الفيدرالية مهرب مشبوه للطبقة الشيعية العليا
في مواجهة القومية والديمقراطية
د. عادل سمارة/رام الله – فلسطين المحتلة
منذ بدء العدوان الأميركي البريطاني على العراق واحتلاله وحتى اللحظة لم تتوقف الطبقة العليا من العرب الشيعة (سواء الدينية أو الرأسمالية) عن تثبيت تفكيك العراق طبقاً لمضمون مشروع الاحتلال نفسه. فهل الدافع وراء هذا الإصرار على التفكيك هو من أجل وصول الطبقة الشيعية العليا إلى الحكم أم أن وراء ذلك أمور أكبر بكثير وأجندة أبعد من أجندة هذه الطبقة؟
لو كان الأمر مجرد الوصول إلى الحكم لما كانت الفدرالية بالمفهوم الذي تطرحه الطبقة الشيعية العليا أمراً ضروريا. فقد سمح لها احتلال العراق ولاحقاً انتخابات "ديمقراطية الاحتلال" أن تصل إلى سدة الحكم. وطالما أن الشيعة هم الأكثرية، وطالما أن هذه الطبقة مهيمنة على الوعي الجمعي لهذه الطائفة، فإن بقاء هذه الطبقة في الحكم أمر محسوم في المدى المنظور على الأقل.
فلماذا الإصرار على الفدرالية إذن؟
هناك على ما يبدو عدة أسباب وراء هذا الإصرار:
خطة الاحتلال الأميركي
لم يذهب المحتل إلى العراق لغير تدمير العراق، وبعد التدمير تفكيك العراق. فالعراق الموحد قادر على النهوض من جديد وبالتالي سيشكل خطرا على مصالح الرأسمال الأميركي والغربي عامة من جهة، وسيجعل نهب العراق أمر على طريق الانتهاء يوما ما. لذلك، لا بد من تفكيك العراق ووضع كل قطعة بيد شريحة طبقية تابعة ومستفيدة وفي النهاية عميلة للأجنبي حتى لو بحكم الحاجة إن لم نقل الانتماء. وبما أن هذا قد ثبت عبر تاريخ الأنظمة العربية المتولدة عن "اتفاق سايكس-بيكو"، فليس هناك ما يقنع الاستعمار المعولم بغير التفكيك. ولا حاجة هنا للتأكيد على أن عراقاً مجزءاً هو هدية تاريخية للكيان الصهيوني.
البعد القومي
أن عراقا موحداً يعني عراقاً عربياً. وهذا يعيد للأذهان حقيقة أساسية وهي أن احتلال العراق كان مقصود به (إلى جانب عدة أهداف) أساساً ضرب القومية العربية وزيادة تفكيك الأمة. وعليه، فإن الفدرالية تحول دون عودة العراق إلى الحضن العربي وخاصة في حالة نهوض قومي عربي متوقع. وكل هذا يندرج في المشروع الرأسمالي المعولم والصهيوني في زيادة تفكيك الوطن العربي. وما هو واضح، فإن صعوبة جعل كل جزء من الفدرالية دولة مستقلة، يتم الاستعاضة عن ذلك بتقسيم كل قطر إلى وحدات تجمعها الفدرالية وهو ما يتم تطبيقه في السودان أيضاً.
إن هدف الفدراليات الجديدة هو تقويض الطابع العربي للوطن العربي وهو أمر ينسجم مع مخطط المركز الرأسمالي المعولم من جهة والصهيونية من جهة ثانية وأشتات الطبقات المحلية المستفيدة كعميلة من هذا التفكيك. وهو يحول بالضرورة، أو هذا الهدف، دون الوحدة العربية. ففي حالة التوحيد سيكون النقاش أن هذه أمم وقوميات متعددة ولا يحق للعرب توحيد أنفسهم بالقفز عنها!
البعد الفارسي
لم تختلف سياسة النظام الإسلامي في إيران عن سياسة الشاه تجاه الأمة العربية. وفي حين أن الطابع الديني للدولة الايرانية الحالية هو المهيمن، ولكن هذا الموقف الديني لم يصطدم مع القومية الفارسية. وبالمقابل فإن موقف هذا النظام من القومية العربية موقف معادٍ على الأقل بحكم الدور الإقليمي الذي تحاوله الدولة الفارسية بغض النظر فيما إذا كانت شاهنشاهية او آياتية. وهنا يلتقي موقف الاحتلال الغربي الرأسمالي للعراق مع موقف الدولة الإسلامية الايرانية وموقف الطبقة الشيعية في العراق. وهنا تكون الولاية الشيعية في جنوب العراق مجرد محمية فارسية يتم توظيفها ضد المشروع القومي العربي. ولأن الطبقة الشيعية الحالية لا تستطيع حسم المستقبل فيما يخص الوعي القومي للعرب الشيعة، فإنها تعمل على تثبيت حقائق على الأرض تضمن لها بقاء "الولاية" الشيعية معزولة عن انتمائها العربي.
استباق التطورات المختلفة
إن إصرار الطبقة القيادية الشيعية الحالية في العراق على تثبيت مشروع الفدرالية ينطوي على قلق وخوف من المستقبل الذي قد يحمل تطورات مختلفة مفادها تغير الأوضاع في الوطن العربي وحصول مستوى معين من الوحدة العربية. وعليه، تكون هذه الفدرالية للطبقة الشيعية الحالية حماية لمصالحها من "مخاطر" الوحدة التي تخدم الأكثرية الشيعية كما الأكثرية الشعبية في كل الوطن العربي.
إن تطورات مختلفة في الوطن العربي يمكن أن تغير من هيمنة المرجعية "الطائفية والطبقية البرجوازية الكمبرادورية" في أوساط الطائفة الشيعية ومختلف أجزاء الوطن العربي بالطبع، وتدفع لقيادة هذه الطائفة وكل العراق بقوى علمانية واشتراكية وقومية. وعليه، فإن الفدرالية هي حماية لمصالح هذه الطبقة.
دفع الثمن ورد "الجميل"
لقد أتت قيادات الطبقة الشيعية على دبابات الاحتلال، ولن يكون هذا بلا ثمن. والثمن في هذا المستوى هو تفكيك العراق لاسيما وأن فيه مصلحة للسيد الراسمالي الغربي وعملائه من العراقيين. وبما ان العملاء هم دوما بلا مشروع وطني، فما بالك بقومي، فإن تفكيك البلد بالنسبة لهم أمر طبيعي. وعلى أية حال، فالآن هذا ليس استثناء في التاريخ العالمي ولاسيما في حقبة العولمة. فليست الطبقة العليا من شيعة العراق وحدها التي لعبت دور الأداة الخيانية لصالح الاستعمار الرأسمالي المعولم، فهناك أمثلة في يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي السابق وجنوب السودان ولا حاجة لحديث عن البرجوازية الكردية بالطبع...الخ.
درس المقاومة
كانت الطبقة الشيعية العليا اقل الناس توقعاً لحصول ومن ثم لمستوى المقاومة. ولم يكن زعمهم ان الشعب العراقي سيرش الورود على دبابات حليفهم، الذي هو عدو الأمة، لم تكن مجرد مبالغات. لا بل كان الاحتلال الأميركي أكثر توقعا للمقاومة من هذه الطبقة، وإن كانت توقعاته أيضاً دون مستوى المقاومة ودوافعها بكثير.
وكما تفهم البرجوازية البريطانية تاريخ المقاومة (بما أن بريطانيا بيت تفريخ القوى العميلة والمعادية كل لشعبه ووطنه)، فإن البرجوازية الأميركية قد فهمت هذا الأمر ولا شك أن البرجوازية الشيعية اضطرت لفهمه أيضاَ. ومن هنا، فهي تخشى من دور المقاومة الذي يقوم بإعادة صياغة عراق المستقبل على الأرض. إنها قلقة من عراق مقاوم وديمقراطي وثوري، أي عراق جديد يتجاوز الطائفية وربما الطبقية. يتجاوز القمع المحلي، ويتجاوز الهيمنة الطائفية ويتجاوز الهيمنة الطبقية. إن حسم المسألة العراقية اجتماعيا وقومياً يمكن أن يقتلع البنى الطائفية التي يركزها الاستعمار الرأسمالي المعولم ومنها أساساً الطائفية الشيعية.
ورغم أن الطبقة الشيعية العليا تزعم الانتماء الإسلامي، إلا أن ارتباطها بالدولة الفارسية يقلل من مصداقيتها ليس في نظر العرب السنة، ولكن حتى في نظر العرب الشيعة وكذلك في نظر القوى الإسلامية المشاركة في المقاومة في العراق لاسيما وأن هذه القوى تقاتل على أرضية دينية أممية إسلامية وليس على أرضية طائفية.
وعليه، فإن الطبقة الشيعية العليا حينما تحسب الأمور، وهي تحسبها لا شك، تجد أن خيار ضمانها الأفضل هو الفدرالية التي تعني جوهريا الهروب ذات يوم من مبنى الدولة العراقية أصلاً، وهذا ما يبرر ما تقوم به المقاومة ضدها سواء في ثوب قتل قادتها أو جنود الجيش المحلي العميل لقوات الاحتلال.
بقي أن نقول، إن تجربة العراق قد علمتنا الكثير، ومنه أن التخلف الاقتصادي والصناعي تحديداً يُبقي على فرص واسعة لهيمنة رجال الدين وأخيرا أو فوقهم الطبقة الرأسمالية الكمبرادورية التجارية التي لا يسعها أبداً سوى التخارج مع الأجنبي. وهذه الهيمنة التي تبدو أو يبدو أساسها في الوعي هي في الحقيقة ذات أساس مادي موضوعي يُشعر الطبقات الشعبية أن مصيرها وحمايتها وحتى لقمة عيشها بيد الطبقة الطائفية العليا فيها.
وتشوه من هذا المستوى لا يحله سوى عمليتين:
الأولى: حالة اقتصادية تصنيعية تجعل كل مواطن منتج وعامل ومعتمد على نفسه بحيث يجد أمانه في عمله، وليس في المبنى الطائفي وهذا ما حققته دول المركز الرأسمالي وما منعت بلدان المحيط من تحقيقه، والعراق نموذجا على ذلك.
والثانية: حالة ثورية تحرق البنى القديمة التي لا تقاوم الاحتلال أو تتساوق معه أو تجلبه كما حصل في العراق، وهذا ما يحصل في العراق وهو ما يدفع الطبقة الشيعية العليا ركضا وهرولة نحو الفدرالية المشبوهة.
http://www.kanaanonline.org