اعتذار من سيبويه!

رشاد أبو داود/الأردن

نستأذن العرب الغارقين في سبات قومي. نعتذر من سيبويه والخليل بن احمد وبدر شاكر السياب.. نقف بخنوع أمام هارون الرشيد والمأمون والحجاج، العراق الآن يقسم. وتُخلع عنه عباءته العربية الإسلامية.

اقروا دستورا جديدا للعراق يلغي هويته وتاريخه. يحوله من دولة عربية أضاء علماؤها ذات تاريخ - عصور أوروبا الظلامية، إلى دولة عراقية تقطنها جالية عربية. دستور بإشراف الاحتلال، تكريس للتقسيم والثأر وتصفية الحسابات.

لقد مهد الاحتلال، وكان هذا هدفه الأول، لخروج الأفاعي من جحور التاريخ والتعصب. وفتح بغداد للذين كانوا يتمنون الوقوف تحت قدميها، قادمين من الشمال بعُقدهم التاريخية، لينتقموا من تاريخ العراق العربي.

الفيدرالية عنوان التقسيم لدولة جرى تفتيتها في حرب استعمارية لا أهلية. العراق ليس سويسرا. والفيدراليات التي يعتبرونها أنموذجا جاءت نتاج تراضيات أعقبت حروبا أهلية قاسية لم تفقد تلك الدول هويتها ولم تتنكر لتاريخها.

النموذج العراقي الذي يعتبره بوش مصدر الهام للديمقراطية، حسب تعبيره، ليس سوى إعادة إنتاج للطائفية والعرقية. والملايين الثمانية الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم في البرلمان لم يفرزوا صورة عراق ديمقراطي حقيقي، وعادت الكلمة (الفصل) لمرجعية واحدة تتمثل في رجل واحد..

القضية ليست قضية عرب سنة يرفضون التهميش أو غير راضين عن حصتهم من الكعكة الدامية بل قضية العراق الواحد الموحد، واقعا وتاريخا وحدودا، مكتوبة لافتاتها باللغة العربية.

لقد هتفت مظاهرات رفض الفيدرالية والدستور والتقسيم للعراق في المحافظات السنية والشيعية على حد سواء. وخرج مؤيدو صدام كما خرج أتباع مقتدى الصدر يؤكدون إصرارهم على العراق العربي.

إن مسودة الدستور العراقي وصفة للتقسيم أعدت بعناية، وهي بداية حرب أهلية دامية، "فالعرب السنة" أعلنوا عزمهم على إفشال الدستور التقسيمي بالسبل السياسية من خلال تجميع أصوات رافضة في الاستفتاء المقرر منتصف تشرين الأول المقبل، إذا نجحوا فإن العراق كله سيدخل في أزمة سياسية، كما يتوقع (فلينت ليفيريت) الخبير في (معهد بروكتفر انستتيوشن) بواشنطن، وإذا فشلوا في إسقاط الدستور فإن المقاومة العراقية ستأخذ طابعاً سنياً علنياً، ما يعني أن الحرب الأهلية ستكون هي الأخرى علنية وحارقة.

والحرائق لا تعرف الحدود، وسوف تتطاير شراراتها إلى الدول المجاورة التي طالما حذرت من تقسيم العراق. ومع كل تحذير كانت أمريكا تكذب وتطمئن: لا تخشوا.. لا تقسيم.

إن ما حذر منه النائب البريطاني جورج غالوي من أن سايكس - بيكو جديدة تجري الآن ضد الأمة العربية تبدأ الآن من العراق، تفتيت آخر لما هو مُفتت أصلاً. ودول قادمة ستحمل أسماء وحدود مدن وحارات لكل علمها ونشيدها الوطني وحكومتها المستقلة.

عندها، لن يجدي اعتذار، ولن ينفع أحداً خراب البصرة والكوفة.