتين في عملية تشكيل الصورة التي تجسد الواقع العراقي اليوم وستؤثر عليه في المرحلة القادمة. فخطورة ما حدث طيلة عامين ونصف من عمر الاحتلال البغيض لوطننا تؤكد أن المسؤولين الأمريكان فوجئوا بأحداث ووقائع هشمت الصورة التي منّوا بها أنفسهم وخلطت الألوان الوردية التي حلموا أن يتنعموا بها في بلد الخيرات والمستقبل الموعود لإمبراطوريتهم وتمددها في آفاقها الموعودة وتحقيق كل ما وعدوا به العالم خصوماً كانوا أم أصدقاء أو محايدين لازالوا في طور تكوين مواقفهم إزاء المخطط الكوني الأمريكي للهيمنة ليس على الكرة الأرضية فحسب بل والكون كله؟!
لقد أصبحت إدارة بوش ومن يقف خلفها في العراق أمام مواجهة لم يعدوا لها استحقاقاتها التي تنسجم وقدراتها التأثيرية على صنع الوقائع في العراق ومن هنا حدث الارتباك في كل البرنامج الاحتلالي الأمريكي على أرض الواقع رغم أن سلطات الاحتلال حاولت أن تعكس صورة أخرى تظهر نفسها وكأنها تعمل بشكل طبيعي داخل الإطار الذي صممته وخططت له قبل الاحتلال وأشير هنا إلى واقعة واحدة أتمنى أنها تجعل كثير من المتابعين يولونها ما تستحقه من الاهتمام وهي التي تدلل أن الأمريكيين كانوا يتوقعون شيء والذي حدث شيء آخر مناقض والدليل على ذلك أن الإدارة الأمريكية عينت بعد اعتقاد الرئيس بوش أن الوضع استتب في العراق لصالح الاحتلال السيد كارنر حاكماً أو مندوباً سامياً للمحتل في العراق وكان توجهه كما لاحظ الجميع مبنياً على العمل السياسي وإنجاز بعض عمليات التجميل الظاهري لما حدث من خراب ودمار في العراق على يد المحتلين وعملائهم إلا أن المقام لم يطيب للسيد كارنر في العراق ليس لأنه لم يرغب في العيش في العراق مثلما لا يمكن هنا اتهامه بعدم الكفاءة أو أنه جاهل في التعاطي مع الواقع الجديد في العراق لاسيما وأن السيد كارنر كان أحد الذين عملوا في المنطقة الشمالية من العراق طيلة تسعينات القرن الماضي مع العملاء الطالباني والبرزاني إذن لماذا طلب منه ترك مسؤوليته؟ وهو لم يمضِ فيها فترة وجيزة وجاؤوا بسلطان عصره وزمانه الحاكم بأمره السيد بريمر وما هي مزايا هذا الرجل التي لا تتوافر لدى كارنر...؟!
إن ميزة بريمر الأساسية كونه إرهابي من الطراز الأول ولذلك فهو كما يعتقد ساسة البيت الأسود خبير في الإرهاب وهذا يعني أن الأمريكيين فوجئوا بأول حقيقة أصدمتهم وهي أن الشعب الذي قيل لهم أنه سيستقبلهم بالورود استقبلهم بالمقاومة الوطنية المسلحة الذكية منذ أن وطأت أقدامهم القذرة أرض العراق الطاهرة ومن هنا أصبح التخبط والإرباك سمة واضحة في كل سلوك وممارسات إدارة الاحتلال بل إن أغلب ما خرج من جعبتهم كان عبارة عن رد فعل غير مدروس نتيجة لهول صدمتهم من ما تقوم به المقاومة من أعمال بطولية نادرة شكلاً ومضموناً وأداءاً ومن هنا جاءت كثير من قرارات بريمر على عجالة مع وجود بصمات واضحة لتأثيرات من استمرت الإدارة الأمريكية اعتمادهم مصدراً للخبرة في الشأن العراقي وهم عملائها الذين ورطوها في العراق بهذا الشكل أمثال الجلبي وعلاوي والأشيقر وبقية الحثالات الأخرى.
ويضاف لها طبعاً تنفيذ مطالب أخرى خدمت (إسرائيل) وزادت من مأزق أمريكا في العراق مثل حل الجيش العراقي البطل وأجهزة وقوى الأمن الداخلي الميامين واجتثاث البعث العظيم.
ومن هنا ندرك أن قوات الاحتلال دخلت العراق في ضوء تراكم معلوماتي معين وفوجئت بواقع يختلف 180 درجة عما صور لهذه القوات ومن هنا بدأ التخبط الأمريكي رغم كل محاولات التعتيم والتجميل والترقيع على شاكلة تأسيس مجلس الإمعات والحكومات الصنيعة والانتخابات المهزلة والتي في مجملها لم تزد الأوضاع في العراق إلا سوءاً وتعقيداً وتراجعاً وسواداً حالكاً وآخرها مسودة الدستور الأسود.
وتأسيساً على هذا الكلام وما سبق لنا أن تطرقنا له قبل أكثر من ستة أشهر في مقالنا الموسوم ((المشهد العراقي اليوم وغداً)) نضع أمام القارئ الكريم وكل من يعنيهم الأمر تصورنا واجتهادنا المتواضع لما يمكن أن تترتب عليه أوضاع العراق للمرحلة القادمة (ستة أشهر) ولنبدأ أولاً باللاعبين المباشرين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعتبر الولايات المتحدة ا لأمريكية (ظاهرياً) أنها المعني الأول بما حدث ولا يزال في العراق وانطلاقاً من هذه الفرضية فإنها تتحمل الوزر الأكبر بما يترتب على تداعيات الواقع العراقي والتأزم المتزايد فيه وتعمق ظاهرة الانزلاق الأمريكي في أوحال المستنقع العراقي ومن هنا وفي ضوء ما أشرنا إليه أعلاه فإن ثمة تناقض صارخ بين حسابات البيدر داخل المؤسسات المخططة في أمريكا وبين النتائج المترتبة في الحقل (أرض الواقع) في العراق حيث أصبح من المتعذر بل استحالة تجاهل إدارة بوش لحجم الكارثة التي تسببوا بها ليس على رؤوس العراقيين بل على رؤوس الشعوب الأمريكية وعمليات الاستنزاف البشري والمادي وبروز شبح فيتنام جديدة في أوساط الرأي العام الأمريكي والأوروبي وهذا يحدث بسرعة رهيبة رغم كل محاولات التعتيم والتكتم وتكميم الأفواه التي تمارسها آلة الدعاية الغربية المتصهينة لإبعاد حقيقة المأزق الأمريكي والخسائر الفادحة من أن تجد طريقها إلى الرأي العام في كل مكان وتحديداً في أمريكا بلد العدوان الأساس.
إذن هناك مأزق وورطة كبيرة لإدارة بوش في العراق وهي تتفاعل وتتضخم إلى حد الانفجار الأمر الذي يتطلب إجراءات سريعة لتلافي القادم من إفرازاتها ونتائجها المحتملة ومن هنا بدأنا نسمع لغة جديدة وعبارات مختلفة عما كنا نسمعه قبل سنة أو أكثر بمعنى أن هناك تغير في الأفعال وليس في النوايا لا تخلوا أحياناً من محاولات الخلط بينهما بشكل متعمد ولذلك فقد وجد الرئيس بوش نفسه أمام خيارات محددة لمعالجة خطأه الجسيم وسوء تقديراته لتوريط بلاده باحتلال العراق أو على أقل تقدير لتقليل حجم تأثيراتها على وضعه الشخصي ومستقبل الحزب الجمهوري وتمهيد الطريق لشقيقه الذي منى نفسه أنه سيرث أمجاد شقيقه جورج دبليو وإنجازاته الكونية العظيمة ليخلفه في حكم الولايات المتحدة الأمريكية كما أن بوش يخشى أن تطال يد من يحاربهم في أنحاء العالم المدن الأمريكية بشكل حقيقي ليس مثل مسرحية 11 أيلول 2001.
ما هي خيارات إدارة بوش في العراق الآن؟
1 - بحكم معرفتنا بسايكولوجية الرئيس بوش فإننا نستبعد نظرياً أن يقدم على الاعتراف بارتكابه هذا الخطأ الاستراتيجي واحتلاله العراق لما سيسببه ذلك من نتائج وخيمة على حزبه وسمعة أسرته ومستقبلها السياسي ولهذا فإنه سيقبل بخيار الهروب المجمل عن طريق إشاعة أن إدارته ذهبت إلى العراق لتخليص شعبه من الدكتاتورية وإشاعة الديمقراطية وأنها أنجزت متطلبات ذلك عبر:
* إنجاز الدستور الدائم واستفتاء الشعب العراقي عليه.
* قيام حكومة منتخبة من كل الشعب العراقي.
* حل كل المشاكل العرقية والأثنية للشعب العراقي.
* إنشاء الجيش وقوات الأمن وتدريبها وتسليمهم مسؤوليات حفظ الأمن في العراق.
وبهذه الأكذوبة يدعي بوش أنه أنجز المهمات المطلوبة ولم يعد هناك من مبرر لوجود القوات الأمريكية في العراق وسيسحبها كلها أو جزء مهم منها قبل الانتخابات الفرعية الأمريكية في العام 2006.
إن هذا الاحتمال ربما هو أفضل الخيارات الحالية لإدارة بوش لأنها ستوفر للأمريكيين فرصة فرض اتفاقيات طويلة الأمد تكون ملزمة لأية حكومة قادمة (لأن المسؤولين الأمريكيين يعلمون أن من سينصبون من قبلهم سيتم إزاحتهم من قبل الشعب العراقي بعد رحيل قوات الاحتلال على غرار ما حدث لحكومة سايغون في فيتنام) ولذلك سيحرصون على وجود اتفاقيات محبوكة ملزمة للعراق ولا يستبعد أن تكون بصيغة قرار دولي مبطن تمرره أمريكا عبر صفقته مع الدول دائمة العضوية للحفاظ على مصالحها الحيوية في العراق وبالذات في موضوع النفط والفوسفات والكبريت والزئبق وغيرها من الخيرات وكذلك حماية أمن (إسرائيل) ومن أجل إنجاز مكونات هذا الحل تعمل إدارة بوش بالتهديد والوعيد والضغوط لقبول كل الأطراف المشاركة بالمهزلة السياسية بقبول الدستور بشكل يسهل تمريره على الشعب توافقياً وإبعاد أي من النقاط التي تثير الحساسيات وتأجيلها إلى مراحل قادمة بحيث تكون أمريكا بعيدة عن تحمل تبعاتها الخطيرة لأنها ستكون خارج اللعبة وستحاول إدارة الاحتلال استخدام ورقة المرجعية الدينية (السيستاني) والتوافق مع النظام الإيراني لتوظيف تأثيره على عملائه في العراق وعلينا ملاحظة تصاعد الحملات والاتهامات الأمريكية والغربية على إيران هذه الفترة لتفهم حقيقة الطبخة المنوي تمريرها في العراق الفترة القادمة.
2 - وإذا افترضنا فشل الخيار السابق وهو أمر غير مستبعد (بفضل المقاومة الوطنية العراقية البطلة) فإن أمريكا ستستخدم سياسة الأرض المحروقة على غرار طريقة انسحابها من الصومال وتترك العراق ضحية للأوضاع التي خلقها الاحتلال ابتداءاً من إثارة النعرات العنصرية والطائفية والمناطقية وحرب بين المليشيات المدعومة من إيران وبين الشعب العراقي ورغم قناعات الإدارة الأمريكية بحدوث هذا السيناريو فإن الذي يمكن أن يحدث إذا أمكن إبعاد أيادي إيران المباشرة من العبث بالشؤون العراقية أن المقاومة العراقية والقوى المساندة لها ستتمكن من تأمين الأوضاع وبروز المؤسسات الوطنية للدولة العراقية المشكلة حالياً والتي تعمل تحت الأرض وإنجاز مهمة تخليص العراق من عصابات المليشيات العميلة.
3 - هناك سيناريو لم تستبعده الإدارة الأمريكية بل وتعمل عليه وهو عبارة عن عملية خلط في الأوراق لتحقيق كل توافق بين أطراف من العملاء الذين جاؤوا خلف الاحتلال (علاوي، الشعلان، أيهم السامرائي، مجموعات من العناصر المنشقة عن إبراهيم الأشيقر والحكيم وغيرها من الذين حرقتهم المرحلة الانتقالية كأحزاب وبقوا كأشخاص) وجذب قوى وأشخاص طرحوا أنفسهم ضد الاحتلال ظاهراً ويعملون في فلكه باطناً وأطلقوا على أنفسهم مسميات وبدأوا ينفذون برنامجاً هدفه الولوج إلى الجسد الداخلي للمقاومة عسى أن يوفقوا في إحداث انشقاقات في داخله وجذب بعض الأطراف إلى العملية السياسية واستخدام هذه المجموعات من المقاومة للأحزاب أو لتفتيت عضد المقاومة وتقليل فاعليتها وتأليب الرأي العام العراقي ضدها ونسمع اليوم أن مؤتمر عقد هنا وآخر هناك والهدف في كل ذلك هو تفتيت المقاومة وتمزيق الإرادة الوطنية العراقية.
4 - هناك خيار آخر يكمن في إشراك أطراف دولية وإقليمية في طبخة هدفها تحقيق مصادر المقاومة وحصرها مادياً وشعبياً وإيصال المجاهدين إلى درجة اليأس لاسيما في استخدام تأثيرات دول الجوار وما يعتقد أنها أسست له من علاقات أو امتدادات مع أطراف عراقية يمكن توظيفه في هذه المرحلة لكي يحصل الجميع على نصيبهم من الكعكة العراقية التي عملت إدارة بوش أن تجعلها كعكة أمريكية صرفة ولا نفاجأ إن لمسنا في الفترات القريبة ضغوط من أنظمة كانت تعدها إدارة الاحتلال (دعائياً) في الخندق المعادي لها.
5 - بدأنا نسمع في الآونة الأخيرة نغمة قديمة جديدة وهي تسليم الملف العراقي إلى الأمم المتحدة مع هامش لدور محدد (للجامعة العبرية) وهي لعبة نرجو أن لا تنطلي على بعض الأطراف العراقية لأن هذا المشروع هو مشروع بريطاني يخرج الاحتلال من الشباك ويدخله من الباب لأن الأمم المتحدة والجامعة العبرية ليسا سوى أدوات سبق للاحتلال أن استخدمها لبسط نفوذه على العراق ولا نرتجي منها خيراً لقضيتنا التي أصبحت واضحة المعالم.
6 - هناك احتمال كبير أن تدفع قوات الاحتلال بالدستور للسقوط بالضربة القاضية ومعه ستسقط الجمعية اللاوطنية بعدما أسقطت حكومة الأشيقر وستفسح المجال لحكومة انتقالية يقودها عميلهم المدرب إياد علاوي وهذا ما يفسر تحركه بصمت طيلة الفترة الماضية.