إصلاح الأمم المتحدة.. بين الطموحات والأوهام!

عبد المالك سالمان/كاتب وباحث في العلوم السياسية من مصر

ستحتفل الأمم المتحدة في دورة سبتمبر (أيلول)السنوية هذا العام بمرور 60 عاما على نشأتها (1945 - 2005م)، وبهذه المناسبة سوف تنعقد قمة عالمية في الأمم المتحدة لزعماء ورؤساء حكومات نحو 191 دولة عضوا في المنظمة الدولية يومي (14 - 16 سبتمبر (أيلول) 2005).

وسوف تكتسي هذه القمة أهمية خاصة لأنها تعقد أيضا بمناسبة مرور 5 سنوات على انعقاد قمة الألفية بالأمم المتحدة عام 2000، التي أصدرت إعلان الألفية الشهير، الذي كان يرمي إلى إعطاء دفعة لدور الأمم المتحدة في النظام الدولي في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين.. لذلك فإن القمة العالمية في الأمم المتحدة في سبتمبر سوف تكون منوطة بمهمتين أساسيتين:

الأولى: هي مراجعة مدى التقدم والالتزام في تنفيذ قرارات قمة الألفية.

والثانية: بحث كيفية تطبيق مشروع إصلاح الأمم المتحدة الذي كانت قمة الألفية، قد دعمته وشجعت عليه، خاصة بعد أن أنهت (لجنة الحكماء) التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان قبل عامين أعمالها، وقدمت تقريرها إلى أنان الذي سوف يرفع معه رؤيته في ضوء هذا التقرير لكيفية إصلاح الأمم المتحدة، وهي القضية التي احتدم حولها الجدل منذ فجر التسعينيات من القرن الماضي إثر انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، وتزايد التطلعات وتأجج الطموحات نحو إحداث إصلاحات بالأمم المتحدة لمواجهة عصر ما بعد انتهاء الحرب الباردة.

لكن، رغم كل هذه الآمال والتطلعات والطموحات، والحشد الدولي المتوقع لمناقشة مشروع إصلاح الأمم المتحدة في القمة القادمة إلا أن التوقعات الواقعية تشير إلى أن مشروع إصلاح الأمم المتحدة فيما يبدو سوف يظل يراوح مكانه، كما أن تفعيل دور الأمم المتحدة في مواجهة التحديات الجديدة سوف يظل محدودا وذلك في ضوء الأسباب والمعطيات التالية:

أولا: إن موقف الولايات المتحدة الأميركية القوة العظمى والقطب الأوحد في النظام العالمي الراهن، ليس متحمسا لإصلاح الأمم المتحدة، ويتحدث عن إصلاحات جزئية وتوجهات تصب في مصلحة الرؤية الأميركية فقط، وهي رؤية تشهد معارضة عالمية متعاظمة.

ويلفت النظر أن المندوب الأميركي الجديد لدى الأمم المتحدة جون بولتون سارع إلى تقديم مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تعترض أو تتحفظ على نحو 750 نقطة بشأن المقترحات التي قدمها الأمين العام ولجنة الحكماء فيما يتعلق بمشروع إصلاح الأمم المتحدة، ويدعو إلى إدخال تعديلات عليها.

وإلى إن يتم بحث ومناقشة هذه التعديلات الأميركية الـ 750 يمكن القول ان وقتا كثيرا سوف يهدر، وهذا يعني أن أميركا ستعترض على أي وثيقة لإصلاح الأمم المتحدة لا تحظى بقبولها.

كما أن الأطراف الدولية الأخرى لا يمكنها أن تمرر وثيقة إصلاح لا تحظى بموافقة أميركا بلد المقر (نيويورك) والمساهم الأكبر في ميزانية الأمم المتحدة والقطب الأوحد في النظام العالمي.

ومن هنا فالأرجح هو الاتجاه إلى مزيد من التأجيل لمشاريع إصلاح الأمم المتحدة في ظل غياب الحماس او التأييد الأميركي لهذا الهدف.

ولعل من سوء حظ الأمم المتحدة، انه في الوقت الذي اتجه العالم فيه إلى تأييد اتجاهات إصلاح الأمم المتحدة كما ظهر ذلك خلال قمة الالفية عام 2000، فإن إدارة جديدة قد وصلت إلى الحكم في البيت الأبيض الأميركي وهي إدارة بوش التي يهيمن عليها تيار (المحافظين الجدد) في اليمين الأميركي الذي يكن عداء رهيبا للأمم المتحدة، وينظر إليها بازدراء وتجاهل ويعتبرها تشكل قيدا على حركة الولايات المتحدة الأميركية في الإطار الدولي، ويدعو باستمرار إلى تجاهل المنظمة الدولية، وأكثر من هذا فإن رموز تيار المحافظين الجدد مثل ريتشارد بيرل وجون بولتون وولفوويتز يدعون صراحة إلى تحطيم الأمم المتحدة وإنهاء وجودها.

وفي هذا السياق، فإن لجون بولتون السفير الأميركي الجديد في الأمم المتحدة آراء واضحة معادية للمنظمة الدولية حيث يعتبر انه (لا يوجد في الأصل شيء اسمه الأمم المتحدة) ويدعو إلى أن تصبح أميركا هي العضو الوحيد في مجلس الأمن الدولي باعتبارها القوة العظمى المهيمنة.

وقد كان إصرار إدارة بوش على تعيين بولتون سفيرا لدى الأمم المتحدة رغم اعتراض الكونغرس على ذلك، ورفضه إقرار تعيينه، يمثل دليلا واضحا ورسالة لا تخطئها العين برغبة الولايات المتحدة في تحدي الأمم المتحدة أو الانتقام منها وعرقلة مشاريع تطويرها وإصلاحها بدليل التعديلات الـ 750 التي قدمها بولتون غالى كوفي أنان بشأن إصلاح الأمم المتحدة.

فلقد ساءت العلاقات بين أميركا والأمم المتحدة منذ أن فشلت أميركا وبريطانيا في نيل موافقة مجلس الأمن على قرار شن الحرب ضد العراق عام 2003م، وتم اعتبار تلك الحرب باعتبارها حربا شرعية، وهو ما أكده الأمين العام للأمم المتحدة ذاته كوفي أنان في تصريحات لاحقة أثارت غضبا أميركيا حادا.

ويسود أوساط كثيرة في إدارة بوش والحزب الجمهوري الأميركي الحاكم والكونغرس شعور بأن الأمم المتحدة التي ترفع مبادئ احترام القانون الدولي تمثل قيودا على حرية أميركا، ولا ترغب السلطات الأميركية في الامتثال لأي قانون خارج القانون الأميركي ذاته.

ولذلك تشكل توجهات الأمم المتحدة نحو احترام القانون الدولي مصدر قلق وامتعاض ونفور لدى السلطات الأميركية تجاه الأمم المتحدة.

وقد تجسد ذلك بجلاء من خلال رفض أميركا الانضمام إلى محكمة الجزاء الدولية التي نشأت في كنف الأمم المتحدة وتعمل على محاكمة الجرائم ضد الإنسانية ومجرمي الحرب، وعمرت أميركا إلى الالتفاف على إجراءات هذه المحكمة الدولية عبر توقيع اتفاقيات مع الدول وخاصة تلك التي تتلقى مساعدات من أميركا تقضي بموافقتها على إعفاء المواطنين الأميركيين من المثول أمام محكمة الجزاء في حال ارتكابهم جرائم حرب، واعتبار ذلك شرطا لاستمرار تدفق المعونات إلى تلك الدول النامية والفقيرة، وهو إجراء يطبقه الكونغرس الأميركي، وقد لقي انتقادات دولية واسعة لأنه يحاول أن يعطي الأمريكان وخاصة من يرتكبون جرائم الحرب حصانة ومكانة فوق الجميع ووضعا استثنائيا فوق كل دول العالم. وهذا الاتجاه الأميركي الاستعلائي يتعزز في ظل هيمنة المحافظين الجدد على القرار الأميركي.

ثانيا: إن من أبرز التوجهات لإعادة هيكلة الامم المتحدة هو السعي الى إعادة تشكيل مجلس الامن الدولي، بحيث يضم عددا جديدا من الدول تتمتع بعضوية دائمة في مجلس الامن أسوة بالخمسة الكبار الذين يتمتعون بحق الفيتو وهم: أميركا وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين.

حيث يرى الكثيرون انه من الإجحاف أن يبقى التشكيل الراهن لمجلس الأمن على حاله بعد مرور أكثر من نصف قرن على إنشاء الأمم المتحدة، وأنه لا بد إن يتضمن تشكيل مجلس الأمن الذي يمثل قمة القرار الدولي في مسائل الحرب والأمن والسلام ترجمة للقوى الدولية المؤثرة والصاعدة التي تبلورت خلال النصف الثاني من القرن الماضي، فضلا عن توسيع نطاق المساهمة في القرار الدولي لتشمل دول العالم الثالث والقارات النامية مثل: أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا.

وفي هذا الإطار، تدور الاقتراحات حول ضرورة إعطاء كل من اليابان وألمانيا والهند والبرازيل صفة العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة إلى ممثل للقارة الأفريقية.

وقد شكلت كل من اليابان وألمانيا والهند والبرازيل تحالفا مشتركا أطلقت عليه (لجنة الأربعة) من أجل العمل بشكل مشترك من أجل نيل العضوية الدائمة بمجلس الأمن الدولي، وترك لأفريقيا أمر اختيار من يمثلها، ولكن هناك مشكلات وتحديات كبيرة تواجه مشروع توسيع عضوية مجلس الأمن، فأميركا تعترض من حيث المبدأ على منح دول أخرى حق النقض (الفيتو) وتعتبر ذلك سوف يعرقل ويضعف القدرة على الاتخاذ القرار داخل مجلس الأمن، ولهذا هي تدعو إلى منح بعض الدول العضوية الدائمة في مجلس الأمن ولكن من غير منحها حق استخدام الفيتو.

في حين أن الدول المرشحة لدخول مجلس الأمن تتطلع إلى استخدام هذا الحق لتأكيد مكانتها الدولية وجدارتها في صنع القرار العالمي.

ولذلك يدور جدل كبير حول من سيكون له الحق في الحصول على امتياز استخدام حق النقض أو الفيتو، وتثار هنا كذلك تحفظات على منح دولة نامية أو افريقية حق امتلاك الفيتو، وتعتبر دوائر أميركية وغربية احتمال امتلاك دولة افريقية لحق الفيتو في مجلس الأمن بمثابة نوع من العبث السياسي، وأقصى ما يمكن قبوله ـ في رأيهم ـ هو منح أفريقيا مقعدا أو مقعدين لدولتين عضوتين دائمتين في مجلس الأمن ولكن من غير التمتع بامتياز استخدام الفيتو في القارة الأفريقية ذاتها يدور جدل كبير حول من يمتلك الصلاحية لتمثيل أفريقيا في مجلس الأمن وتنحصر المنافسة بين كل من جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر.

وفي حين تحظى جنوب إفريقيا بشبه إجماع دولي على أهليتها لتمثيل أفريقيا في مجلس الأمن حيث ينظر إليها في أوروبا وأميركا على أنها تمثل امتدادا بشكل أو بآخر للحضارة الغربية بحكم وجود السكان البيض ذوي الأصول الأوروبية في جنوب أفريقيا، فضلا عن تقدمها الصناعي والاقتصادي، ووجود رغبة مكافأة جنوب أفريقيا على قرارها الطوعي بالتخلص من أسلحتها النووية في مطلع التسعينيات.

غير انه في المقابل هناك صراع محتدم بين مصر ونيجيريا حول من تكون له الأحقية في المقعد الأفريقي الثاني، ونشبت في الآونة الأخيرة ملاسنات كلامية بين البلدين، وتطالب مصر بتمثيل العرب والأفارقة في شمال القارة، وتعتبر نيجيريا أنها أكبر الدول الأفريقية سكانا ولا تريد التنازل عن أهليتها للعضوية الدائمة، والأرجح أن الخلافات الأفريقية ستستمر ولن يتم الاتفاق على رؤية مشتركة في هذا الشأن.

وسوف ينعكس ذلك على المداولات بشأن إعادة هيكلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

كما أن مشروع الأمين العام كوفي أنان لتوسيع العضوية في مجلس الأمن يتعرض لانتقادات لان توسيع العضوية في المجلس سوف يؤدي إلى مزيد من بطء اتخاذ القرار في المجلس وتعقيد عملية صنع القرار، كما أن منح أعضاء جدد حق الفيتو سوف يوسع من احتمالات عرقلة اتخاذ القرار.

وتؤيد أميركيا منح اليابان العضوية الدائمة باعتبارها حليفا موثوقا، فضلا عن مساهمة اليابان بـ 20% من ميزانية الأمم المتحدة، ولكن بعد المعارضة الألمانية للقرار الأميركي بشن الحرب ضد العراق لم تعد أميركا متحمسة لمنح ألمانيا العضوية الدائمة خشية زيادة القوى المناهضة للسياسات الأميركية داخل مجلس الأمن.

وبالتالي فالأرجح أن محاولات ضم أعضاء جدد إلى مجلس الأمن الدولي سوف تشهد جدلا محتدما في القمة القادمة للأمم المتحدة، والمتوقع ألا يتم الاتفاق على شيء محدد في هذا الشأن وان يتم ترحيل وتأجيل مشروع توسيع مجلس الأمن مرة أخرى.

ثالثا: من الموضوعات المثيرة المطروحة على جدول أعمال قمة الأمم المتحدة المقبلة محاولة التوصل إلى تعريف دولي للإرهاب وسط جدل دولي حول ذلك وعجز كبير عن التوصل إلى توافق في هذا الشأن بسبب إصرار أميركا على فرض رؤيتها لتعريف الإرهاب بما يناهض ميثاق الأمم المتحدة ذاته الذي يعطي الشعوب التي تتعرض بلدانها لعدوان أو غزو أو احتلال خارجي الحق في مقاومة المحتل أو المستعمر في حين تنظر أميركا إلى المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني او المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي باعتبارهما من الأعمال الإرهابية.

وهو ما لا تقبله الكثير من بلدان العالم الثالث، الأمر الذي سيرجح الفشل في التوصل إلى تفاهم أو اتفاق دولي على تعريف الإرهاب ومن ثم عجز الأمم المتحدة عن بلورة سياسات مشتركة تجاه هذا الخطر الإرهابي الذي أصبح في صدارة أجندة السياسة العالمية.

رابعا: يلاحظ أن الموقف الأميركي كما بدا من ملاحظات بولتون إلى كوفي أنان، يتمثل في رغبة أميركا بالتوجه الى إلغاء توصيات ومقررات قمة الألفية عام 2000م بشأن دور الأمم المتحدة في مكافحة الفقر، ومساعدة الدول النامية في جهودها في إطار التنمية، وهذا الموقف سوف يثير سخط وغضب دول العالم الثالث مما يجعلها تتجه للتصويت في الجمعية العامة وهي تمتلك الأغلبية الساحقة ضد أي توجهات تؤدي إلى الإضرار بمصالح الدول النامية رغم ما يمكن أن تتعرض له من ضغوط من جانب أميركا.

وبالتالي فالأرجح أن القمة القادمة سوف تشهد المزيد من إبداء الآمال والتطلعات والأحلام والطموحات نحو الإصلاح، لكن القدرة على تحقيق الإصلاح فعلا ستظل مجرد أوهام، لأن القوة الدولية الرئيسية في عالم اليوم وهي أميركا تجد في التوجهات الإصلاحية للأمم المتحدة ما يشكل قيودا على سياساتها وإضرارا بمصلحتها الرامية إلى تكريس هيمنتها على القرار الدولي والنظام العالمي، كما أن أميركا سوف تعمل على عرقلة أي توافق دولي حول إجراءات معينة للإصلاح إذا لم يكن يحظى بموافقتها أو يتفق مع مصالحها وتوجهاتها وهذا هو سر المأزق الكبير الذي يواجه الطموحات الرامية إلى إصلاح الأمم المتحدة، الأمر الذي يجعلنا أمام مسلسل جدل طويل دون أي آفاق واضحة لانجلاء الصورة والاستقرار على رؤية واضحة نحو إصلاح الأمم المتحدة وتدعيمها كضرورة أساسية من أجل بناء غد أفضل للإنسانية جمعاء.