نيوأورليانز وبغداد.. وجهان لسياسة واحدة

بيل فان أوكن/كاتب ومحلل سياسي أمريكي والنص منشور في موقع (ويرلد سوشياليست)

مع وصول جنود الحرس الوطني الأمريكي، العائدين للتو من العراق، إلى نيوأورليانز يوم الجمعة الماضي بعد تزويدهم بأوامر لإطلاق النار بهدف القتل، وبتحليق مروحيات (بلاك هوك) فوق المدينة، يبدو وجه الشبه شديداً بين السياسات التي تنتهجها إدارة الرئيس جورج بوش في الداخل والخارج.

وقال اللفتنانت جنرال ستيفن بلوم من الحرس الوطني ان نصف السبعة آلاف جندي من رجال الحرس الوطني الذين وصلوا إلى لويزيانا كانوا قبل فترة قصيرة يشاركون في عمليات عسكرية في الخارج "ويتمتعون بقدرة عالية على استخدام القوة الفتاكة".

وأعلنت حاكمة لويزيانا كاثلين بلانكو أن أولئك الجنود يحملون بنادق (أم 16) المزودة بالطلقات النارية وأنهم يعرفون كيف يطلقون النار بهدف القتل، "وأنني أتوقع منهم أن يفعلوا ذلك".

وقد كشف رد فعل إدارة بوش إزاء كارثة من صنع يديها بغزوها العراق واستجابتها لكارثة إعصار كاترينا الذي ضرب ساحل الخليج الأمريكي عجزاً بالغاً وازدراء إجرامياً بالحياة البشرية. وقد أدى كلا الموقفين إلى أعداد كبيرة من القتلى وقدر هائل من المعاناة.

وهناك صلات مباشرة بين الكارثة الإنسانية التي يشهدها العراق والكارثة التي يتكشف النقاب عنها في نيواورليانز. وقبل أقل من شهر اشتكى اللفتنانت كولونيل بيت شنايدر من حرس لويزيانا الوطني لوسائل الإعلام من أن معدات أساسية أخذتها قوة الحرس الوطني إلى العراق في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وتشمل سيارات (همفي) ومركبات للاستخدام عند ارتفاع منسوب المياه ومولدات ومعدات تزويد بالوقود، تم تركها في العراق. وأكد انه في حال حدوث كارثة طبيعية يمكن أن يشكل النقص في المعدات مشكلات تعوق القيام بجهود إنقاذ سريعة.

ويعزى انهيار السدود ففي نيواورليانز واختفاء 80 في المائة من المدينة تحت الماء إلى تخفيضات مستمرة في الموازنة نفذتها إدارة بوش منذ بدء غزو العراق.

وفي موازنة 2004، طلب سلاح المهندسين التابع للجيش الأمريكي 11 مليون دولار لمشروع للحماية من الأعاصير في منطقة نيواورليانز ولكن تم تخصيص نصف المبلغ فقط للمشروع وهو مبلغ 5،5 مليون دولار. وفي موازنة عام 2005، طلب سلاح المهندسين 22،5 مليون دولار، فتلقى ربع المبلغ المطلوب اي 5،7 مليون دولار. وفي موازنة 2006، اقترحت إدارة بوش تخصيص مبلغ 2،9 مليون دولار فقط لتلك المشاريع. ولم يكن المصير الذي آلت إليه المبالغ المخصصة لتقوية السدود وحماية نيواورليانز مجهولاً بالنسبة للمسؤولين المحليين. وقد صرح والتر مايستري رئيس إدارة الطوارئ في جيفرسون باريش بولاية لويزيانا لصحيفة (تايمز بيكايون) المحلية في يونيو/ حزيران 1004 "يبدو أن الأموال تم نقلها إلى موازنة الرئيس الخاصة بالأمن الداخلي والحرب في العراق، وأعتقد ان ذلك هو الثمن الذي ندفعه. وليس هناك من أحد في الولاية سعيد بعدم إمكانية إكمال أعمال السدود ونحن نقوم بكل ما نستطيع لنوضح أن هذه القضية تمثل مشكلة أمن بالنسبة لنا".

وفي الوقت ذاته، وكما كتب اريك هولدمان مدير مكتب إدارة الطوارئ في مقاطعة كاونتي بولاية واشنطن في صحيفة (واشنطن بوست) الأسبوع الماضي تعرضت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (فيما)، وهي الوكالة الرئيسية للتعامل مع كوارث كهذه، لعملية تهميش منظمة بوساطة وزارة الأمن الداخلي. وبدلا من ذلك، تم تحويل مخصصات إغاثة المناطق التي تتعرض للكوارث لما يسمى "بالحرب العالمية على الإرهاب" وهي الذريعة المستخدمة لجميع أغراض العدوان العسكري الأمريكي في الخارج.

وقد تم استقطاع الأموال الهائلة التي تنفقها الإدارة على حربها العدوانية في العراق ونشاطاتها العسكرية الأخرى من برامج الإنفاق الداخلي. ومع الموافقة المقبلة على فاتورة إنفاق طارئ للحرب في العراق، يصل حجم المخصصات التي أجازها الكونغرس لحرب العراق إلى 250 مليار دولار. وتنفق واشنطن في المتوسط 5،4 مليار دولار شهرياً على حرب العراق. وهكذا، ستنفق وزارة الدفاع البنتاغون خلال اقل من شهرين ما يعادل برنامج الإغاثة برمته الذي طلبته إدارة بوش لنيوأورليانز وساحل الخليج المنكوب.

وان غضب مواطني نيوأورليانز المنكوبين، الذين هتفوا "نريد مساعدات"، وتساءلوا ساخطين عن الأسباب التي جعلت واشنطن تعجز عن تزويدهم بالحد الأدنى من الإغاثة، يعكس احتجاجات سكان بغداد والمدن العراقية الأخرى.

وبعد أن أكمل الاحتلال الأمريكي للعراق نصف عامه الثالث، تعاني ثلاث من كل أربع عائلات عراقية من انقطاع التيار الكهرباء المنتظم، وانقطاع إمدادات المياه وتبلغ 40 في المائة من العائلات المقيمة في المدن عن طفح مياه المجاري في الطرقات. ويزداد خطر وقوع أزمة صحية على مستوى البلاد، وينتشر سوء تغذية الأطفال ويهدد المدنيين الموت في كل يوم.

وأنها لمفارقة مأساوية أن الآلاف من الشباب من الجنسين في قوات الحرس الوطني بولايتي لويزيانا والمسيسيبي يتم إرسالهم إلى العراق لكي يقتلون ويلقون حتفهم في سبيل كذبة. وقد تم أخذ أولئك الجنود في كثير من الحالات من عائلات فقيرة عانت كثيرا من إعصار كاترينا. وأما قادة إدارة بوش وحلفاؤها الديمقراطيون وبعد أن تخلوا عن مزاعمهم المختلفة عن أسلحة الدمار الشامل فيصرون الآن على أن هؤلاء الجنود يخوضون حرباً لإحلال "الديمقراطية" في العراق.

ولكن العار الوطني الذي تشهده نيوأورليانز يطرح سؤالا واضحا هو: هل تستطيع حكومة تتخلى عن شعبها وتتركه يموت في الطرقات أن تنصب من نفسها معلّمة "للديمقراطية"؟

وقد كانت حرب العراق منذ بدايتها حرب نهب وسلب وممارسة للنهب الدولي. وكان الهدف منها استخدام قوة عسكرية كاسحة للسيطرة على موارد طاقة حيوية وتأكيد الهيمنة الجيوبوليتيكية للرأسمالية الأمريكية ضد منافسيها الاقتصاديين.

ولقد سار نهب العراق جنباً إلى جنب مع سلب الخزانة الأمريكية في الداخل من خلال اقتطاعات لا تنتهي من برامج الإنفاق الاجتماعي إضافة إلى تخفيضات ضريبية ضخمة لفئة الأثرياء. وقد نفذ هذه السياسات حكومة ونظام سياسي يقومان على حزبين كرسا جهودهما لخدمة مصالح الأقلية الحاكمة ولا يبديان اهتماماً بحياة الفقراء من سكان نيوأورليانز أو شعب العراق.