كاترينا تعصف بالعملاق

رشاد أبو شاور/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

قبل عقود كتب المؤرّخ والمفكّر الأمريكي بول كندي كتابه النبوئي المثير عن صعود وسقوط الإمبراطوريّات الكبرى في التاريخ، والذي تنبأ فيه بسقوط الإمبراطوريتين المعاصرتين: الاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة الأمريكيّة.

لم يحدّد بول كندي مَنْ مِنَ الإمبراطوريتين ستسقط أولاً، ولكنه بالوقائع والقرائن أكّد أنهما ساقطتين لا محالة، وفي زمن قصير نسبيّاً، وهو ما حدث، فبعد سنوات قليلة من ذلك الكتاب النبوئي سقط الاتحاد السوفياتي سقوطاً مدويّاً، ولقد أثلج هذا السقوط قلوب منظّري الإمبراطوريّة الأمريكيّة، والذين اعتبروا أن أمريكا انتصرت في الحرب الباردة، وأن فوزها المؤزّر هذا يمنحها الفرادة والتفرّد والحّق بالسيطرة على العالم تحت ادّعاء أنها هي المثال والنموذج سياسيّاً، واقتصاديّاً، وحضاريّاً (قيم الحريّة والديمقراطيّة...!)..

تناسى المنظرون الغوغائيون أن سقوط وانهيار الإمبراطوريّة السوفياتيّة كان لأسباب ذاتيّة أولاً وقبل كب شيء، وأن أسباب الخراب داخليّة..

بول كندي أكّد في أكثر من مقابلة معه، وأكثر من مقالة، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بأن الإمبراطوريّة الأمريكيّة ساقطة لا محالة ولأسباب كثيرة أهمها وأوّلها: الأسباب الأخلاقية.. فالإمبراطورية الأمريكيّة بلا أخلاق وهذا مقتلها، وهو مقتل كل الإمبراطوريّات عبر التاريخ.

افتضح أمر الإمبراطوريّة الأمريكيّة من سلسلة الأكاذيب التي مارسها قادة الإمبراطوريّة: السياسيون، والعسكريون، والأمنيون، والصحافة، ووسائط الإعلام التي افتقدت لأدنى شروط المهنة وأخلاقياتها.. في معرض تبرير الحرب العدوانيّة على العراق، ولكن ممثلي الإمبراطورية ورغم انكشاف الأكاذيب، والغرق في وحول وسبخات العراق، واصلوا مكابرتهم، وادعاءاتهم بأنهم إنما احتلّوا العراق من أجل تدمير أسلحة الدمار الشامل التي تهدد (العالم)، ولنشر الديمقراطية في العراق..

كاترينا، ويا لطرافة الاسم الأنثوي الرقيق، ضربت الإمبراطوريّة بإعصارها العاتي في مقتل، بحيث إنّ أحداث سبتمبر تبدو متواضعة أمامها، من حيث الخسائر البشريّة، والماليّة، والأهم افتضاح هشاشة ورخاوة وضعف الإمبراطوريّة القادرة على اكتساح بلدان شعوب فقيرة، متخلّفة تكنولوجيّاً، وإن كانت ثريّة بالنفط و.. القيم الأخلاقيّة!.

خمسة أيّام والمواطنون الأمريكيّون في (نيو أورلينز) عراة، مشرّدون، ضائعون، ممتهنون إنسانيّاً، يصيحون طالبين النجدّة.. وليس سوى العجز الرسمي، فالإمبراطوريّة تسخّر كل جهودها، وقوّتها، وإمكاناتها لاحتلال العراق، ونشر الديمقراطية على جثث العراقيين، وتمزيقاً لوطنهم الموحّد عبر ألوف السنين، وطنهم وطن الحضارة والقوانين، والثقافة الإنسانيّة..

الأمريكيون (الأفريكان) يرجعون التقصير الحكومي تجاههم بأنه عمل عنصري، فأهالي نيوأورلينز بأكثريتهم من السود، وهم كما قالت إحدى المواطنات: جلب أجدادهم من أفريقيا إلى أورلينز ليستعبدوا في العمل كالحيوانات في هذه الأراضي..

أعمال نهب، وحرق، وقتل، وحرائق، رغم النكبة التي حلّت بتلك الولاية ومدنها، حتّى إنّ قوّات الأمن عجزت عن حماية الأمن، مّما اضطر (الإمبراطورية) أن تستعيد ألوف الجنود من العراق وأفغانستان لحماية الأمن الداخلي، وهذه فضيحة لعجز القوّة الكبيرة عن خوض حربين في وقت واحد، حتى وإن كانت إحداهما ناجمةً عن غضب الرّب.

أهذه هي القوّة؟! وما هي القوّة؟ أهي قوّة المارينز المدججين بالأسلحة؟ أهي قوّة الصواريخ والطائرات والذخائر المنضبة؟

قوّة الأخلاق هو ما تحتاجه الإمبراطوريّة، لا أن تغتّر بتفوّقها بأسلحة الإبادة..

مواطن سيرلنكي علّق على المشاهد التي يراها على شاشة التفلزيون عن أعمال النهب والسرقة، وعن إهمال الإمبراطوريّة لمواطنيها: أنا مشمئز، متقزز مّما أراه، نحن عندما ضربنا (تسونامي) لم نسرق سائحاً واحداً، لم يعتد أحد على محل تجاري، على ممتلكات عّامة.. أهذه أميركا؟!

بول كندي قال هذا قبل المواطن السيرلانكي، وقبل زلزال سقوط الإمبراطوريّة السوفييتية، وقبل أن تبدأ الإمبراطوريّة الأمريكيّة بالترنّح؟

جورج بوش المزدهي بالانتصار المقّت على العراق، المتلاعب بمصير شعب فلسطين، مصدر الأوامر لحكّام ودول وشعوب العالم بضرورة أن يبدأوا الإصلاح فوراً و.. إلاّ.. هل سيتعلّم هو وسدنة البيت الأبيض من كاترينا؟ هل ينسحبون من بلاد العراق، ويعيدون جيوشهم إلى إمبراطوريتهم ليبدأوا الإصلاح الداخلي علّهم يؤجّلون لحظة سقوط الإمبراطوريّة المدوّي؟ هذا القرار الاستراتيجي التاريخي يقتضي وجود أخلاق، منظومة أخلاق تحكم سلوكيات أولئك الناس!..

كاترينا الغاضبة العاصفة فضحت الفقر الأخلاقي عند أولك القوم، وتبشّر بنهاية محتومة للإمبراطوريّة، سببها الخراب الداخلي، أوّل العلل وأخطرها على البشر، أفراداً، دولاً ،وإمبراطوريات..