المقاومة بالموسيقى

رشاد أبو شاور/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

تربض دبّابات (المركافا) الثقيلة، زنة 65 طنّاً حول عمارة في شارع الإرسال بمدينة (رام الله).. شارع الإرسال قديم، يحمل اسمه من هوائيات الإرسال العملاقة التي استخدمت في تقوية البث الإذاعي منذ زمن الانتداب...

في تلك البناية المحاطة بالدبابات السبع الهائلة، المثيرة للفوضى والغبار، المزعجة الهدير، يعيش فلسطيني متعلّم مثقّف، قضّى سنوات في ألمانيا حيث أتقن الألمانيّة لغة غوته، وشيلر صاحب نشيد الإنسانيّة الذي اختتم به بيتهوفن رائعته الخالدة السيمفونيّة التاسعة. الفلسطيني هذا عاش في بريطانيا وأتقن لغة شكسبير وعمل في إذاعة لندن BBC، ثمّ استقّر في رام الله ليعلّم في معهد الإعلام بجامعة (بير زيت)، وليعاني مع شعبه من الحصار الخانق، من احتلال يضع سبطانات مدافع دباباته وراء زجاج النوافذ، ويهجج العصافير والحمام من فضاء المدينة، فلا تتبقي للفلسطيني سوى مساحة صغيرة يتحرّك فيها منتظراً فجر الحريّة...

وهو داخل شقّته، قاوم عارف حجّاوي ضوضاء دبّابات الاحتلال بالموسيقى. وسّع مساحة شقّته بالموسيقى، تواصل مع العالم والإنسانيّة بالموسيقي...

الضوضاء في الخارج، الضوضاء التي بددت سكينة شوارع رام الله، الضوضاء عدوة النظام والانسجام، المستفزّة العدوانيّة تقتحم الشوارع لتتسيّد على حياة الفلسطينيين.

الفلسطيني المحشور في شقّة ضيّقة يوسّع الحياة بالموسيقى، بأعظم ما أبدعه العقل والروح الإنسانية لينظّم تواصله مع الدنيا، مع الناس في العالم الفسيح، مع كل ما يجعل الحياة أ كثر رفعة من الفوضى والضجيج والجلبة، والصخب والعنف، والعدوانيّة...

الدبابات تحشر الفلسطيني في أمتار إسمنتية وحجرية تضيق عليه بسبب إغلاق النوافذ، ودوي (الآباتشي)، وزخّات الرشاشات، وصراخ الجرحى في الشوارع، والنواح والبكاء الفلسطيني، ومروق سيّارات الإسعاف التي لا توحي بإنقاذ حياة، بل تنبئ بموت بشر...

يقاوم حجّاوي هذه الفوضى والضوضاء المعادية لروح الإنسان وانسجامه وطمأنينته بالموسيقى، لا ليستمتع حسب، بل ليجعلها رسالة أهله الفلسطينيين إلى العالم، لذا لا يكتفي بالإصغاء تزجية للوقت، بل يعمل للتغلّب على فوضى الدبابات وقبح أشكالها، يشمّر عن ساعديه ويبدأ في تحضير برنامج موسيقى كبير لتبثّه الإذاعات الفلسطينيّة الكثيرة في الضفّة وقطاع غزّة الفلسطينيين، وليستمتع به - من بعد - من يتابعون تلك الإذاعات التي يصل إرسال بعضها إلى الأردن...

يقلّب عارف حجّاوي المصادر والمراجع بحثاً عن معلومات أوفى عن أساطين الموسيقى العالميّة، عن أسرار ومكابدات وطرائف في حياتهم، أمزجتهم، ظروف كتابتهم لأعمالهم، ويدوّن كلّ شيء. ينتشي بالموسيقى، يرى باريس، برلين، فيّينا، لندن، روما، موسكو.. وهو يسبح في عالم الموسيقى التي أبدعها بشر من جنسيات مختلفة، لغاتهم مختلفة، و..إنسانيتهم واحدة، إنسانيتهم التي تجمعهم، وتصل العربي الفلسطيني المحاصر بهم.

في الخارج تجثم (المركافا) بينما دبّابات أصغر، مكعّبة الشكل قبيحة المنظر - كما يصفها عارف حجّاوي على غلاف الـ CD الذي صدر بالمختارات التي تقوّى بها على القبح والاحتلال - تذرع الشارع ليل نهار.

أنجز عارف حجّاوي في أيام الحصار سلسلة موسيقيّة، فيها مختارات من أعمال مشاهير الموسيقيين الكلاسيكيين العالميين، مع مقاطع من سيمفونياتهم، ومعزوفاتهم الذائعة الصيت، أو غير المعروفة للمتذوّق العادي.

171 قطعة موسيقيّة من أعمال 55 موسيقاراً ذائع الشهرة.. لبيتهوفن، وبرامز وكارل أورف، وموتسارت، وباغنيني، وبروكوفييف، وليست، وهايدن، وشوستاكوفتش.. ومشهورين آخرين، وأقلّ شهرة بالنسبة لنا نحن غير المتعمقين في أسرار الموسيقى، المتذوقين لها بعفوية.

يدهشنا عارف حجّاوي بالمعلومات الطريفة عن غرائب سلوكيات عمالقة الموسيقى، فبيتهوفن مثلاً يعدّ قهوته بنفسه، يشتريها، يحمّصها دون مساعدة من أحد، وهو يحمّص 60 حبّة عدداً لفنجان قهوته الصباحي.. لماذا 60 حبّة؟ لا أحد يعرف، ولكن عارف حجّاوي الذي قرأ الكثير عن بيتهوفن، وعرف مزاجه في (القهوة) ظّل ينبش في المراجع حتى عرف عدد الحبّات من إحدى المقالات الموسيقيّة الموثقة عن مزاج العبقري بيتهوفن.

بعد رحيل الدبابات الثقيلة القبيحة الفوضويّة الحضور، بثّت تلك المسلسلة من عدّة إذاعات محليّة فلسطينيّة، في برنامج باسم موسيقى وضوضاء: رحلة الموسيقى الكلاسيكيّة...

تجربة عارف حجّاوي في المقاومة الموسيقيّة جديرة أن تنقل إلى السينما في فيلم قصير يستفيد من الوثيقة ويمزجها بالحكاية الدراميّة البسيطة والعميقة، ليكون رسالة للعالم العربي، فالفلسطيني المحاصر بالدبابات يعكف على مراجع الموسيقى العالميّة باللغتين الألمانيّة والإنكليزيّة، يستقصي، ينبش، ثمّ يختار المعزوفات الغنيّة بالدلالات الإنسانيّة.. بينما الدبّابات وراء النوافذ.. رائحة وقودها الكريهة تقتحم فضاء الغرف، تلوّث الأجواء، تمتزج مع الهدير.. في حين يحلّق الفلسطيني مع إبداعات البشر...

يقاوم عارف حجّاوي وحيداً في شقّته، ثمّ يقوم بدور تثقيفي تنويري في مواجهة الدبابات التي وإن انسحبت فإنها ربّما تعود...

الفلسطيني الأعزل، بقليل من الماء والطعام، وفي فضاء شديد الضيق يواجه دبابة (المركافا) "الإسرائيلية" بـ..الموسيقى...

بالتعاون مع جامعة بيرزيت، أصدر معهد الإعلام في الجامعة (CD) يضّم هذا الجهد الخلاّق، مع تعريف بكّل موسيقار، وشرح للمختارات، وبغلاف أنيق...

في طريقه إلى السويد مرّ عارف حجّاوي بعمّان، ومعاً أنا وهو وصديقنا المهندس توفيق ارشيد زرنا دار الفارس - فرع المؤسسة العربيّة - لنلتقي بصديقنا ماهر كيّالي مدير الدار، وكان عارف يحمل كتاباً يريد نشره...

أخذنا الحديث إلى الموسيقى، فاستذكرت ما كان يقدّمه الراحل الكبير الدكتور حسين فوزي من البرنامج الثاني - إذاعة القاهرة في أيام عزّها - وكان يثقف المستمعين العرب شارحاً أسرار الموسيقى الكلاسيكيّة في حلقات جمعها في كتاب الموسيقى السيمفونيّة صدر في القاهرة منذ زمن بعيد، ولقد حرص المجمّع الثقافي في دولة الإمارات العربيّة على إصدار الكتاب في شريطين بصوت الدكتورة دريّة شرف الدين.

تحمسنا مع ماهر الكيالي لفكرة إصدار هذا العمل والجهد الكبير في كتاب، خّاصة وصديقنا عارف حجّاوي أخبرنا بأنه اختصر كثيراً من المعلومات عن الموسيقيين وظروف عملهم، وحياتهم، وما واجههم لتتناسب مع حجم برنامجه المذاع، وحجم الـCD...

رحلت دبابات (الميركافا)، وفتح الفلسطيني نوافذ بيته، فملأت موسيقى السيمفونيّة التاسعة فضاء رام الله، ومع دوّي نشيد الإنسانيّة خرج الفلسطيني إلى الشارع ليستأنف حياته من جديد، وهو ينشد مع بيتهوفن وشيلر:

أعانقكم يا ملايين البشر

هذه قبلة لكّل العالم

لا بدّ أن هناك راعياً

محباً يسكن فوق قبّة السماء

المرصّعة بالنجوم