النفاق السياسي ناجم عن ثقافة متدنية

الدكتور غالب الفريجات/الأردن

تنتشر ثقافة النفاق السياسي في أوساط المجتمعات التي تتميز بالتخلف على الرغم من مستوى التعليم في هذه المجتمعات لان التعليم ليس بالضرورة أن يقود إلى ثقافة حضارية وهذا النوع من الثقافات مدمر للعلاقات الإنسانية وأواصر الترابط الاجتماعي والوطني لأنه يولد حجما من عدم الثقة في أوساط المجتمع تقف عائقا في سبيل تطوره لأن أولى خطوات التطور أن تتوفر في المجتمع عناصر الثقة ما بين مكونات هذا المجتمع.

أطراف النفاق السياسي ثلاثة: النظام السياسي، والطبقة السياسية، والجمهور.

إن النظام السياسي مسؤول عن الثقافة السائدة في المجتمع، فهو على الأقل الذي يدير العملية التعليمية والثقافية الرسمية في المجتمع، وهو من يسعى جاهدا لحشد الناس وراء سياساته، لا يهمه أن كان تأييد الناس بالاقتناع أو بالرياء والخوف، فهو المسؤول عن ثقافة الكذب السائدة في المجتمع، لأنه يسعى لحشد المتسلقين والانتهازيين، وهو لا يرى في الفئات السياسية والثقافية النقية والنظيفة إلا خطرا عليه، فيسعى جاهدا لإقصائها عن مواقع التأثير في الحياة العامة، لأنها  في نظره معادية لممارساته وسلوكياته، التي تأبى إلا أن تكون هي الصحيحة والمقدسة، ولا يجوز معارضتها أو التقابل معها.

الطبقة السياسية أو فئة المثقفين المحسوبين على السلطة، هؤلاء هم الأداة التنفيذية لسياسات النظام السياسي، وهم الذين يقومون على تدمير الحياة الاجتماعية وتشويه صورة المجتمع، فهم القائمون على تبرير الممارسات اللاخلاقية للنظام، وهم المدافعون عن ممارسات الإقصاء للفئات النقية عن ممارسة دورها في المجتمع وحتى في الحياة، وقد استطاع النظام السياسي تجنيد أصحاب الأقلام الانتهازية المنافقة وأصحاب الشهادات الكرتونية، فلا غرابة بالإضافة إلى الوزير والنائب في البرلمان أن تجد عضو هيئة تدريس في جامعة، او حتى رئيس جامعة يدبج المقالات التي تقطر نفاقا وكذبا دون أن يرف له جفن، وهو يعلم أن كثيرا من الناس يحتقرون فيه هذه الممارسات، وتجده في كثير من الأحيان يشكو في سره وللآخرين انه لم يأخذ حقه في المواقع المتقدمة، وقد تم إقصاءه لسنين طويلة، وتعجب من مثل هذا الكذب، لأنه لو كان صادقا لما كان في هذا الموقع الذي يحتله، أو أنه ساذج حد الغباء، لأن كثيرا من الأنظمة السياسية، تلعب بأزلامها وتتعامل معهم، كما يقول البعض، كما يتعامل الفرد مع المحارم الورقية لا تلقي بها بعد استخدامها أول مرة، بل تتركها جانبا حتى يتسنى لها استخدامها مرة ثانية.

هذه الفئة من السياسيين والمثقفين تتصف بالجبن والكذب، فهم لا يملكون الجرأة في التأشير على ممارسات النظام الخاطئة، لأنهم يخشون من ان يفقدوا المواقع التي احتلوها بمنة من النظام،  وهم في الغالب من غير المؤهلين علميا ومسلكيا، أما صفة الكذب فأنها ناجمة عن عدم قدرة هذه الفئة من أداء دور مستقل، فكل فرد فيها يعلم أن صناعة القرار لديه مرهونة بيد أطراف أخرى، لها دور في استمرارية وجوده في هذا الموقع او ذاك.

التربية التي أخذت تنهش جسد الطبقة السياسية والثقافية الموالية للسلطة، بل المنبطحة تحت أقدام السلطة، ولدت فئات لا حول لها ولا قوة في الواقع،  ولكنها شديدة التنافخ في الظاهر، بأن لها وزن وهي فاقدة لهذا الوزن، لأنها حتى في المواقع السياسية والأكاديمية التي تحتلها غير قادرة على أداء دورها الفعلي، وهي تحاول جاهدة أن تكذب على الناس بالأعمال البهلوانية وتدبيج المقالات التبريرية، لتقول أنا موجود وهي في واقع الأمر فاقدة لمعايير الشخصية العملية والفعلية، عند أداء الدور المناط بها في محيط وظيفتها، وعلى وجه التحديد في عملية صناعة القرار، مما يشاهده الناس من ممارسات غير منطقية للكثير من أعضاء هذه الفئات المسؤولة وظيفيا، أيا كان موقع المسؤولية أو حجمه أو نوعه.

الجمهور وهو المغلوب على أمره، وبحكم غياب دولة المؤسسات والقانون التي تنصف الناس وتقوم بتوزيع الخدمات بفعالية وعدالة، يدفعه هذا الوضع إلى أن يلتطم بهذا أو ذاك من المسؤولين، لتسيير أموره الخدماتية والحياتية، ولأن هؤلاء المسؤولين قد تشبعوا بثقافة الجبن والكذب، فان المواطن المغلوب على امره يدفع ثمن هذه الثقافة، ويأتي من يدين ثقافة الواسطة، وهي التي تعني أنها مؤشر على تدني المستوى السياسي والأخلاقي للنظام من طرفيه، المسؤول  الذي يقوم بها والمواطن المدفوع إليها، إلا أن المواطن يتحمل مسؤولية استمرار ثقافة الجبن والكذب لدى الطبقة السياسية والثقافية، لان من واجبه كشف ممارساتها اللاخلاقية هذه، ومواجهة هذه الفئات بأدوارها الخيانية في حقه وحق الوطن، لان النفاق السياسي يصيب الوطن والمواطن بالسوء.

لا بد من محاربة ثقافة الكذب والجبن، ثقافة النفاق السياسي والثقافي، لأنها ثقافة تدميرية تمس المجتمع في الصميم، إذ تأتي من فئات يفترض فيها أن تكون إلى جانب المجتمع لا عالة عليه وعبء يتحمله، وهو الذي دفع بها للوصول إلى ما وصلت إليه، من خلال تمويل طرق ووسائل وصولها إلى المواقع التي تحتلها، وإذا كان هناك من تبرير لأي نظام سياسي في سعيه لحشد المناصرين والمؤيدين وحتى الهتيفة، فليس من حق السياسي أو الثقافي أن يتبع الثقافة الميكافيلية التي أوردها في كتابه الأمير، لأنها ثقافة لا تصلح لبناء الأمم وتقدم الشعوب.

نحن نطمح بثقافة الصدق والالتزام بالأخلاق والمبادئ لا بثقافة المصالح الفردية والأنانية على حساب مصلحة الجمهور، فإذا كان الإنسان ابن بيئته فيجب أن يكون تعبيرا عن مصالح الناس في البيئة والمحيط الذي يعيش فيه، فالثقافة الجمعية لا الفردية هي التي تنهض بالمجتمع والنظم السياسية إذا لم تجد من يروج لها السياسات الخاطئة والاستقصائية ستفشل في هذه البرامج والسياسات التدميرية، لاننا نحن أدوات هذه السياسات ومنفذي هذه المخططات.

أن هناك طلاق ما بين أقوال وأفعال الطبقة السياسية والثقافية المنافقة، والناس لم تعد تثق بكل الجمل الرنانة ولا بالعبارات العسلية، لأنها ترى بأم العين ما يجري على ارض الواقع من نفاق وكذب وادعاء بالتنافخ، ومقالات مدبجة في الصحف والمجلات، فترى أن كثيرا من هذه الألسنة الطويلة من أصحاب هذه المقالات، إن قاماتهم في صناعة القرار لا تتجاوز طول ألسنتهم، فهل هذا عائد إلى النظام السياسي؟، أم أن هناك خلل في البنية الثقافية والتربوية للطبقة السياسية والثقافية، أم أن الجمهور هو الذي أعطى لممارسات هذه الفئة الحياة لتستمر في السير تحت أقدامنا ومن فوق جباهنا.

نحن من يصنع الحياة على الأرض، ولا بد أن نكون في مستوى صناعة هذه الحياة، التي تتطلب جهدا وعناء أكثر من اللهث وراء المواقع والمغانم على حساب معاناة الناس وشقائهم، وعلى حساب الأوطان وسبل تقدمها.