المفاجأة الباكستانية.. ومخاطر التطبيع الزاحف!
عبد المالك سالمان/كاتب وباحث في العلوم السياسية من مصر
شكل الإعلان عن عقد اجتماع بين وزيري خارجية كلٍ من باكستان و"اسرائيل" في اسطنبول بتركيا في الأول من سبتمبر 2005 مفاجأة سياسية ودبلوماسية، مهما قيل عن تمهيد لذلك من خلال إعلان الرئيس الباكستاني برويز مشرف عن "استعداده لمخاطبة المؤتمر اليهودي الأمريكي" خلال تواجده في نيويورك لحضور القمة العالمية للأمم المتحدة المخصصة لإصلاح المنظمة الدولية. وهي مفاجأة سياسية أيضاً رغم ما قيل عن اتصالات أو قنوات اتصال تمت خلال السنوات القليلة الماضية بصورة سرية في عواصم أوروبية وغيرها بين دبلوماسيين باكستانيين و"اسرائيليين"، وطبعا بتشجيع من الولايات المتحدة الأمريكية.
والمفاجأة تعود بالأساس لأن باكستان تمتلك رصيدا تاريخيا طويلا في مناهضة الاعتراف "باسرائيل"، حتى أن مؤسس دولة باكستان الحديثة الزعيم التاريخي محمد علي جناح نقل عنه إبان إعلان قيام "الدولة العبرية" عام 1948 أن باكستان لن تعترف "باسرائيل" حتى لو اعترفت الدول العربية بها. كما أن باكستان ثاني أكبر دولة إسلامية والتي أسست هويتها الوطنية والقومية على أساس الدين الإسلامي، يتمتع شعبها برصيد هائل من الكراهية والعداء "لاسرائيل" والحركة الصهيونية ويعتبرها الباكستانيون مغتصبة لفلسطين وللقدس الشريف والمسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين، وهناك قوى سياسية وأحزاب وتيارات إسلامية عريضة في باكستان تعتبر أن جزءاً أساسياً من الشرعية السياسية لأي نظام حاكم في باكستان إنما يكمن في مناهضته للسياسات "الاسرائيلية" وتأكيد التضامن الكامل للشعب الباكستاني مع القضية الفلسطينية ورفض الاعتراف "باسرائيل". ولذلك، كانت المفاجأة حقاً هي في إقدام الرئيس الباكستاني برويز مشرف على هذه المغامرة أو المقامرة السياسية الخطيرة ببدء إجراءات الاعتراف السياسي والتطبيع العلني مع "اسرائيل" رغم معرفته الجيدة بحقيقة مشاعر الشارع السياسي والشعب الباكستاني تجاه "اسرائيل"، وكيف يمكن لمثل هذه الخطوة الخطيرة سياسيا أن تؤلب عليه نيران غضب القوى والتيارات الإسلامية في داخل باكستان، في وقت يعاني نظامه بالفعل من متاعب وصعوبات جمة مع هذه التيارات في ضوء قراره بوضع قيود على أنشطة المدارس الدينية في باكستان في الآونة الأخيرة، وذلك في إطار تجاوبه مع الضغوط الأمريكية بشأن الحرب على الإرهاب وضرورة إتباع سياسات لاجتثاث جذور ثقافة التطرف الديني وتغيير المناهج التعليمية.. الخ. وبالتالي، فلم يكن برويز مشرف بحاجة إلى تأجيج مناخ الصدام السياسي مع الجماعات والتيارات الإسلامية في باكستان بالإقدام على تجاوز (خط أحمر) وتابو تاريخي أو جزء من المحرمات التقليدية في السياسة الباكستانية عبر الإقدام على بدء خطوات سياسية للتطبيع والاعتراف "باسرائيل" من خلال اجتماع اسطنبول بين وزيري خارجية باكستان و"اسرائيل". ولم يعد خافيا أن كثيراً من المراقبين في باكستان وخارجها باتوا يحذرون من النتائج الوخيمة لهذه المغامرة السياسية التي أقدم عليها مشرف، وأصبحوا يرجحون أن يدفع مشرف ثمناً باهظاً لهذه الخطوة ربما يصل إلى محاولة اغتياله.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، بدأت التداعيات الخطيرة للتطبيع الباكستاني الرسمي مع "اسرائيل" في الظهور، حيث قررت القوى الإسلامية بدء مسيرة تحرك سياسي طويل من أجل إسقاط مشرف سوف يتم تدشينه يوم 9 سبتمبر 2005 بالإعلان عن تنفيذ إضراب شامل في باكستان من أجل إسقاط حكومة مشرف، ناهيك عن الاحتجاجات الهائلة التي أعقبت اجتماع اسطنبول وتمثلت في مظاهرات ضخمة اندلعت بعد صلاة الجمعة في معظم أرجاء باكستان في اليوم التالي لاجتماع اسطنبول بين خورشيد قاصوري وسالفان شالوم وزيري خارجية باكستان و"اسرائيل". وقد حاولت حكومة مشرف تبرير هذه الخطوة التطبيعية بالقول أنها جاءت في أعقاب الانسحاب "الاسرائيلي" من غزة الذي سوف يقود إلى بناء دولة فلسطينية، كما أنها حصلت على مباركة من عواصم عربية وإسلامية بما فيها القيادة الفلسطينية لعقد اجتماع اسطنبول. وبالطبع، فان كل هذه الذرائع والحجج ما هي إلا محاولات تبريرية قاصرة، لأن المحرك الأساسي للخطوة الباكستانية ليس التشجيع على إقامة الدولة الفلسطينية، ولكن حسابات مصلحية باكستانية من وجهة نظر نظام مشرف تتعلق بالتصور الباكستاني للعلاقة مع محور أمريكا – "اسرائيل" - الهند، ولم يكن الانسحاب من غزة سوى ذريعة لمحاولة أن تعيد إسلام أباد بلورة توجهاتها السياسية والاستراتيجية باتجاه تعزيز موقعها على محور العلاقات الأمريكية – "الاسرائيلية" - الهندية. فالخطوة الباكستانية هي استجابة مباشرة للضغوط الأمريكية الرامية إلى تحقيق الهدف السياسي والاستراتيجي "الاسرائيلي" بالتطبيع الكامل مع الدول العربية والإسلامية، وإنهاء عزلة "اسرائيل" في المحيط العربي والإسلامي. وتقوم الرؤية الباكستانية على محاولة التصدي للتقارب الهندي – "الاسرائيلي" الذي شهد طفرات نوعية منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي وصلت في إحدى المراحل إلى أن تقارير استخباراتية تحدثت في نهاية التسعينيات عن تنسيق هندي – اسرائيلي" للقيام بضربة جوية وصاروخية مشتركة لتدمير المفاعلات النووية الباكستانية والقضاء على خطر القنبلة النووية الباكستانية التي تشكل تهديدا للأمن القومي في كل من الهند و"اسرائيل" وذلك في المنظور الاستراتيجي الهندي و"الاسرائيلي". إذ تعتبر "اسرائيل" أن القنبلة النووية الباكستانية، بمثابة "قنبلة إسلامية" يمكن أن تشكل في أي مرحلة تهديدا للأمن "الاسرائيلي". غير ان هذه المخاوف "الاسرائيلية" تراجعت تماما بعد أن حصلت أمريكا على ضمانات من باكستان بان القنبلة الباكستانية لن توجه لتهديد "اسرائيل"، وأنها تستخدم فقط لتحقيق "الردع النووي" مع الهند. لكن باكستان ظلت قلقة من تنامي التعاون الاستراتيجي وخاصة في المجالات العسكرية بين الهند و"اسرائيل" والذي يتم بمباركة أمريكية، ولهذا سعت إلى الدخول على خط هذه العلاقة عبر إحداث نوع من التوازن بإقامة جسور من التواصل مع "اسرائيل" بهدف التخفيف من التأثير الاستراتيجي للعلاقات الهندية – "الاسرائيلية" على وضع باكستان. يضاف إلى ذلك أن باكستان تسعى بكل قوة في عهد مشرف إلى الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع أمريكا، وضمان استمرار التأييد الأمريكي لنظام مشرف وخاصة في مواجهة المعارضة المتزايدة له في الداخل وخاصة في صفوف التيارات الإسلامية، ولا شك أن التقارب مع "اسرائيل" سوف يجعل واشنطون تقف بكل قوة لدعم بقاء مشرف في الحكم. ولكن ليس مؤكداً رغم كل هذه الحسابات، أن تتمكن خطوة مشرف بالتطبيع العلني مع "اسرائيل" من الحفاظ على استقرار نظامه السياسي في الداخل، في ظل تزايد موجات الغضب الشعبي المناهضة لسياساته والتي زادها التقارب مع "اسرائيل" تأججاً واشتعالاً.
لكن من جانب آخر، يمكن القول أن النجاح "الاسرائيلي" في اختراق الجبهة الباكستانية الصلدة على صعيد التطبيع، سوف تكون له اثار وخيمة على مستقبل القضية الفلسطينية ولاسيما إذا صحت التوقعات "الاسرائيلية" بأن عشر دول عربية سوف تحذو قريباً حذو باكستان في الإقدام على خطوات تطبيعية مع "اسرائيل"، بعد الانسحاب من غزة.
فالحقيقة الساطعة أن "اسرائيل" لم تقدم على الانسحاب من غزة في إطار توجه من حكومة شارون لانجاز سلام شامل في المنطقة أو الوصول إلى تسوية تاريخية للقضية الفلسطينية، بل على النقيض من ذلك فان العكس هو الصحيح. فأهداف شارون من الانسحاب من غزة كما أعلن عن ذلك مستشار شارون نفسه منذ عدة أشهر خلت، هي التخلص من عبء احتلال غزة في ظل المقاومة الفلسطينية الضارية هناك، واستخدام الانسحاب من غزة كغطاء لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية واستكمال مخطط تهويد القدس الذي يشكل الجدار العازل رأس حربة "اسرائيلي" لتنفيذه، فضلا عن ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة في القدس والضفة إلى "اسرائيل"، والتي حصل شارون على ضمانات أمريكية من إدارة بوش بتأييد ذلك. وبالتالي، فأن الانسحاب من غزة ليس خطوة على طريق إقامة الدولة الفلسطينية، بل على النقيض من ذلك هو بداية مخطط جهنمي صهيوني لتصفية القضية الفلسطينية ذاتها، والإجهاز على الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلة على أراضي الضفة وغزة والقدس المحتلة في إطار حدود 1967. ولا ننسى أن الانسحاب من غزة قد تم في إطار أحادي ومن جانب واحد، هو الجانب "الاسرائيلي"، الذي رفض باستمرار أي تنسيق مع الجانب الفلسطيني بشأن الانسحاب وتداعياته، مما يعكس استهتارا بالطرف الفلسطيني ورفضا للاعتراف بحقوقه المشروعة أو أهليته السياسية كشريك لانجاز سلام شامل في المنطقة، ناهيك عن أن الانسحاب من غزة لا يعني ضمان استقلال القطاع الذي ستتحكم "اسرائيل" في كل أجوائه ومعابره ومياهه الإقليمية، فضلا عن إمكانية إعادة اجتياحه عسكريا من جانب "اسرائيل" في أي وقت. ولذلك، فان استغلال الانسحاب من غزة كذريعة للإقدام على خطوات تطبيعية وفق المنظور الأمريكي لتشجيع "اسرائيل" على القيام بمزيد من التنازلات والسير قدما في طريق السلام، هي في تقديرنا حجة متهافتة هدفها إعطاء "اسرائيل" جائزة ثمينة وكبيرة "التطبيع مع العالم العربي والإسلامي" مقابل خطوة محدودة وجزئية هي الانسحاب من غزة، في حين أن الملفات الكبرى للقضية الفلسطينية مازالت عالقة أو معلقة ومجهولة المصير مثل مصير القدس المحتلة والمقدسات الإسلامية وخاصة المسجد الأقصى فيها واللاجئين والانسحاب من الضفة والمياه والحدود وغيرها. إن الدول العربية التي أعلنت "مبادرة السلام العربية" في قمتي بيروت والجزائر، والتي تربط أي إجراءات تطبيع باستكمال الانسحاب "الاسرائيلي" من الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية، سوف ترتكب خطأ كبيراً إذا أقدمت على خطوات تطبيعية مع "اسرائيل" مقابل الانسحاب من غزة لأنها سوف تساعد "اسرائيل" وشارون على تنفيذ مخطط تصفية القضية الفلسطينية.
كذلك، فإن الدول الإسلامية، وفيها باكستان تتحمل مسئولية دينية وسياسية وتاريخية خاصة بشأن العمل لاستعادة القدس السليبة والمقدسات الإسلامية وخاصة المسجد الأقصى. ولا شك أن قيام دول إسلامية مثل باكستان بالتطبيع مع "اسرائيل" أو الاعتراف بها وإقامة علاقات دبلوماسية أو تعاون من أي نوع فيما المسجد الأقصى مازال أسيراً تحت حراب المحتل الصهيوني، يشكل خطأ تاريخياً فادحاً في حق الإسلام والأمة الإسلامية، كما أن هذا سوف يضعف موقف المفاوض الفلسطيني في قدرته على استعادة هذه الحقوق والمقدسات السليبة، لأن التطبيع مع العالم العربي والإسلامي هو أحد الأوراق المهمة والكبرى التي مازالت تشكل رصيدا للقضية الفلسطينية. وإذا تم تبديد ورقة التطبيع قبل تحرير المسجد الأقصى، فما الذي سوف يدفع "اسرائيل" لتتخلى عن أطماعها التوسعية في تهديد القدس، وربما مستقبلا هدم المسجد الأقصى لإقامة الهيكل اليهودي المزعوم على أنقاضه؟ إن مصلحة القضية الفلسطينية تقتضي وقف عجلة توجهات التطبيع المجانية الزاحفة إلى داخل العواصم العربية والإسلامية، كما أن استمرار خطوات التطبيع سيشكل انتصار للرؤية والاستراتيجية الصهيونية التي سعت دوما إلى تفكيك التلاحم والتضامن العربي والإسلامي مع القضية الفلسطينية، وعزلها في النهاية لتصبح قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، ويتم حرمانهم من عمق التضامن العربي والإسلامي مع قضيتهم. ومن هنا الخطورة البالغة للانجراف في إجراءات التطبيع لمجرد قيام "اسرائيل" بالانسحاب من غزة في حين أن المخطط الصهيوني هدفه استغلال هذا الانسحاب لتصفية القضية الفلسطينية، واختزال حلم الدولة الفلسطينية إلى دويلة محاصرة معتقلة في داخل قطاع غزة تحت الوصاية "الاسرائيلية". إن الدول العربية والإسلامية مطالبة بتحمل مسئولياتها التاريخية لمساندة الشعب الفلسطيني حتى نيل حقوقه المشروعة إلى النهاية، خاصة أن القضية الفلسطينية هي قضية عربية وإسلامية فلا ننسى أن تحرير الأقصى ليس مسئولية الفلسطينيين وحدهم بل مسئولية كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وان منظمة المؤتمر الإسلامي قامت احتجاجا على محاولة حرق المسجد الأقصى عام 1969 تحت أسر الاحتلال الصهيوني.
فهل سيواصل العرب والمسلمون تحمل مسئولياتهم أم أن الضغوط الأمريكية ستنجح في جعل "اسرائيل" تدخل إلى العواصم العربية والإسلامية على حساب القضية الفلسطينية وتحرير القدس والأقصى ثالث الحرمين الشريفين؟!