إرفع رأسك يا أخي العربي
بقلم: اسماعيل ابو البندورة *
رغماً عن الانكسارات ومحاولات الإحباط والتيئيس التي مورست ولا تزال تمارس على الإنسان العربي فإن ما أنتجته المقاومة في غزة وفي العراق يجعلنا نعاود القول "ارفع رأسك يا أخي!! وابدأ لحظتك القومية الجديدة وأزح عن كاهلك غبار التشاؤم وعن روحك غلالات الاستسلام وعن عقلك كوابحه ومن فضائك اليأس ومن طريقك عثرات الأنظمة ومن أفق مستقبلك المستحيل.
عليك الآن وأنت التواق للحرية والوحدة ومناهضة الأعداء أن تبدأ دورك ودورتك وأن تدرك واجباتك الوطنية والقومية بعمق وبصيرة وان تنظر إلى أمتك بأمل وعنفوان وعن اقتراب حريتها ووحدتها بتفاؤل.
لقد أنقذتك المقاومة الباسلة الفريدة في فلسطين والعراق مما علق بك من إمارات التشاؤم والسلبية والاغتراب والانسحاب والانسحاق ووضعتك أمام صورة جميلة لما يمكن أن يكون عليه مستقبل العرب·· علمتك المقاومة أن تكون مؤمناً قوياً لا مؤمناً ضعيفاً، مقاتلاً مهيب الجانب لا سياسياً هارباً، مدافعاً عن الحق ورجاله لا مفسراً للباطل ودعاته، وحدوياً لا انعزالياً، قوي الإرادة لا ضعيفها، رابط الجأش لا واجف القلب.
علمتك المقاومة باختصار أن تكون الإنسان العربي المفترض لا الإنسان العربي الآفل المنقرض، صاحب الرسالة والمدافع عن الكرامة والحرية لا المتلطي في الفنادق وممرات القاعات متوسلاً شارون وبوش.
الآن بإمكانك أن تبدأ درسك القومي العربي الجديد وأن تضع أنت الكلمة الأولى على أول السطر والآن تظهر صورتك لا صورة الخونة والعملاء فابدأ لحظتك بثقة وتعقل وتذكر أن لحظتك بدأت بشهادة الشهداء وتضحيات الكبار الكبار من الرجال وعلى أكوام البيوت المهدمة والأشجار المقطعة والأرواح الطاهرة التي ذهبت دفاعاً عن الحرية والكرامة، وتذكر انه لن تكون لك لحظة إذا انقطع حبل الاستمرار بينك وبين الشهداء والمجاهدين لقد انبتوا لك النبتة وعليك رعايتها وفتحوا لك الطريق وعليك توسيعه وتحديده وانشأوا لك لحظة نصر داخل لحظة انكسار ومدوا لك الطريق إلى الجنة وأغلقوا من أمامك أبواب النار، فأنت لا تكون بدون هذه المقدمات ومستقبلك لن يتضرر ويستقر إذا لم تقرأ هذه المقدمات جيداً فالاستكانة والذل لا يقودان إلى النصر والحرية، وبناء الأمم والأوطان لا يتمان بدون تضحيات وصياغة المستقبل لا تكون بالقبول الذليل لرؤى الآخرين وإراداتهم وإنما تكون بالرؤية الاستقلالية الواضحة والإيمان العميق بقدرة الشعب والأمة والتطلع إلى المستقبل بأمل وتفاؤل ومعرفة واقتدار فالمستقبل بين يديك إذا سعيت إليه بعقلك وروحك الوثابة، لا إذا جاءك معلباً ومن صنع الخارج!!
الآن لك الخيار يا أخي العربي بين أن تقرأ وتتأمل بما تصنعه المقاومة في فلسطين والعراق أو أن تبقى محبوساً أمام مذيع وأفكار لقيطة تدعوك إلى الاستسلام ومجافاة التاريخ والأمة، بين أن تنظر إلى انسحاب الصهاينة من غزة على انه تكتيك صهيوني مجرد ودهاء يهودي مجرب أو أن تنظر إليه بعقل عارف على انه هروب صهيوني مبكر من هزيمة مقررة في غزة وفلسطين وانه استباق لما هو آت وانه قراءة صهيونية جارحة لقدرة المقاومة في غزة، وانه قراءة رحلة طويلة من النضال والقتال والبطولة والاستبسال.
الم يكن يعدك الرنتيسي يومياً بأن الطريق سيؤدي إلى الحرية؟ الم يكن ثمن شهادته هو هذه الحرية حتى ولو كانت مسورة بالمؤامرات والأعداء؟
إذا قالوا لك انه سجن لغزة بين قدرات صهيونية خبيثة ومؤامرات سياسية محاكة ومدبرة!!، وإذا قال لك موفاز لا تفرح لان الفرح بالنصر بعيد!! فاسمع ضميرك الذي ارتبط بالشهداء وقل لهم ان غزة المقاتلة والتي تمنى رابين أن يبتلعها البحر ستجد طريقها إلى حرية البحر وأن الشهداء يقفون حراساً لأحلام غزة ولذلك لا خوف على غزة من الانحباس داخل الوهم الصهيوني لأنها خرجت من الوهم إلى الحقيقة عندما قاتلت ببسالة عن حقيقتها وعروبتها وعندما صنعت مجدها بالبطولة والشهادة ودوام الثورة.
كل ذلك أمامك يا أخي العربي وما عليك إلا أن تقرر وتختار، لقد منعوا عنك أخبار أمتك وعزلوك في أوطان قطرية وأوهام أمريكية، وقالوا لك لا تقرب الحرية والكرامة والشهادة وتنكر للجهاد، وحالوا بينك وبين أن تكون صانعاً للتاريخ وتركوك رقماً وعدداً اجرداً ومزقوا أمام ناظريك كل التواريخ المتوهجة والأفكار العميقة وادخلوا شارون إلى بيتك بالمعاهدات والمؤامرات، وأجلسوك إلى جانب صهيوني لكي تتحاور معه باعتباره آخراً!! فعلوا بك كل الأفعال وأذاقوك كل المرارات وقالوا لك "العرب جرب" حتى لا تلتحق بأمتك، لقد أخرجوك فعلاً من دائرة وعيك العربي إلى دائرة الالتباس والتلويث والصفقات ووضعوا الحواجز بينك وبين انتفاضة فلسطين ومقاومة العراق وتركوا لك الفرجة والحزن وتذوق المرارة وأنت ترى ما يجري ولا تقدر أن تفعل، لقد أخصوك بالنذالة ورؤية الأقزام واقرأوك الكلام المعيب، ورتلوا عليك المزامير الصهيونية والأمريكية، لقد أبعدوك عن ذاتك العربية فأصبحت محتاراً مترهلاً ترى الجلبي ولا ترى عزت إبراهيم ترى اوسلو ولا ترى ثورة 1936، ترى العملاء ولا ترى الرنتيسي، لقد اطفأوا لحظتك وبصيرتك فلم تعد ترى سوى أشباح وأرانب العرب، وأماتوا في روحك الحق والصهيل الاصيل.
والآن أعادتك المقاومة إلى ذاتك وقرارك وأزاحت الغلالات من أمام ناظريك وبددت الغيوم من سمائك وجعلت عقلك يستيقظ بقوة وإرادتك تستفيق بعنفوان، فلا تتقاعس عن الإمساك باللحظة ولا تبدد ما تقدمه لك المقاومة من ثراء في العقل والروح ولا تحتار بعد الآن فإن الحيرة من عمل الشيطان واليقظة من عمل الرحمن.
اجعل من الآن للمقاومة مدداً وللثوار والمقاتلين فسحة في عقلك وروحك واقرأ دروس المقاومة ولا تقرأ مزامير الهلاك والبؤس الأمريكي، ولا تقطع الحبل مع المجاهدين واجعل لهم الاستمرار في حياتك وواقعك، وإذا كان لك العذر بعدم القتال لأنه ممنوع فإن عليك واجب سداد العذر بالمساندة والمدافعة والمناهضة والممانعة.
اجعل كل يوم جديد يوماً للتفكير بالأمة وقضاياها وازهد بهذه الدنيا الفانية التي صنعها الأمريكان وتقرب من الله والمقاومة بقلبك ولسانك ويدك ولا تقنط بعد الآن لأن غزة وضعتك أمام اتساع البحر وفضاءاته الرحبة وضرع دجلة لا يزال دراراً ومدراراً والنصر دنا واقترب فارفع رأسك يا أخي العربي ولا تترك المقاومة في العراق وفلسطين وحيدة.
* عن (المجد) التي تصدر في الأردن