نحن ومؤتمر بيروت؟

د. فيصل الفهد

أثار ولا يزال مؤتمر بيروت عواصف رملية قبل أن ينعقد وإن كان هذا يعني عند البعض أنه مؤتمر مهم ولذلك لا بد أن يثير كل هذا الجدل حوله، في حين يعتقد آخرون أن الضبابية التي تلف أهدافه وعناوين المشاركين فيه وربما هي التي زادت من حدة التقولات نحوه، في حين يؤكد طرف ثالث أن انعقاد هكذا مؤتمر في هذا الوقت الذي زادت فيه المؤتمرات التي تحوم حولها الشبهات والتي تقف ورائها قوى ليست بريئة النوايا هو ما يستدعي طرح هذه الأسئلة أو تلك وصولاً لمعرفة جدوى مثل هذا المؤتمر في خضم كل هذا التسابق المحموم من قبل أناس أو جهات ليس من مصلحتها انتصار العراق على محتليه وعملائهم؟

إن قضية العراق أصبحت من الوضوح بما يغلق الأبواب بوجه من يحاولوا إن يعودوا بالمعادلات التي تحكمه إلى الخلف، ذلك لأنه الوضع اليوم فرز فريقان، الأول فريق الشعب العراقي ومقاومته الباسلة، والثاني الاحتلال وعملائه، والصدام الحاصل بينهما بدا هو الآخر يرسم صوره واضحة للمنتصر فيه وبعكس ما يتمنى أعداء العراق، فأن النصر حسم للشعب العراقي ولم يبقى إلا لحظة تجرع بوش السم فيها ليعترف بهزيمته حتى ولو بشكل غير مباشر، وهذا أمراً أصبح وشيكاً جداً، ومن هنا فأن عدد من المهتمين والمتابعين المناصرين لقضية الحق العراقي يربطون بين هذا التزاحم على عقد اللقاءات والمؤتمرات وبين محاولة أصحابها التفتيش عن فرصة مناسبة ليؤسسوا لهم موضع قدم في مناسبة النصر العراق، أو يذهب بعضهم (واهماً) لأن يكون هو في مقدمة من يحسب له دوراً أو موقفاً هو أبعد ما يكون عليه، لا بل أن آخرين دفعوا ودعموا مادياً وسلطوياً من أجل أن يفتتوا كتلة النصر الواحدة وليجعلوا منها أشتاتاً يمكن أن تكون لهم فيها حصة أو حصص على حساب المقاومة العراقية صاحبة هذا الانجاز الوطني الكبير.

لقد طرحت الجهة التي خططت لمؤتمر بيروت برنامج لمدة أربعة أيام يتم فيها مناقشة عدد من المحاور خلال الأيام الثلاثة الأولى والتي يبدو أنها بمثابة تهيئة الرؤية التي سيتم اعتمادها في اليوم الرابع عندما يتم إعلان قيام الجبهة المفترضة، ولو طبقنا فرضية (قل لي من أنت؟) أقول لك ماذا تكتب، فهذا يعني أن المشاركين الذين لا يعرفون تفاصيل ما مطلوب أن يناقشوه مثلما لا يعرفون من كتبها، وإن صدق حدس ومعلومات البعض فأن قسم من الأسماء التي قد تكون ساهمت بكتابة  هذا المحور أو ذاك لا يمكن القبول بها أو الوثوق فيها بسبب سلسلة من تراكمات مواقفها السيئة من احتلال العراق وتبنيها لسلوك لا يرى في كل ما حدث من كوارث ونكبات وجرائم سوى أنه مجرد تغير ليس إلا ولا يخفي هؤلاء مواقفهم المتزمتة غير الموضوعية تجاه القيادة الشرعية للعراق بل واستهانتهم بالتجربة الوطنية في العراق قبل الاحتلال.

إن هناك تحفظات على عدد من الأسماء أو الجهات المدعوة إلى حضور المؤتمر وهذا مما يجعل إمكانية توافقها مع الأطراف الوطنية المعروفة أمراً أشبه بالمستحيل، وذلك لوجود اختلاف صميمي في الرؤيا  إلى واقع العراق اليوم ومستقيلة غداً، ذلك لأن حدود هذه الرؤيا عند أمثال هؤلاء يمكن أن تندرج في حدود سقف من10-90% وبالعكس أي أنهم يتحركون في الموقف من الاحتلال وطريقة مواجهته من مرونة عالية فيما تقف القوى الوطنية المعروفة موقفاً مبدئياً غير قابل للتجزئة وهو ذات الموقف الذي حددته ستراتيجية المقاومة الوطنية العراقية، ومن هنا فأن ما يراه أصحاب المواقف المرنة بأنها مواقف صائبة يراها أصحاب المبادىء تنازلاً ومحاولة لإضعاف المقاومة أو طعنها من الخلف، ومن هنا تأتي خطورة تبني  هؤلاء خيارات بعيدة عن خيارات المقاومة الوطنية العراقية لما سترتبه من عمليات تشويه للنتائج التي سعت المقاومة ولا تزال من أجل فرضها على المحتلين، لاسيما الاستحقاقات التي نريد تثبيتها عليهم جزاء ما ارتكبوه بحق شعبنا ووطننا من جرائم شنيعة عدا مسألة خروجهم من أرضنا بلا رجعة.

لقد كان موقف البعث منذ البداية موقفاً داعماً مسانداً مشجعاً لكل عمل يهدف إلى طرد الاحتلال ويقوى اللحمة الوطنية العراقية ويوجه إمكانيات العراقيين الوجهة السليمة حفاظاً على وحدة العراق أرضاً وشعباً، ولذلك طرح البعث بشكل مباشر وغير مباشر بواسطة بعض الشرفاء الوطنين وبوقت مبكر إمكانية تجميع كل الجهود الوطنية على اختلاف عناوينهم من أجل إيجاد بنيه لعمل جبهوي يؤدي وظيفته الأساسية لدعم المقاومة الوطنية ويوفر لها مناخات إضافية عبر ما تقوم به هذه الجبهة من أنشطة وفعاليات وطنية داخلياً وخارجياً وفق الأسس التي حددتها ستراتيجيه المقاومة وبرنامج عملها الذي طرحته بوقت مبكر والذي لقي استحساناً وقبولاً من كل عراقي وطني، وكان البعث في كل مساعيه لا يفرض أي شرطاً أو يضع متطلباً يمكن أن يسحب هذا الجهة يميناً أو يساراً أو يرجع أطرافها لأن يقلبوا في الأوراق الماضية وحيثياته، فالعمل الجبهوي  هنا هو حالة متحركة إلى الأمام لمواجهة  الاحتلال وإفرازاته مثلما هي حاله متقدمة لوضع الآليات المساعدة لتنفيذ البرنامج الذي طرحته المقاومة لما بعد التحرير، وإغنائه وفق أسس سليمة بناءة، تضع مصلحة الشعب العراقي وسلامة الوطن في المرتبة الأولى، وقد تجاوز البعث عدد من النقاط رغم أهميتها بالنسبة للبعثيين كل ذلك وصولاً إلى عدم جعل عملية طرحها فرصة لإثارة حساسية أطراف معينة، ولكي نسحب من أرض العمل الجبهوي أي حجه يمكن أن يماري أصحابها ويعتبروها سبباً للابتعاد عن هذا العمل الوطني، ولا زال موقف  البعث هذا قائمنا، وقد قطع شوطاً مقبولاً إذا ما روعيت الظروف التي تعصف بالعراق.

إن البعث كان وسيبقى يقدر عالياً كل موقف وطني شريف يضع مصلحة العراق أرضاً وشعباً هدفاً مباشراً واضحاً له، وفي ذات الوقت ينظر بعين لا تخلو من تساؤل عندما تضع أطراف بعينها شروط مسبقة كأساس للتقارب بينها وبين الحزب، لاسيما تلك الشروط التي تتعلق بخصوصيات الحياة الداخلية للحزب ومن صلب مهام مؤتمراته الحزبية، ومن هنا نشعر أن مجرد الإشارة إلى هكذا موضوعات فأنها تعني أن أصحابها يرمون إلى وضع الحواجز أمام أي عمل مستقبلي يجمع القوى الوطنية العراقية الداعية (وحتى ولو إعلامياً) لطرد الاحتلال، لقد سبق للشعب العراقي أن شهد قيام أعمال جبهوية أثمرت عن انجازات وطنية كبيرة، وتلك الجهات لم تفترض على أي طرف مشارك فيها أن يعيد تقويم تجربته أمام الآخرين كشرط لدخول الجبهة، لأن العمل الجبهوي هو حالة لقيام عمل وطني قادم والالتزام بهذا العمل هو الذي يثبت درجة مصداقية أي طرف منضوي في الجبهة، وليس الالتفات إلى الخلف رغم أن هذا الالتفات بالنسبة لنا يعني أننا ننظر إلى حيثيات أكبر وأعظم تجربة جهادية حضارية شهدها العراق والمنطقة بأسرها تركت بصماتها واضحة، ليس في حياة  العراقيين والعرب والمسلمين حسب، بل وحتى الدول المعادية لطموح وتطلعات العراق والأمة العربية، والتي كانت تنظر بعين الدهشة والاستغراب إلى انجازات التجربة العراقية وما حققته على الأرض من مكاسب كبيرة، كانت في مقدمة المبررات التي جعلت أمريكا أو بريطانيا والكيان الصهيوني وايران يستهدفون هذه التجربة ورموزها وعنوانها الكبير البعث العربي الاشتراكي منذ 17 تموز 1968، وحتى احتلال العراق في9 /4/2003 ولا يزالون مستمرين في استهدافهم له فكراً ونضالاً، وازداد هذا الاستهداف عندما أصبح هذا البعث ومناضليه الرقم الصعب في التصدي للمحتلين وكسر شوكتهم وإفشال مشروعهم جنباً إلى جنب مع كل القوى الخيرة من الوطنيين والقوميين والإسلاميين الذين اختاروا الطريق الوحيد الصحيح لتحرير العراق عبر البندقية المقاتلة، وليس المداهنات السياسية العقيمة.

ومن هنا فأن أي طرف وطني عراقي يدعي أو يريد أن يثبت أنه يسير في عمله لتحرير العراق بالاتجاه الصحيح، لا بد وأن ينظر إلى البعث ودوره القيادي الريادي المتقدم بما يستحقه، وما يرتبه ذلك من استحقاقات له لا عليه، لأن من يتنكر للبعث ودوره الجهادي إنما يتنكر لكل التضحيات الجسام التي قدمها مناضلوا الحزب في تصديهم الشجاع للاحتلال وأعوانه.

وعندما نشير إلى هذه الحقيقة لا نعني أننا نمن بها على أحد، بل أن هذا هو واجب البعث وقدره وخياره الذي لا رجعة فيه، ولذلك فنحن حينما نتقبل بعض وجهات النظر إزاء هذه الحالة أو تلك بروح موضوعية وبمسؤولية عالية لا يعني أننا نتقبلها من منطلق الوهن، بل لأننا متسامحون ونرى في الظرف الذي نعيشه والأهداف التي نقاتل من أجلها، عناوين كبيرة تستدعي التركيز عليها، في ذات الوقت الذي نحاول أن نتفاعل فيه مع كل الجهود الوطنية الخيرة، الموجهة ضد الاحتلال، وإن كان ذلك سيكون في أغلب الأحيان على حسابنا.

إننا هنا وبمناسبة الحديث عن المؤتمرات التي تجري هنا أو هناك، لا بد من أن نشير إلى جملة حقائق، نتمنى أن تكون حاضرة في ذهن كل من يعنيهم تحرير العراق واسترداد عافيته ومنها:

أولاً: كان البعث وسيبقى أحد أهم مرتكزات العمل الوطني في العراق منذ تأسيسه وسيبقى كذلك.

ثانياً: استطاع الحزب بناء تجربة عظيمة حققت من الانجازات الكبيرة ما لا تستطيع حجبها بعض السلبيات أو الممارسات أو الأخطاء التي حصلت هنا وهناك، وهي في كل ذلك حالها حال كل التجارب المهمة في التاريخ الإنساني المعاصر، حيث لا توجد أي تجربة ثورية رائدة بدون بعض الأخطاء....... والبعث قادر على تشخيصها وتجاوزها في إطار بنائه المؤسسي الداخلي (المؤتمرات الحزبية).

ثالثاً: لقد ثبت للجميع أن القوى الباغية التي احتلت العراق لم تستهدف فقط البعث وتجربته، بل كل العراق بتاريخه وتراثه وإنجازاته ومؤسساته، ورموزه وهويته الوطنية والقومية.

رابعاً: إن أي عمل وطني لا بد أن يرتقي إلى مستوى التحديات التي نواجهها، وفي مقدمتها وجود الاحتلال وما يحاول أن يمرره من مشاريع لا تستهدف العراق حسب بل الأمة العربية والإسلامية والعالم، ومن هنا فأن الأولويات التي يجب أن يضعها كل الوطنين العراقيين الشرفاء، هو حشد كل الإمكانيات والطاقات وتوجيهها الوجه الصحيحة نحو إفشال المشروع الإمبريالي الصهيوني وتدميره في أساسه في العراق.

خامساً: إن أي عمل جبهوي بين كل الأطراف الوطنية، لا بد من أن يتوحد عند الأهداف التي يتفق عليها ولا نجد أعظم وأشرف، هدف في هذه المرحلة من تحرير العراق من نير الاحتلال، ولذلك فأن مقياس الوطنية الحقة تحدده جدية أي طرف في تبني خيار المقاومة ضد الاحتلال وعملائه وليس أي هدف آخر.

سادساً: إن المنطلق الحقيقي للعمل الجبهوي السليم لا بد وأن يضع في حسابات كل الراغبين فيه موضوعية نظرتهم وتقيمهم لدور كل طرف في العملية الجهادية لمقاومة الاحتلال، فالمقياس الصحيح هو ما تقدمه هذه الأطراف من تضحيات ودماء سخية من أجل الهدف الأسمى، وهو تحرير العراق، والوزن النوعي هنا هو ما تحققه هذه الجهة أو تلك من انجازات على الأرض وليس أي شيء آخر.

سابعاً: إن قيادة البعث والمقاومة تنظر بعين ملؤها التقدير والاحترام لكل ما تقوم به الأطراف الوطنية الأخرى، وهي في ذلك تدرك أن الخيار الصحيح لتحرير العراق إنما يقوم على جهد عراقي وطني يشترك فيه كل العراقيين الشرفاء، وهي لذلك تطمح وتجتهد لكي لا يبتعد أي عنوان أو طرف وطني عن المساهمة في هذا العمل التاريخي الذي نتمنى أن يسجل النصر فيه باسم كل الشعب العراقي وقواه الوطنية المخلصة.

ثامناً: إن وجود بعض الهواجس لدى أطراف معينة في ضوء تكون قناعاتهم انطلاقا من إفرازات تجارب الماضي لا مبرر لها، وأن قراءة متأنية للستراتيجية التي طرحتها قيادة الحزب والمقاومة في شهر آذار 2004، توضح الكيفية التي ينظر بها إلى مرحلة ما بعد التحرير، ولا نعتقد أن اثنين يمكن أن يختلفا على فهم جوهرها ومضمونها الحقيقي إن صدقت النوايا.

تاسعاً: إن الذي يسعى إليه كل العراقيين الشرفاء بعد التحرير هو بناء نظام ديمقراطي تعددي وإعداد الدستور الدائم الذي يتم التأكيد فيه على تداول السلطة واحترام الإنسان وحرياته المدنية، وتكون السيادة فيه للقانون، والفصل فيه لصناديق الاقتراع، ويحتفظ العراق فيه بوجهه وانتمائه القومي العربي الإسلامي، وبوحدته الوطنية، وسلامة أراضيه، واحترامه لمكوناته القومية وخصوصياتها في إطار عراق موحد أرضاُ وشعباً وسيادة.

عاشراً: إن قراءة متأنية موضوعية في تاريخ العراق طيلة الخمس عقود الماضية، يمكن أن نتصور ما فرضته من أنماط حكمتها ظروف وإشكاليات تلك المرحلة، مما جعل استخدام القوه المسلحة وسيلة في إحداث التغير في الواقع والثورة عليه خياراً لا بديل عنه، وقد استخدم هذا الخيار من عدة قوى (الشيوعيين والقوميين) فضلاً عن أن واقع حال النظم السياسية غير الديمقراطية وملاحقتها لحزب البعث ومناضليه، والتنكيل بهم بقسوة ووحشية، هي التي دفعت الحزب إلى تبني هذا الخيار لتحقيق هدف التغير المطلوب في المجتمع، ولذلك فأن توفر فرص العمل في مناخات ديمقراطية مؤطرة بدستور سليم وصحيح في مكوناته، سيكون بمثابة خيار شرعي وقانوني ليعبر فيه البعث وكل الأحزاب الوطنية عن منهجها وأهدافها، وعمق بنائها وصلاتها مع الشعب، ولكن البعث وفي هذه الظروف الصعبة لا يزال يتعرض لمحاولات قوى العدوان لاستئصاله وإنهاء وجوده، ورغم كل ذلك فأنه نجح نجاحاً قل نظيره في إعادة هيكلة تشكيلاته وبناء تنظيماته إلى درجة أصبحت فيه قاعدته الجماهيرية أكثر اتساع بعد الاحتلال منه قبل الاحتلال، وهذا كله بفضل الله سبحانه وإيمان مناضليه، ومواقف الحزب الوطنية ودوره الجهادي المتقدم في مقارعة الاحتلال والدفاع عن العراق، وتقديمه قوافل من الشهداء الأبرار الذين عطروا أرض العراق بدمائهم الزكية.

وتأسيساً على ما تقدم نقول لكل من يريد أن يعبر عن حسن نواياه إزاء المشروع التحرري لإنقاذ الوطن....... إن تحرير العراق يمر من فوهة البندقية المقاتلة، وأن الإخلاص للعراق يقتضي مد اليد البيضاء لكل من حمل السلاح وقاتل المحتلين وعملائهم، ولا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل أو يغض الطرف عن نضال وجهاد وتضحيات البعث ومجاهديه الذين عبروا بالفعل والعمل لا بالقول والادعاء عن إيمانهم بوطنهم وباستقلاله الكامل، ولهذا فأن ليس من مصلحة أي عراقي وطني شريف، مثلما ليس من مصلحة عملية تحرير العراق أن يعمل أو يستشهد بعض الأطراف بطريقة يعتقد أصحابها أنهم قادرين على أن يحرروا العراق بالكلام أو بأي فعل جهادي دون أن يكون للبعث دور أساسي فيه، وبغير إدراك هذه الحقيقة فأننا نشك بكل النتائج مهما كانت؟