مقطع من كتاب جديد  للباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي- خاص

فاضل الربيعي *

 

نساء أبو غريب

بزوغ مجتمع اغتصاب نموذجي في العراق الجديد

(إعادة بناء الرواية الناقصة عن فضيحة سجن أبو غريب)

 

الإهداء

إلى الشهيدة الحيًة هدى صالح مهدي عماش وإلى كل رفيقاتها في المحنة

 

مدخل عام

نرجوكم هاجموا السجن بكل ما تملكون من أسلحة. دمروا السجن واقتلونا معهم (مع الأمريكيين). بالله عليكم افعلوا هذا لأن بطوننا امتلأت بأولاد الزنا.

هذا هو باقتضاب شديد، فحوى النداء الذي حملته رسالة امرأة عراقية، تعرضت لاعتداء جنسي في سجن ابو غريب،وصلت سراً في آذار/مارس 2005، وكان لها صدى يفوق كل وصف تقريباً في مختلف الأوساط الاجتماعية والثقافية والسياسية، إذ قلما حظيت رسالة أو قصاصة مهربة من معتقل سري في العراق بهذا القدر من الاهتمام والتعاطف. الرسالة بعثت بها سيدة تدعى نور، وبالطبع فقد وصلت بطريقة سرية نجهلها تماماً، كما تجهلها كل الأطراف التي تلقت نسخاً منها، بما فيها جريدة (براءة) التي يصدرها المرجع الشيعي آية الله الحسني البغدادي (1) من النجف الأشرف، ومجلة (المجتمع) الصادرة في بغداد(2). السيدة العراقية الأسيرة تعرضت وأخريات معها، إلى عمليات اغتصاب منتظمة قام بها الجنود الأمريكيون المكلفون بحراسة وإدارة السجن. ومما له دلالة، في هذا النطاق، أن شكل الإرسال جرى بواسطة النسخ اليدوي، الذي لم يعد سائداً أو مألوفاً اليوم مع تطور وسائل النسخ العصرية، بما يعني أنه لا يزال فعالاً في المجتمع. ويبدو أن هذه الطريقة البدائية في إبلاغ الجمهور العام ببعض الأحداث ومخاطبته وحتى تحريضه، قد ساهمت وإلى حد بعيد في وصول الرسالة لا إلى الأفراد والجماعات غير المنظمة، وإنما كذلك إلى الصحافة المحلية والمنتديات العامة. كما وصلت نسخ من الرسالة وبسرعة غير متوقعة، لأوساط ربما كان من المتعذر بلوغها في ظروف أخرى مثل الهيئات الدينية والسياسية.

وذلك ما يعني أن الرسالة ربما انتشرت بواسطة النسخ اليدوي المكثف، الذي قام به مئات الناسخين المجهولين في عدد من المدن العراقية. كان توقيتها، بحد ذاته، لافتاً للاهتمام ومثيراً بالنسبة للباحثين والدارسين الاجتماعيين وقد يضاعف من قيمتها وأهميتها، فهي مؤرخة بتاريخ 20 شباط/فبراير 2005، أي بعد نحو عامين من الاحتلال، ونحو عام من تفجر فضيحة أبو غريب، إثر نشر تقرير الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش في (نيويوركر New Yorker) (المنطقة الرمادية: كيف انتقل برنامج سري البنتاغون إلى ابو غريب) (3) والذي كشف فيه للعالم ما سوف يعرف بفضيحة أبو غريب.

السيدة المجهولة التي تسنى لنا الإطلاع على رسالتها قبل نشرها في الصحف المحلية العراقية، خاطبت العراقيين جميعاً، من دون أن تسمي أحداً بعينه، وطالبة منهم إذا ما كانوا يملكون السلاح، أن يهبّوا لمهاجمة السجن الرهيب وتحطيمه لتحرير السجينات. يذكرنا هذا الطلب بنفحته التحررية المنعشة، بالهجوم الجريء والشهير أبان الثورة الفرنسية الكبرى على سجن الباستيل. ولولا بعض التباين في محتوى الخطاب والفارق الزمني، وربما بعض الظروف، لبدا التماثل مذهلاً بين نداء الثورة على السجن الذي أطلقته سيدة فرنسية، وبين شبيهه نداء السيدة العراقية، في ذلك الهجوم كانت هناك بطلة شعبية فرنسية صعًد الفرنسيون شعرياً من صورتها الأسطورية، لأن اسمها ارتبط بالدعوة لتحرير السجناء وتحطيم السجن. ولكن السيدة العراقية، وبخلاف ما فعلت الفرنسية، دعت في الآن ذاته، وفي ما يبدو لحظة جزع لا حدود لها، المهاجمين لا إلى الاكتفاء بتحطيم السجن أو قتل السجانين الأمريكيين وحدهم، بل وأن يقتلوهن معهم غسلاً للعار، لئلا يلحق بهم الخزي إن هم تخلوا عن الحق في القصاص من جريمة الزنا.

جريمة الزنا هذه وقعت وتكررت في السجن لمرات لا تحصى من دون رادع.

هذه الرسالة، ومن منظور الدعوة إلى تحرير السجينات، تلزمني - كباحث- بإعادة بناء رواية سيمور هيرش الناقصة عن فضيحة أبو غريب، والتي لن تكتمل في نظري أبداً، من دون تسليط ضوء كاشف على الجانب المسكوت عنه في القصة كلها. ففي الجانب المظلم من القمر يكمن النصف الآخر من الحقيقة. إن شعور الضحايا بالذنب، جراء جرم لم يقترفوه بإرادتهم، وهو ما يُطلق عليه ماركوس: الشعور بالخطيئة من دون ذنب، لا يمكن أن يحول اهتمامنا عن الجوانب الأكثر مأسوية في الفضيحة خارج نطاق ما هو شخصي فيها، ولصالح الجانب الجماعي في المأساة. بيد أن إعادة بناء القصة سوف يستلزم، مع ذلك، تحليلاً خصباً وخلاقاً للرسالة وللظروف والملابسات، وبدرجة أكبر من ذلك، للأفكار السقيمة التي حولت جرائم الاغتصاب الوحشي إلى سياسة رسمية للاحتلال.

وهذا ما سنقوم به في سياق النص.

 

أولاً: من التاريخ إلى الواقع

(الجنس نقطة ضعف الآخر)

لا تسلط رواية هيرش الضوء على عمليات انتهاك أعراض النساء العراقيات في قسم السجينات في سجن ابو غريب. وهي لا تثير، بأي شكل من الأشكال هذا الجانب من القصة، مع أنه الجانب الأكثر أهمية وحيوية وخطورة فيها، وذلك لتضمنه وقائع وفصولاً وأحداثاً مرعبة تم، بصورة مخجلة، التستر عليه ومواجهة الداعين إلى الكشف عنه، بالصمت المطبق والتضليل المتعمد. بدلاً من ذلك تكتفي الرواية الأمريكية بسرد الوقائع السرية وغير المعروفة عن أساليب تعذيب السجناء من الرجال وإهانتهم، وحدود مسؤولية البنتاغون عن ممارسات الإذلال البشع وانتهاك كرامة المعتقلين. وفي المقابل، تفضح رواية هيرش بجرأة، الدور الذي يلعبه المقاولون المدنيون في عمليات الاستجواب السرية.

إذا ما تخيلنا نص هيرش في صورة بناء من طابقين، فإن ما تمكنا من رؤيته، أخيراً، ليس سوى الطابق العلوي من عالم الرجال المهانين والمُذلين، بينما ظل الطابق السفلي حيث النساء الشقيات، موصداً في وجهنا بمزلاج حديدي. لقد تعذًر علينا الإطلاع على أسرار هذا الطابق، وأصبحنا بحاجة إلى رواية جديدة تروى بصوتنا هذه المرة لا بصوت الآخر.

بدأت فصول فضيحة أبو غريب (الرجالية) تتكشف في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير 2003، أي بعد بضعة شهور من احتلال بغداد، عندما سلًم شاب يعمل في سلك الشرطة العسكرية يخدم في السجن ويدعى جوزيف داربي، إلى قسم التحقيقات الجنائية التابع للجيش قرصاً مدمجاً CD مليئاً بالصور لرجال عراقيين، تعرضوا خلال فترات متواصلة بعد احتلال بغداد في التاسع من نيسان /أبريل 2003 لأشكال فظيعة من التعذيب، شملت أنماطاً شاذة من التعديات الجنسية وتخللتها ممارسات لا أخلاقية فاضحة. هذه الصور هي السجل الحقيقي وشبه الكامل عن الفضيحة. وخلال ثلاثة أيام كان تقرير قسم التحقيقات الذي تلقى الوثيقة، قد وجد طريقه إلى دونال، علىمسفيلد وزير الدفاع، الذي أبلغ بدوره الرئيس بوش بالقضية (4). أما فصول فضيحة ابو غريب (النسائية) التي ما يزال البنتاغون يواصل تكتمه عن حقيقته، على الرغم من نشر مئات الصور للنساء المغتصبات على شبكة الانترنت، فإنها ستظل في أقبية الطابق السفلي وفي أدراج الغرف المظلمة، حتى من دون الاعتراف بوجود تاريخ مدّون أو وثائق تخص الواقعة. في هذا النطاق من المسألة ثمة نزاع سينشب، ذات يوم، حول التاريخ المدّون للجريمة. المجرمون، غالباً، ما يقومون بإتلاف الأدلة ومحو آثار جريمتهم. ولكن الضحايا، غالباً أيضاً، ما يتمكنون في النهاية، من عرض أجسادهم كدليل دوّنَ المجرمون فيه تاريخ جريمتهم. على هذا النحو يتحول الجسد إلى مصدر لتاريخ مضيع قصداً.

 ومع ذلك فالجميع يعلم أن الفضيحة النسائية ولدت في اليوم نفسه واللحظة نفسها التي ولدت فيها الفضيحة الرجالية. إن جوزيف ديربي، المجند في الشرطة العسكرية يملك النصف الثاني من رواية هيرش، ولكنه قد لا يملك الوسائل والأدوات التي تمكنه ُمن رواية القصة بنفسه. إن   

كل ما نشر حتى الآن من صور الجريمة على شبكة الإنترنت، وما رافق ذلك من تعليقات في الصحافة، قد لا يشكل سوى الجزء المبتور أو المُجتزأ والمقتطع من الرواية، وإنْ كان يحتوي مشاهد فظيعة لعمليات تعذيب وممارسات لا أخلاقية للسجينات. فما دام يخلو من تعليق ومعطيات موثقة وشهادات حيّة وأرقام، كما هو الحال مع الجزء الخاص بالسجناء من الرجال، فإن قدرته على إعطاء تصوّر دقيق عن سلوك الاحتلال، ستبقى محدودة وربما في درجة أدنى مما هو مطلوب عادة من الوثائق. لسوف يظل موضوع انتهاك أعراض النساء العراقيات طيً الكتمان في أروقة البنتاغون ولكن ليس إلى الأبد، لأن رسالة السيدة نور، ستلعب منذ الآن، دورها كاملاً كوثيقة بديلة دامغة.

في الواقع لم يكن موضوع اغتصاب النساء مسألة مطروحة في سائر التحقيقات التي دارت مع المتهمين في هذا الوقت -عندما نشر هيرش تقريره- باستثناء ما نشر من صور للنساء الضحايا. وهذا ما يؤكد ويدعم فكرة وجود حرص وإصرار استثنائيين لدى إدارة بوش على حجب الحقيقة عن العالم بخصوص الجزء المفقود من قصة الفضيحة.

 

من وراء حجاب

في منتصف تموز/يوليو 2003، كانت قد انصرمت ثلاثة شهور فقط، ثقيلة وكابوسية بشكل لا يصدق على "سقوط بغداد" وانهيار البلاد وغرقها في الفوضى، عندما تلقيت على الهاتف في منزلي بهولندا بعض المعلومات العمومية والأولية عن وضع السجينات العراقيات في ابو غربب. كانت المعلومات شحيحة وربما مشوشة في خضم أحداث متلاحقة وعنيفة. ومع ذلك فقد كان من الواضح أن أسلوباً جديداً في انتزاع المعلومات من المعتقلين، قد بات مُطبقاً على نطاق واسع من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، لا في السجون وإنما كذلك في معسكرات الاعتقال التي يستخدمها الأمريكيون كمحطات تحقيق مؤقتة قبل نقل المعتقلين إلى السجون.  في أيلول/سبتمبر من العام نفسه وبناء على طلب عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن، سافرت ُإلى باريس للقاء شخصية عراقية بارزة من أجل المساهمة في إعداد شهادة سياسية عن الأوضاع الراهنة في العراق.

في هذا الوقت كان عبد الجبار الكبيسي الشخصية الوطنية البارزة، عائداً لتوّه من بغداد وقد تجمعت لديه معلومات وشهادات حيّة ومن مصادر موثقة عن تجاوزات وممارسات الأمريكيين. في منتصف تشرين الأول/أكتوبر أصبحت هناك أول شهادة حيًة، جاهزة لأن تأخذ طريقها إلى وسائل الإعلام، وتتضمن تأكيداً قاطعاً بحدوث تعديات، أولة على السجينات العراقيات. تضمنت شهادة الكبيسي التي قمت بتسجيلها، وحسب، بعض الأرقام الدقيقة نسبياً عن أعداد السجينات. ولكنها تضمنت وهذا هو الأمر الهام والمثير، أول تأكيد عراقي مدّون، بحصول عمليات اغتصاب مبكرة وعلى نطاق واسع للنساء والأطفال (كان هناك اتهام رائج بين العراقيين عن اعتداءات جنسية قام بها الجنود البولونيون على أكثر من خمس وأربعين من الأطفال القاصرين). استناداً إلى شهادة الكبيسي كان قسم النساء في سجن ابو غريب  يضمً أكثر من 543 امرأة ونحو 917 طفلاً دون سن السادسة عشرة. يقول الكبيسي في شهادته إن مجموع حالات اغتصاب النساء  من نيسان/أبريل حتى آب/أغسطس 2003، أي  خلال خمسة أشهر من الاحتلال قد تصل إلى نحو 2000 حالة اعتداء.  فضلاً عن نحو 550 طفلاً تعرضوا للاغتصاب بشهادة منظمات كانت تعمل في ظروف معقدة، من أجل التقاط  الأيتام من الشوارع بعد تدمير أو نهب مؤسسات ودور الرعاية. وحسب شهادة الكبيسي المستندة إلى حوارات مباشرة مع عدد من مسؤولي هذه المنظمات ومواطنين كانوا شهود عيان، فقد وقعت 32 حالة اعتداء جنسي تم تسجيلها رسمياً ضد جنود أمريكيين، ونحو 15

حالة أخرى ضد جنود بريطانيين. معظم الضحايا من الأطفال القاصرين تعرضوا للاعتداء داخل دور الأيتام، أو بعد التقاطهم من الشوارع حين أصبح هؤلاء في عداد المشردين على إثر نهب مؤسسات رعاية الأيتام، وبعضهم تعرضوا لنوع مشين من الاستغلال، عندما جرى تشغيلهم في تجارة المخدرات. يضيف: (لقد تسنى لي أن أشاهد بعض هؤلاء قرب فندق فلسطين في شارع السعدون. رأيتهم هناك كأنهم أشباح هائمة يمارسون تجارتهم الجديدة لحساب المافيات). (5)

بيد أن قصة نساء أبو غريب لم تحظ، مع ذلك، بالقدر اللازم من الاهتمام، وجرى، على نحو محزن ويدعو للاستغراب، تجاهل متعمد للوقائع المشينة.

اليوم وبعد مضي أكثر من عامين على الاحتلال، بالكاد توجد لدينا معلومات دقيقة عن أعداد الضحايا من النساء والأطفال.

كان عليّ أن أرتب لقاء عاجلاً مع مراسل رويترز وBBC في بغداد، وهو صحفي عراقي حصل على شهرة واسعة بعد تغطيته الممتازة لمعارك الفلوجة في نيسان/أبريل 2004،  وأصبح الشاهد الوحيد تقريباً على ممارسات الأمريكيين هناك. أبلغني المراسل في لقاء جرى بيننا في دمشق، أن حوادث الاغتصاب هذه باتت شائعة في سجن ابو غريب. ارتأى المراسل الصحفي (في شهادة خاصة لهذا البحث بناء على طلبي الشخصي) (6)، أن المعلومات المتوفرة حتى نيسان/أبريل 2004 أي بعد عام من الاحتلال، كانت تشير إلى وجود 25 امرأة في سجن أبو غريب، جرى اعتقالهن ونقلهن إلى السجن في خضم الفوضى. هذا على الأقل ما بدا أن قوات الاحتلال تعترف به بصورة أو بأخرى. لكن مظاهرات عارمة تم تنظيمها وكانت لا تزال تتواصل بأشكال مختلفة كل يوم حتى مطلع العام 2005 في منطقة الكرخ ببغداد وفي الفلوجة والرمادي كبرى مدن محافظة الأنبار والموصل، ظلت تركز على مطلب الإفراج عن السجينات فوراً. جاءت المظاهرات الصاخبة بعد تلقي الأهالي، مطلع كانون الثاني/يناير من عام 2004، وبعد مرور عام على الاحتلال، نسخاً من رسائل تم تهريبها من السجن وبشكل خاص من إحدى السجينات وتدعى فاطمة، قبل أن تعقبها بوقت قصير في شباط/فبراير رسالة أخرى من السيدة نور. هذه الرسائل والتظاهرات ساهمت بإعادة طرح موضوع نساء أبو غريب من جديد.يقول المراسل إن خطباء المساجد أثناء صلاة الجمعة في العديد من المدن العراقية، أخذوا يتناولون قصة اغتصاب النساء في خطبهم ويحثون المجتمع على التحرك لوضع حدً لهذا النمط الشاذ من التجاوزات. وحين استجابت جماعات عشائرية ودينية ومنظمات حقوقية لفكرة التحرك، جرى تشكيل الوفود للقاء أعضاء مجلس الحكم المؤقت (المنحل). كان إنكار وجود سجينات، سياسة ثابتة في اللقاءات التي جرى تنظيمها مع الوفود، وهي في الأصل سياسة أمريكية منهجية، سرعان ما تراجعت، على الأقل في أوساط السياسيين العراقيين الموالين للاحتلال، وذلك لصالح القول بأن عددهن لا يتجاوز 7 نساء، غير أن وصول رسالة مكتوبة باسم السجينات أعاد من جديد طرح مسألة وجود 25 امرأة تعرضن بانتظام للانتهاك الجنسي.

يضيف المراسل في شهادته: في وقت تالٍ أبلغتْ إحدى السجينات السابقات، وهي سيدة تضع خماراً أسود على وجهها وأمكن الوصول إليها بواسطة احد أقربائها في منطقة أبو غريب القبائلية، صحيفة فرنسية عن وقوع حالات اغتصاب وأن السجينات كنّ يتعرضن بالفعل لما يمكن اعتباره عمليات اغتصاب منتظمة وذات طابع نمطي. كانت هناك سجّانة (مجنّدة) أمريكية وكنا مجموعة من النساء.- تقول السيدة من وراء الحجاب للصحيفة الفرنسية- مساء كل يوم تأتي السجّانة ومعها عدد من الجنود ويتم تجريدنا من الملابس لتبدأ الحفلة. وعندما كنا نمتنع ونقاوم كان الجنود ينهالون علينا، عندئذٍ، بالضرب بواسطة الهراوات. في أحيان كثيرة كان الضرب يتركز على أطراف الأيدي والأرجل وتسدد اللكمات إلى وجوهن.

ألقى الأمريكيون القبض على السيدة، صاحبة الرواية، بتهمة أن زوجها من قادة المقاومة، وكان من الواضح أنهم استخدموا على نطاق واسع أسلوب التهديد الجنسي لا من أجل الحصول على معلومات مباشرة من المعتقلين، بل من أجل إرغام ونشطاء المقاومة العراقية على الاستسلام. كان الابتزاز واضحاً بما فيه الكفاية في هذا السلوك. يقول لي مراسل رويترز: أثناء معارك نيسان/أبريل 2004 في الفلوجة وبعدها بقليل، قام الأمريكيون بمداهمة منزل في حي الجولان بحثاً عن  خميس سرحان المحمدي وهو عضو قيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي وأحد نشطاء المقاومة (قبل اعتقاله بعدة أشهر). لم يتمكن الأمريكيون في هذه الغارة من إلقاء القبض على الرجل "المطلوب"، ولكنهم شاهدوا مصادفة شابة تبلغ من العمر 22 عاماً كانت لا تزال في اليوم الثالث من شهر العسل. لم يكن من الملائم بالنسبة لهم العودة دون صيد ثمين. اقترح أحد الجنود إلقاء القبض على الفتاة فاستشاط الأهالي غضباً وخرج عشرات الآلاف منهم (ومعهم أهالي الفلوجة والرمادي) في تظاهرات عارمة تطالب بالإفراج عن الفتاة. طوق المتظاهرون معسكراً للقوات الأمريكية في المنطقة، وهددوا بأن تظاهراتهم ستستمر إنْ لم يفرج عن الفتاة. أصبح التهديد الجنسي أسلوباً شائعاً في ممارسات الجنود الأمريكيين، ولم يعد مقتصراً على السجون الرهيبة المنتشرة في العراق (بوكا في البصرة، سجن مطار بغداد، والحبانية) ففي الخامس والعشرين من آذار/مارس 2005 وعلى الرغم من الصدمة التي تركتها فضيحة ابو غريب في العالم كله، قامت وحدة خاصة كانت تطارد أحد نشطاء المقاومة، وهو مهندس شاب افلت من أيدي المهاجمين ثم قتل في ما بعد، بمهاجمة منزل عائلته في منطقة الصقلاوية شمال الفلوجة. نظمت وحدة خاصة هجوماً ليلياً مباغتاً على منزل عائلة المهندس الشاب بعد منتصف الليل. وعندما اكتشفت القوة المهاجمة أن الشخص المطلوب لا يقيم مع عائلته، قام أفرادها على الفور بإلقاء القبض على والدته المسنّة مع طفل صغير لا يتجاوز عامه السابع، حيث جرى نقلتهما إلى سجن الحبانية. وحتى الأسبوع الأخير من آذار/مارس 2005 كانت التجاوزات التي يقوم بها الجنود المهاجمون، لا تزال معتمدة بصورة رسمية وتحظى بالقبول من جانب القادة العسكريين، فهي تمثل من وجهة نظرهم، استمراراً في أساليب معتمدة من البنتاغون لانتزاع المعلومات. في الخالدية، مثلاً، قام الجنود الأمريكيون، أثناء مداهمة ليلية لأحد المنازل في هذه المدينة البدوية الصغيرة، بتجريد سيدة من ملابسها في تهديد صريح بالاغتصاب إنْ هي امتنعت عن الإدلاء بمعلومات، وهو ما يوضح إلى أي حد يجرى استخدام أساليب التهديد الجنسي من اجل انتزاع المعلومات من المعتقلين والموقوفين.

كأن دوي فضيحة أبو غريب لم يُحدث أي أثرٍ لصدمةٍ أخلاقيةٍ ممزقةٍ للوجدان الأمريكي.

 

السجن والمسجد:

الاغتصاب بوصفه استراتيجية عسكرية

إن الإحالة الحاذقة إلى الثقافة التي قام بها سيمور هيرش، في محاولته لتفسير سلوك المتهمين السبعة بأعمال انتهاك جنسي ضد السجينات العراقيات (وهم في الغالب من رجال الشرطة العسكرية والمجندين) يمكن أن تساعد في بناء أرضية ملائمة لا لقراءة وتحليل رسالة السيدة نور، وإنما لقراءة هذا السلوك من منظور العقيدة العسكرية الأمريكية في الحرب. لقد أصبح العدوان الجنسي على النساء في العراق، المستمر والمتواصل بشكل متعمد، مرتبطاً بشكل وثيق مع العدوان العسكري عليه. ومن النادر، إذا ما عاد المرء إلى التاريخ الإمبريالي المكتوب، والمروي بطريقة تفصيلية جيدة، رؤية مثل هذا التلازم في أي حرب سابقة، بين استعمال الجنود والسلاح والعتاد الحربي الهائل في عملية قرصنة عسكرية عدوانية شاملة للاستيلاء على هذا البلد، وبين استخدام السلوك الجنسي المشين ضد النساء. من شأن هذا التلازم أن يجعل الرابطة التي تجمع بين العنف والانتهاك الجنسي في أي حرب أمراً لا فكاك منه. إن التحريض- المباشر من جانب القادة العسكريين- على ممارسة سلوك جنسي مشين ضد النساء، ووقوع هذه الممارسات من قبل الجنود والشرطة العسكرية، ليسا تماماً مجرد أمر عرضي، بل هما لب سياسة السيطرة على السكان بواسطة استغلال ما يدعى (نقطة الضعف) أي شعور السكان بالعار والخزي.إنه جزء عضوي من سلوك متعمد، اعمُ وممُنهج في استراتيجية الإخضاع. وهذا ما يجعل من سلسلة التعديات اللا أخلاقية في مطار بغداد وأبو غريب ومساجد الفلوجة، بمثابة عملية واحدة كبرى مؤلفة من حلقات عدًة، تستكمل قوات الاحتلال من خلالها، عمليتها الحربية المستمرة وتقوم بتطويرها. وذلك ما يفسر لنا، على أكمل وجه، مغزى التصميم الفظيع على مواصلة اعتقال وانتهاك النساء حتى أثناء اقتحام المدن (يفترض بالطبع أن الأمريكيين كقوة احتلال مطالبون بأن يراعوا أثناء العمليات الحربية، القاعدة التي ثبتتها اتفاقات جنيف: تحييد وحماية المدنيين). هذا السلوك المشين، المصمم بصورة قصدية فاضحة ضد مجتمع النساء، من اجل الحصول بواسطة الهتك العنيف والشرس للأعراض، على معلومات تمكًن قيادة الاحتلال من فرض السيطرة، هو في خاتمة المطاف، وكما بينت سلسلة الوقائع، سلوك مراقب ومهيمن عليه وتحت الإشراف المباشر وليس سلوكاً عابراً وفردياً. إنه جزء فعال في الخطة العسكرية. إن أي محاولة لتبريره أو التخفيف من وقعه هو تضليل وخداع.

حين تصبح الانتهاكات الجنسية، القائلة في التلازم، سياسة ذات طابع استراتيجي لا مجرد حالات فردية معزولة ناجمة عن التدني في معرفة ثقافة البلد وتقاليده الوطنية، أو نتيجة الضعف في التدريب أو الكفاءة أو تراخي درجة الانضباط والالتزام بالتعليمات، فإن السلوك المشين يغدو نوعاً من عقيدة.كانت الفكرة الاستشراقية الحمقا، القائلة أن نقطة الضعف الكبرى والمركزية عند العرب هي الجنس، لأنهم يشعرون بالعار والخزي من تعرض نسائهم للانتهاك، مادة حديث دائم ومتواصل بين المحافظين المؤيدين للحرب في واشنطن خلال الأشهر التي سبقت الغزو في آذار/مارس 2003، وكان كتاب العقل العربي لرفائيل بأخرق: لمؤلف اليهودي العنصري، هو (انجيل المحافظين الجدد) كما لاحظ هيرش (5)، فهو يتضمن فصلاً مقيتاً وسطحياً مليئاً بالمغالطات التاريخية عن العرب والجنس. ما يقوله الكتاب ينطوي على تبسيط أخرق: العرب لا يفهمون سوى لغة القوة وأن أكبر نقاط ضعفهم هي الشعور بالعار.

هذه الطريقة في فهم العراق والعرب، هي التي مهدت الطريقة لارتكاب الجريمة في ابو غريب و قادت الجنود إلى ممارسة الجنس داخل مساجد الفلوجة (6). وهي ذاتها التي ستقود رجال البنتاغون إلى اختطاف الجزء الخاص بالنساء من قصة الفضيحة.

إن التاريخ الجنائي العراقي بالكاد يعرف قصصاً حقيقية عن حالات اغتصاب وقعت في البلاد، وثمة في هذا النطاق المحدود قصص مبعثرة وعديمة القيمة عن حوادث شهدت تعرض نساء عراقيات إلى عدوان جنسي من قبل عراقيين مارقين أو متهتكين. والأدق أنه لا يعرف هذا النوع من الجرائم على النحو الذي جرى تطبيقه في أبو غريب. كانت جرائم أبو غريب الجنسية مستوردة بأدًق المعاني، تطبيقاً حرفياً لجرائم وممارسات مماثلة تشهدها المدن والسجون الأمريكية بانتظام ويعرفها المجتمع الأمريكي والغربي عموماً. بينما تبدو مثل هذه الجرائم في التاريخ الجنائي العراقي وكأنها من دون أي سياق منطقي. جرائم الشرف في تاريخ هذا البلد، تكاد تتمحور وتنحصر في موضوع واحد:علاقة عابرة بين إمرأة ورجل، ينجم عنها حمل يتسبب في قتل المرأة في الغالب بينما يفلت الرجل من العقاب أو ينال قصاصاً مخففاً. ولذا تبدو قصة الاغتصاب في ابو غريب برمتها، جديدة تماماً وصاعقة بالنسبة لمجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي.

القصة بدأت مع التاسع من نيسان/ابريل 2003 مع احتلال بغداد، ولكنها لم تنته بعد، لأن فصلاً إضافياً أنجزه الجنود الأمريكيون في مساجد الفلوجة مؤخراً، يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات أخلاقية أو يضيف أبعاداً جديدة تجعل من فضيحة السجن أقل أهمية من فضيحة تحويل المساجد إلى أمكنة عبث مفضلة. ومهما يكن من أمر، فإن توسيع نطاق السلوك الجنسي المشين، بحيث يشمل مسجد المدينة وسجنها معاً، أي يقوم بدمجهما معاً في فضاء جغرافي واحد، من شأنه أن يدعم وجود هذه الانتهاكات وأن يخرج بها إلى العلن برغم كل تدابير السرية. إنه التوسع الجغرافي الذي سوف يرغم المنتهك على الكشف عن جريمة انتهاكه.

من بين أكثر الأدلة قوة، على أن سلاح الاغتصاب استخدم بشكل منهجي في سياسة فرض السيطرة داخل العراق، ما حدث في الفلوجة أثناء اجتياحها الأخير. يكشف عزيز جبر شيال مدير مركز بغداد لحقوق الإنسان في حديث مع صحيفة (آفاق عربية) (7)، ونشر في (شبكة البصرة) على الإنترنت في 17 آذار/مارس 2005 (8) النقاب عن وقوع 149 حالة اغتصاب داخل مساجد الفلوجة وحدها. يقول جبر في رده على سؤال: هل تمكنتم من زيارة الفلوجة عقب اقتحامها؟ للأسف – يقول جبر - لم يتمكن الفريق الميداني الخاص بالمركز من الدخول إلى المدينة بسبب منع القوات الأمريكية له. لقد اعتدوا على الفريق بالضرب وجرى طرده من المدينة، بيد أننا تمكنًا من الحصول على تقارير خاصة تؤكد أن قوات الاحتلال انتهكت أعراض 149 امرأة داخل المساجد.

يتضمن هذا التقرير الخطير والمفجع، معلومات يصعب إنكارها نظرا للشواهد الكثيرة على الانتهاك والقسوة. دمار هائل. تخريب فظيع لكل شيء، حتى شبكات الماء الصالح للشرب. لقد ألحق الأمريكيون بالمدينة خراباً لن تخرج منه حتى بعد مضي سنوات من العمل على إصلاح البنى التحتية. وإلى هذا كله تمً تلويثها باليورانيوم المشع، كما ضربت بأنواع من القنابل (كانت تترك دخاناً قاتلاً يدعى الصبيان ذوي السيقان الطويلة) حسب ما نقلت وكالات الأنباء. ولكن التقرير، في الإطار ذاته، يتضمن توثيقاً لحالات اغتصاب جرت خارج أسوار سجن أبو غريب. وهذا هو الجديد في الرواية.

تقع الفلوجة، فعلياً، في الفضاء الجغرافي لسجن ابو غريب الرهيب، وتربطها به شبكة طرق زراعية فضلاً عن طريق سريع يصل ما بين بغداد والمحافظات.إن لهذا الأمر دلالة خاصة. لقد نقل الأمريكيون سلوك الاغتصاب الجنسي كسياسة رسمية في استراتيجية السيطرة على المناطق، من زنازين السجن المغلقة إلى المدينة ومحيطها مروراً بالمسجد. وبذلك فإنهم نوع جديد وغير مسبوق للمدينة، تدنيسها وتهشيم كل قدسية محتملة لها (كانت الفلوجة ولا تزال في أنظار العراقيين رمزاً مقدساً للمقاومة البطولية). وبذلك فإنهم، وعبر هذا النقل الميداني للعنف الحربي الممزوج بالسلوك المشين، يقومون عملياً ببناء مجتمع النساء النموذجي، الذي تنقلبُ فيه طهارة المسجد إلى دنس، ويتحول فيه مكان العبادة إلى مكان موبوء، ملوث ومتسخ ومليء بالقاذورات. ولعل المشاهد المحزنة التي نقلتها الفضائيات لمساجد الفلوجة وقد تحولت بفعل القاذورات والأوساخ والأتربة الناجمة عن الدمار، تعطي صورة دقيقة إلى حد ما، عن مغزى التلويث وحجمه وحدوده والغرض منه. بيد أن وقوع حالات الاغتصاب داخل المساجد، وهو أمر لا شبيه له في أي حرب سابقة، من شأنه أن يجعل من هذه المعلومات مصدر فضيحة أخلاقية وثقافية كبرى. إن ملاحظة سيمور هيرش السديدة عن كتاب العقل العربي (انجيل المحافظين الجدد) الذين صممًوا هذه الحرب وقادو الغزو، بحماسة تماثل الحماسات العاطفية للحروب المقدسة في الماضي، تكتسب قيمتها التطبيقية من هذه الواقعة المروعة، ذلك أن مجتمع النساء الجديد المُدنس واللا أخلاقي، والذي ستجري فيه أكبر عملية لاختبار إمكانيات السيطرة على السكان، بواسطة الاستخدام المزدوج للسلاح وعمليات الاغتصاب الجنسي، أي بواسطة ذلك المزيج العنيف من القوة العسكرية واستغلال نقطة الضعف الثقافي، بحسب تصورات (باتاي)، إنما هو المجتمع الوحيد الذي يمكن تطوير جغرافيته باستمرار بحيث يصبح قابلاً للتمدد في مساحات إضافية، وليغدو هو نفسه المجتمع المرغوب به. وهذا هو بالضبط الوضع الحقيقي لسجن أبو غريب وامتداده الجغرافي: مساجد الفلوجة.

لقد أصبح المسجد امتداداً للسجن بفضل هذه الاستراتيجية. إنه السجن النموذجي للمسلم سواء أكان امرأة محجبًة أم رجلاً. بهذا المعنى، فإن الوظيفة الحقيقية للانتهاك الجنسي للنساء المحجبات داخل المسجد، إنما هي دمجه ومماهاته مع السجن. وبذلك يتحول المسجد إلى زنزانة، مثله مثل الحجاب في تصورات الأمريكيين له.

يسلط تقرير جبر الأضواء الكاشفة على نمط الانتهاكات، فيلاحظ أن الجنود والضباط الذين يتولون التعذيب في سجن ابو غريب ينتمون - في غالبتهم- إلى المسيحية الصهيونية، وهذا جلي في حالة سجن آخر هو سجن المطار (مطار بغداد) وفي سجن قصر السجود. الأخير يستحق وقفة تأملية: إنه من قصور الرئيس صدام حسين الفخمة وكان ويا للمفارقة مادة للشائعات الأمريكية عن وجود أسلحة الدمار الشامل تحت أحجاره العملاقة. الآن لم يعودوا يبحثون عن أسلحة في قصور صدام بل عن نساء محجبُات. ثمة سجن ثالث يدعى سجن (بوكا) في أم قصر. إنه من المعتقلات الرهيبة التي لم يكن العراقيون قد سمعوا بها من قبل. الآن تحول الميناء الجميل المطل على الخليج إلى سجن. يقول جبر: كانوا يتركون السجناء دون استحمام طوال شهر في طقس صيفي حار لا يطاق وفي ظروف شديدة القسوة. بعد ذلك يأمرون السجناء رجالاً ونساء بالاستحمام الجماعي. في هذا الحالة يصبح مجتمع الاغتصاب النموذجي مكتملاً من حيث معماريته الاجتماعية، فهو ينقل الاختلاط بين النساء والرجال إلى مرحلة العري البدائي الكامل، وينجز، دون تردد، العودة إلى العُرية الأولى. (ربي كما خلقتني)!.

في الحالات المعروفة التي يتضمنها التاريخ الجنائي العراقي، ثمة معطيات ووقائع كثيرة عن وقوع عدوان جنسي على النساء، ولكن هذه الحالات لا تشير، ولا بأي صورة من الصور إلى هذا المزيج المريع من التهتك والفجور والقسوة. بينما أصبح التاريخ الجنائي الجديد لمجتمع الاغتصاب الذي يبنيه الأمريكيون في العراق، يشير أكثر فأكثر ومن دون انقطاع، إلى إن حالات العدوان هذه أضحت وسيلة أو أداة لا لانتزاع المعلومات وحسب، وإنما لتدريب المجتمع المحتل بأسره على تقبل ثقافة أخرى. ثقافة الاختلاط العاري والعودة إلى العُرْية الأولى للإنسان. وعلى الأرجح ترتبط مثل هذه الانتهاكات بشكل وثيق، كما يبين التاريخ الجنسي للكولنيالية الأوربية في آسيا وأفريقيا، وكما يوضح التاريخ الجنسي للإمبريالية الأمريكية في كوريا واليابان والفلبين، بدرجة تعاظم نفوذ وسيطرة القوة المحتلة، إلى الحد الذي يصبح فيه اعتداء الجنود على نساء البلد المحتل، جزء من نظام السيطرة الثقافية. وهذا ما يكسب النموذج العراقي خصوصيته فرادته بين سائر النماذج الأخرى.

لاحظ هيرش أن الفكرة القائلة أن العرب ضعفاء بشكل خاص إزاء الامتهان الجنسي، هي التي لعبت دوراً محورياً في تشكيل وعي رجال البنتاغون والمحافظين الجدد لموضوع العراق، وهي التي كانت باعثاً من أكثر البواعث فعالية في تطوير نظام انتزاع المعلومات أو ما يسمى (البرنامج الخاص). ولكن هيرش لم يلاحظ أن هذه الفكرة هي لب النموذج الذي يرغب الأمريكيون في رؤيته وقد أُنجز في الشرق الأوسط: مجتمع اغتصاب مستسلم لقدره.

أهلاً بكم في العراق الجديد.

 

 

ثانياً: استعادة التضامن:

(عندما يصبح الموت تجسيداً أعلى للحرية)

قصة السيدة نور تستحق أن تروى بالمقدار ذاته من المرارة التي طبعتها بطابعها الخاص. ولكن الصور القاسية التي تتضمنها، تستحق، في المقابل وبكل تأكيد، إخضاعاً فعالاً لتحليل خصب يخطو بها إلى ما وراء حدود الجرائم التي شهدها أبو غريب ضد النساء، مع علمنا أن ما من قصة أكثر فظاعة من قصة الاغتصاب الذي وقع هناك. ما جاء على لسان السيدة العراقية مكن، على أية حال، عدداً كبيراً للغاية من العراقيين، من أن يدركوا بصورة أفضل، بعض الحقائق المتعلقة بموضوع تعرض السجينات للاعتداء، خصوصاً في ظل نظام التكتم الشديد الذي تعتمده إدارة السجن إزاء حالات الانتهاك، وإنكارها المتواصل وقوع اعتداءات مشينة. مؤخراً، وبفضل هذه الرسالة، تكشفت الحقيقة وتبين أن سجن أبو غريب الرهيب ليس مكاناً لتعذيب واعتقال الرجال وحسب، بل هو مكان لاغتصاب النساء الأسيرات والمعتلات أيضاً. فهل ذلك هو، حقاً، ما أثار كل هذا الحنق والغضب عند العراقيين وأشعل فيهم روح الثأر والقصاص ورما القنوط؟ أم أن قصة الاغتصاب كانت معروفة أصلاً، على نحو ما وبشكل مشوش خال من المعطيات الضرورية، وأن كل ما فعلته الرسالة هو أنها جاءت في الوقت المناسب لتقرع الناقوس بقوة لا أكثر ولا أقل؟ الرسالة فضلاً عن كشفها لهذا الجانب المأسوًي، تتضمن إشارة صريحة إلى حدوث حالات حمل (سفاح). هاكم ما تقوله نور:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى أهلي وأخوتي الشرفاء في الرمادي والخالدية والفلوجة. إلى جميع الشرفاء في العالم. سلام من الله عليكم. قال تعالى في كتابه العزيز ((يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) صدق الله العظيم.

رسالة من أختكم نور من سجن اليهود في ابو غريب. من أين أبدأ أيها الشرفاء؟ يعجز القلم عن الوصف، أصف لكم الجوع وأنتم تأكلون، أم أصف لكم العطش وانتم تشربون، أم أصف لكم السهر وأنتم نائمون؟ أم أصف لكم عراءنا وأنتم تلبسون؟ بأخوتي، عندما نرى قلاباتكم* وسياراتكم تنقل مواد البناء، وعندما نقرأ هوية السيارة، فإذا هي تحمل اسم أهلي ومحافظتي فأقول راجعة إلى نفسي: إن أهلي وأخوتي قد باعوا أعراضهم بمالهم. الدولار الأصفر**، ولكن أتذكر الشرفاء وابكي على حالي. ماذا أصف لكم مما نلاقي من العذاب والضرب المبرح حتى نحفظ لكم العرض ونصون الأمانة؟ فأين انتم يا علماء الدين؟ هل نسيتم الرسالة التي جاء بها الصادق المصدوق*** محمد (ص)؟ إن نسيتموها بسبب الدينار الذي تتقاضونه من اليهود، فسوف نوقفكم أمام الواحد الأحد، فنحن أمانة في أعناقكم.. سألتكم بالله ومن تقع بيده هذه الرسالة من العلماء أصحاب المنابر الشرفاء الذين يخافون يوماً تنقلب فيه القلوب والأبصار، وهذه أمانة يجب أن تنقلوها على منابركم أيها الشرفاء.. تذكروا يوماً كنتم تنظرون- فيه-**** إلى إخوانكم في فلسطين. أننا نعاني ما نعاني عندما ننظر إلى اليهود وهم يريقون الخمر أمامنا ويهتكون أعراضكم كالحيوانات المفترسة ويسرحون ويمرحون مع اللاتي***** هانت عليهن أعراضهن.. أيها الشرفاء كم مرة تموتون؟ أعراضنا هتكت، وملابسنا تمزقت وبطوننا جاعت ودموعنا جارية، ولكن من ينصرنا؟ لا أريد أن أودعكم.. وقبل أن أودعكم أقول لكم: اتقوا الله في أرحامكم فقد امتلأت بطوننا من أولاد الزنى******. وقبل الوداع أقول للشرفاء، إذا كنتم تمتلكون الأسلحة فاقتلونا معهم داخل السجون.. أسألكم الله.. أسألكم الله.

أختكم في الله: نور

 

ثمة أمر محير وشديد الإثارة في هذا النداء الحزين!

ترى، الطلب منظوراً لنساء السجينات المغتصبات إلى مخاطبة رجال مجهولين، ستقع الرسالة بين أيديهم في النهاية، وطلب القصاص منهم: أن يهبوا لقتلهن غسلاً للعار سوية مع المجرمين؟ يبدو الطلب منظوراً إليه من خلال سياقه وعبر التاريخ الجنائي في العراق، غريباً بعض الشيء، فالأمر المألوف في جرائم الشرف، كما تخبرنا وقائع لا حصر في هذا التاريخ أن النساء يتعرضن للقتل على أيدي أقرباء من الدرجة الأولى (أخ، ابن عم الخ….) وليس على أيدي غرباء. كما أن جرائم الشرف تكاد تكون متماثلة حتى في أدق تفاصيلها الشخصية والخاصة بطرق وأشكال القصاص.

ما تثيره الرسالة أمر آخر يتعلق بروح التضامن..

إن الإحساس بروح التضامن بين العراقيين، حتى في هذا النوع من الحالات، لا يزال عارماً وقوياً على الرغم من التمزقات الوجدانية والثقافية والشروخ السياسية. نادراً ما شعروا بأنهم يفتقدون إلى روح التضامن.ولذلك يتبدى الرجال في أعين النساء في المجتمع، وفي هذه الحالة بالنسبة للنساء السجينات، بوصفهم- جميعاً - من قرابات الدرجة الأولى، التي من حقها وواجبها إنزال القصاص بالضحية وجلادها على حدً سواء، وأنهم يتحملون المسؤولية الأخلاقية عن إنزال القصاص وإحقاق الحق. هذه النظرة إلى مسؤ، ومن العراقيين من دون النظر إلى عامل القرابات الدموية أو الاعتداد به، هي موضوع مثير للاهتمام. من حقهم جميعاً إذ، ومنن واجبهم الأخلاقي كذلك، بالعرف والثقافة التقليدية الراسبة في المجتمع، أن يلعبوا الدور نفسه الذي تلعبه القرابات الدموية المباشرة. وبكل تأكيد حين يصبح هذا الإحساس بالتضامن الجماعي عند الضحايا طاغياً وحقيقياً، فإنهم إنما يحققون عبر مأساتهم الشخصية وحدة المجتمع كله، هذه الوحدة التي دمرً المحتلون مادتها الصمغية، وفككوا روابط الطبقات والجماعات من داخلها، سوف تصبح بفضل الدعوة إلى القصاص موضوعاً من موضوعات الرسالة. وذلك هو السرُ الغامض القابع خلف إحساس العراقيين، الذين كانوا يتبادلون نسخاً منها، بالغضب والعار والحنق وأنهم مسؤولون جميعاً، بالفعل، عن تحرير السجينات المعذبات.

غالباً ما يتطلع مجتمع الضحايا المعزولين والمغتصبين إلى هذا النوع من المساعدة، فالحرية قد تكون هدفاً يمكن الحصول عليه بواسطة الموت، إن الرغبة بالموت في المجتمعات الفقيرة والضعيفة، ومجتمعات العالم الثالث عموماً، وحيث يلعب الإسلام دوراً محورياً في ثقافاتها، هي اللغز الذي سوف يظل عصياً على ثقافة الآخر ووعيه وفهمه لهذه المجتمعات، لن يفهم أبداً، كيف ولماذا تحدث عمليات الاستشهاد، وتحت أي شرط ثقافي تطلب الضحية أن تموت مع جلادها في قصاص واحد؟ وكيف ولماذا يكون الموت مطلباً مماثلاً للحرية؟

ومن بين أكثر القرابات التي يؤسس لها هذا النوع من الرسائل، عبر موضوعها الخاص والحساس بشكل مفرط، بين الأفراد في المجتمع من جهة، وبين الأفراد ومجتمع الضحايا المعزول من جهة أخرى، أهمية وضرورة بشكل استثنائي، تلك التي تبزغ في مجال اللغة وفي نطاق خلق روابط ووشائج ثقافية جديدة. إن هذا النوع من الرسائل يؤسس قرابات لغوية مدهشة بين كلمتي الحرية والموت. مثل هذه القرابة التي تبلغ حدود التماهي بين كلمتي الحرية والموت، في سلوك وثقافة المجتمع العربي (البدائي وغير المتحضر بالأمس غير البعيد، وبالطبع غير الديمقراطي اليوم) هي الأحجية التي أخفقت سائر الكولنياليات البيضاء في فهمها منذ القرن ما قبل الماضي وحتى اللحظة، وكانت باستمرار مفتاح كل انتصار وتحرر وطني في العالم الثالث برمته. وهنا يكمن مغزى التضامن في ما بين العراقيين وهم يتبادلون الرسالة، ويشوقون للحظة الهجوم على سجن ابو غريب لتحرير النساء.

أخيراً ها قد بدا التمرين الأول تحضيراً للهجوم المنتظر.

 

1 - مجتمع النساء

الرجل الأبيض في مخدع الحريم

عندما تبلغ درجة الانتهاك هذا الحدُ الفظيع من الشعور بالألم في (مجتمع النساء) المعزولات عن العالم كليا، فهذا يعني أن الاعتداء الجنسي ليس تماماً مجرد اعتداء يقع في نطاق حالات فردية عابرة حدثت، سواء بسبب ضعف وسوء التدريب على إدارة السجون، أم بسبب انعدام الوسائل الفعالة في الرقابة على سلوك السجانين. إنه انتهاك فظ يتجاوز نطاق المبررات بكل يقين. والأهم من ذلك أنه لا يبدو متعارضاً تماماً مع قيم وثقافة القوة المهيمنة. ألم يجر اغتصاب الرجال في الزنزانات المجاورة؟ على الضد من ذلك، يصبح دليلاً على أن القوة المهيمنة، وفي سياق محاولتها فرض قيمها وثقافتها بالقوة أو الترويج الدعائي لأفكارها ومفاهيمها ورؤاها للعالم والتاريخ والحياة الاجتماعية، إنما تشرع ببناء نموذج مصغر عن المجتمع المحتل. ليس هذا النموذج سوى مجتمع الاغتصاب الذي ستكون مهمته الأساسية، وربما الوحيدة، تمكين قوة الاحتلال من تجربة ظروف وإمكانيات ووسائل السيطرة على المجتمع واختبارها. مجتمع النساء الشرقيات (الحريم الاستشراقي) العربيات، المسلمات، المحجبًات، هو الذي سوف يتراءى ويتراقص، على الدوام، في مرآة الاحتلال. وكل امرأة فيه، هي في عيني الجندي، المرأة المسلمة والمحجبًة ذاتها، والتي يجب، بواسطة القوة أو الاغتصاب، تحريرها من عقدة الشعور بالعار، أي من نقطة ضعفها المميتة. لقد جاءوا ليزيلوا عنا نقاط ضعفنا، وتلك هي مهمتهم التي باركها إله الحرب. ليست هناك، تقريباً خارج هذا النمط من التخييل أي صور أخرى للنساء لحظة الاغتصاب.خارج المرآة التي تعج بصور نساء محجبًات وأسيرات تنعدم الصور الأخرى أو تتلاشى.

الرجل الأبيض المعاصر، والذي يعبر المحيط من جديد في مغامرة لا حدود للمخاطرة فيها، حاملاً الهدية للشعوب البدائية والمتخلفة وغير الديمقراطية، يرغب في أن ُينظر إليه كمصمم بارع لمجتمع نساء نموذجي، تقوم هندسته المعمارية على تكديس أكوام اللحم البشري العاري لفترات زمنية مؤلمة وفي أوضاع موجعة وفي درجة برودة قصوى، أو في درجات حرارة ملتهبة، لشدًتها سوف يغلي فيها الدم ويفور، تماماً كما كان أسلافه يفعلون في الهند الصينية وكوريا واليابان وهاييتي. سيتدرب على انتهاك هذا المجتمع، وعلى تجربة فض بكارته وتمزيق حجبه التي تعيق قدرته ورغبته في النظر بحرية أكبر إلى سحر الشرق. بالطبع لا شيء، سياسياً أو أمنياً، يمكن أن يفسرً هذا الاحتدام المخيف في نفوس الجنود الأمريكيين المطبقين لبرنامج التواصل الخاص (9) على مطاردة النساء العراقيات منذ اليوم الأول لسقوط بغداد. ولا شيء أيضاً، يمكن أن يفسر السر وراء إتباع قوات الاحتلال سياسة اعتقال النساء المسنات، فلمرات عدًة ومتتابعة كانت القوات المحتلة تقوم باعتقال نساء عجائز، سوية مع فتيات صغيرات عند الحواجز أو أثناء مداهمات المنازل في المناطق الغربية البدوية (مناطق أبو غريب والفلوجة والرمادي وحديثة). هذا على الرغم من النصائح التي تقدًم بها رجال قبائل ومستشارون ومترجمون خبروا عقلية أبناء هذه المناطق وكانوا يعملون معهم كتفاً لكتف. كانوا يؤكدون لهم أن اعتقال نساء البدو، بشكل خاص، سيولد ردود أفعال غير متوقعة، وأن من الأجدى ترك هذا العالم، ومع ذلك ظل الأمريكيون يحرصون على تطبيق استراتيجية إنشاء (مجتمع نساء) معزول، يتم حجبه تدريجياً عن العالم. إنه العالم الجديد للنساء المحجبات، والذي يصبح فيه السجن نوعاً من حجاب حديدي.

في هذه الحالة وحدها يمكن تفسير السرُ ومعرفة السبب، ويصبح اعتقال النساء واغتصابهن في الدولة الواقعة تحت الاحتلال، جزء عضوياً من سياسة وثقافة الاحتلال نفسه. استطراداً فيها وليس انقطاعاً عنها. هذا ما فعله الفرنسيون في الجزائر والإنجليز في مصر في مطالع القرن الماضي. ينشأ مجتمع الاغتصاب هذا، ويتشكل في الغالب اليوم، أوضاع استثنائية وحالات طواريء قصوى في الدول، كالاحتلال مثلاً، كما ينشأ في ظروف أخرى، عن نمط من انفلات قوى المال والنفوذ أو السلطة، وبحيث تتمكن -هذه القوى- من البروز كقوى هيمنة شبه مطلقة لا حدود لسيطرتها ووحشيتها، وقد يتشكل بفضل نمط من التحلل المفاجيء أو المباغت، من كل، أو أي شكل، من أشكال الرقابة والكبح، أثناء الحروب الداخلية والصدامات العرقية الفالتة عن السيطرة أو خلال الحروب الأهلية الطاحنة، والصدامات الدامية بين الكتل السكانية (كما حدث في رواندا مثلاً قبل بضع سنوات بحيث يصبح اغتصاب النساء نوعاً من انتقام قوة من قوة أخرى). بينما في النزاعات القبلية عند البدو، وحتى اليوم، يتم تحييد النساء أثناء النزاعات المسلحة ولا تجري أي محاولة للاقتراب من هذا الجانب الحساس في الثقافة المجتمعية. المجتمع العربي المعاصر، بقبائله وعشائره وجماعاته وثقافاته المتنوعة والغنية، وبخلاف المجتمعات البدائية في استراليا وغينيا الجديدة وفي إفريقيا، لا يزال يعيش في قلب ثقافة قديمة من بين أبرز عناصرها، الفكرة المتعلقة بحرمة النساء الأسيرات اللواتي يحصلن، فور وقوعهن في أسر القبيلة أو الجماعة المعادية، على مقدار مذهل من الحماية وصون الكرامة.

والأدب العربي القديم الذي سجل هذه القيم في قصص وأشعار ومرويان، لا يعرف قط أي واقعة حقيقية وموثقة تتصل بتعرض الأسيرات لأي نوع من أنواع الاعتداء الجنسي. وبالطبع لا وجود لثقافة الاعتداء على النساء عند العرب إبان الحروب والمنازعات، وحتى الآن فإن القبيلة العربية تنظر باحتقار للرجل الذي يضرب إمرأة في مكان عام، أو يبدو تصرفه تصرف رجل جبان، حين يمتنع عن مساندتها عند تعرضها للخطر. إن مجتمع القبائل العربية، الذي ينظر إليه الاستشراقيون وأصدقائهم من المثقفين الليبراليين العرب، بشيء من الغطرسة والعنجهية والاستعلاء العنصري بوصفه مجتمع (نقطة الضعف) بسبب شعوره بالعار والخزي من الانتهاك الجنسي، يصبح، بفضل استمرارية ثقافته القديمة وتقاليده، أكثر إنسانية وتحضراً من مجتمعات الرجل الأبيض المعاصرة. إن مجتمع تحييد النساء العربي (القبائلي المتخلف والرجعي كما يُزعم) هو النموذج الإنساني الوحيد، وتعبيراً الأمريكي والغربي، لأنه على الأقل يرى، في كل اقتراب من هذا الجانب الحساس في المنازعات، وكل انتهاك للمرأة الأسيرة عاراً ما بعده عار، بينما لم يشعر المجتمع الأمريكي (كله) بالعار، حتى وهو بتابع تقرير سيمور هيرش الجريء في (النيويوركر) عن فضيحة سجن أبو غريب حيث أُغتصب الرجال. بهذا المعنى يصبح الاعتداء الجنسي على النساء في أبو غريب تجسيداً للتصادم بين ثقافتين ونمطين من القيم، وتعبيراًً بليغاً عن ثقافة انتهاك متأصلة في مشروع الغزو، لا مجرد أخطاء فردية ناجمة عن ارتباك إداري.

إن أكثر الجماعات البشرية في العالم المعاصر، عرضة للاتهام بوجود ثقافة غزو، منحطة وعدوانية وعنيفة في تاريخها هي العرب. هذه النظرة التبسيطية كرسها الاستشراف منذ القرن قبل الماضي، وهي لا تزال قائمة وفعالة في كتابات كثرة من الباحثين الغربيين. لأن هؤلاء- أي العرب- وبسبب بيئتهم الصحراوية اعتادوا على الغزو. إنهم متوحشون ولهم طباع عنيفة وخشنة. لقد صارت البداوة دليلاً على وجود ثقافة مجتمعية غير مقبولة، وعلى وجود نظام من القيم والمفاهيم والرؤى البدائية. لكن الرجل الأبيض، الحانق على ثقافة الغزو البدوي عند العرب، والذي طالما نددً به – كما في المجلدات الضخمة التي وضعها المستشرقون وكما في أشعار غوته ومسرحيته عن النبي محمد (ص) وفي كتابات (باتاي) العنصرية - عرف هو نفسه، وجرُب الغزو وتشبع بثقافته على نطاق واسع منذ مطالع القرن قبل الماضي مع صعود عصر الكولنياليات البيضاء. فلماذا تبدو غزوات الرجل الأبيض للشعوب الفقيرة والضعيفة، رائعة وتقدمية، بينما تصبح ثقافة العربي القديمة التي كفً عنها أصلاً، مع انتقاله إلى مجتمع مدني حديث وأصبحت مجرد تراث، نوعاً من انحطاط رجعي يثير الفزع عند الليبراليين والحداثيين؟ الفارق الجوهري في ثقافتي الغزو عند الأمريكيين والعرب كأمتين متجابهتين ومتصادمتين اليوم يكمن هنا: إن ثقافة الغزو البدوية تتأسس على قواعد أخلاقية صارمة، بينما تبين تجربة معتقل أبو غريب أن الغزاة الأمريكيين المتحضرين الديمقراطيين، كانوا يتحللون من أي التزام تجاه القاعدة الأخلاقية الأولى والبسيطة في الغزو: تحييد النساء.

 

2 - ثقافة ضد ثقافة:

من العزلة إلى السلاح

على هذا النحو يصبح الغزاة من حاملي هدية الحرية للعالم، مجرد موجة عاتية من المتوحشين وممارسي الاغتصاب.

إن مجتمع الاغتصاب، هذا الذي يتشكل إبان الاحتلالات الأجنبية وحين تغدو القوة المحتلة، مع فشل الدولة في الدفاع عن مواطنيها تحت الاحتلال (في كوريا واليابان مثلاً، بلغت أعداد الضحايا من الفتيات المغتصبات منذ الخمسينات وحتى اليوم أرقاماً قياسية) أو تلاشيها عن المسرح (كما هو الحال مع النموذج العراقي) أو عجزها عن ضمان حماية مجتمعها المحلي (كما في نموذج نزاع البلقان حيث كشفت الوثائق أن الفتيات الصربيات تعرضن للاغتصاب على أيدي قوة الحماية الدولية) قادرة أكثر فأكثر لا على فرض ثقافتها الخاصة والمنتصرة وحسب، وإنما كذلك فرض أشكال مبعثرة من السلطة، ومن نظم السيطرة في الأحياء الفقيرة والمدن الصغيرة وفي المنعزلات السكانية النائية. وفي هذه المناطق كما بينت الأحداث- تجربة العراق وفلسطين تحت الاحتلال مثلاً- تجري هناك وبانتظام، من خلال انتهاج سياسة الاضطهاد الجماعي للسكان، ومن خلال فرض نظام تفتيش النساء على الحواجز من قبل جنود لا مجندات، وهي الحواجز التي غالباً ما تشهد مناظر مؤلمة عندما يتصرف الجنود بوقاحة مقصودة، ويقومون بتحسس أجساد النساء أمام أزواجهن، أكبر عملية اختبار لإمكانيات تطويع المجتمع المحتل والسيطرة عليه ومحاولة إرغامه على قبول ثقافة الآخر. مثلاً، لوك الكولنيالي الكلاسيكي سبقت تجربته في الهند والعراق. مثلاً، أثناء الاحتلال البريطاني 1917، اختبر البريطانيون أولى أنظمة السيطرة على السكان في أسواق بغداد التجارية، كان الحاكم العسكري يسير في الشارع، بينما يتراكض أمامه بضع جنود من السيخ والهنود وهم يضربون المارة بالعصي من دون أي سبب، وفي الآن ذاته كانت الشتائم البذيئة توجه إليهم من أجل أن يفسحوا الطريق أمامه. وفي الأهوار (جنوب العراق) وحيث واجهوا هناك تمرداً شرساً من رجال العشائر، اعتمد البريطانيون سياسة إهانة الرجال.

ولكن إعادة إنتاج هذا النظام مع الأمريكيين لا تبدو إلا كتطوير بوسائل أخرى لنظريات السيطرة. تحويل الإهانات إلى انتهاكات جنسية مباشرة. إنها نصيحة اليهودي (باتاي) للمحافظين الجدد: دمروا نقطة ضعف العرب، أزيلوها من الوجود. أعني شعورهم بالعار والخزي. لا ينبغي لهم أن يشعروا بالخزي من الاغتصاب وانتهاك الأعراض!!!.

تقدم تجربة ما كان يدعى فيتنام الجنوبية أكبر مثال عن (مجتمع النساء) الذي أقامه الأمريكيون طوال فترة الاحتلال فالحرب مع فيتنام الشمالية. لقد تحولت سايغون إلى مبغى كبير، وكان الاغتصاب سلوكاً قابلاً لأن يتم التغاضي عنه بسهولة، تماماً مثل جرائم القتل العمد ضد المدنيين، إنه المجتمع النموذجي الذي أمكن للأمريكيين فيه من أن يستأصلوا دفعة واحدة (نقطة ضعف) الفلاح الفيتنامي.

في الحالات التي يعجز فيها المجتمع تماماً عن تقديم الدعم أو الحماية لأفراده، تنعدم إمكانية الوصول إلى الضحايا نهائياً. لقد أصبحوا منذ الآن في عزلة تامة.

ولأن الضحايا في (مجتمع النساء) المغلق، وكذلك الأفراد العزل في المجتمع المحتل على حد سواء، يعيشون التضامن في ما بينهم كثقافة قوية راسبة ومستمرة، فإنهم نادراً ما يتقبلون خطط القوة المحتلة ويقاومون إرغامهم على التخلي عن حق التواصل في بينهم، وعلى العكس من ذلك يبتكرون كل الأشكال والوسائل التي تجعل من وحدتهم أمراً ممكناً. وهذا هو البعد الحقيقي في رسالة السيدة العراقية أسيرة أبو غريب. إنها وبواسطة إرسال رسالة، كما يفعل إنسان معزول في جزيرة نائية حين يضع رسالته في زجاجة ويرميها في البحر، إنما تقوم بأكبر محاولة لاختراق حاجز العزلة وإنشاء قناة اتصال فعالة مع الآخرين. ومع ذلك فإن عالم الضحايا يصبح، مع الوقت، عالماً سكونياً، مغلقاً ومنفصلاً عن عالم المجتمع، كل فرد فيه يرى في الموت حريته المفقودة، عالم سوف تتحكم في تقرير مصائر أفراده قوة تتعاظم درجة شراستها ووحشيتها وشهوتها من أجل فرض ثقافتها الخاصة. بهذا المعنى ستأخذ أي مواجهة، ومهما كانت عديمة الجدوى بين النساء العربيات المسلمات (المغتصبات) وبين (الأولاد المجانين) (10) شكل صراع ضارٍ بين ثقافة البشر العُزل، ضد ثقافة أخرى مسلحة. ثقافة المرأة الشرقية ضد ثقافة الرجل الأبيض.

ولأجل ذلك سيبدو الإخفاق في تأمين أي شكل من الحماية للضحايا، في (أبو غريب ومطار بغداد وبوكا وقصر السجود ومعتقل قاعدة الحبانية) وعشرات السجون الأخرى، من جانب المنظمات الدولية الإنسانية، دليلاً من بين أدلة كثيرة، لا على انحياز هذه المنظمات المبطن والمخفي لثقافتها البيضاء ضد ثقافة الآخر الضعيف، الشرقي المسلم، وإنما أيضاً على تغاضيها وحتى شراكتها غير المعلنة في تشكيل مجتمع الاغتصاب وتأمين الغطاء الأخلاقي والقانوني لبزوغه. ما يجري في العراق منذ التاسع من نيسان/إبريل 2003، يتطابق مع هذا التوصيف تماماً. والهجوم الجريء الذي وقع في مطلع نيسان/إبريل، على سجن أبو غريب، والذي نفذته المقاومة العراقية الباسلة، هو على خلفية هذه الرسالة الحزينة واليائسة. يجب، والحال هذه، أن يقرأ الهجوم الجريء على سجن أبو غريب من هذا المنظور بوصفه أول وأكبر محاولة من المقاومة العراقية، لإعاقة أو منع بزوغ مجتمع الاغتصاب. منع إمكانية تعميمه بكلام أدق.

لم تعد هناك دولة في العراق منذ 9 نيسان/إبريل 2003،مع تفكيك بناها ومرتكزاتها الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية، وهي الدولة التي اشتهرت بقدرتها العالية والاستثنائية على تقليص مساحة اغتصاب النساء. يعني هذا الأمر في سياق الأحداث الجارية، تلاشي أي إمكانية لمنع وقوع الاغتصاب.

اليوم، ومع استمرار هيمنة قوى الاحتلال على الحياة العامة للسكان، وعلى الرغم من التنفيذ الفاشل لما يدعى نقل السلطة إلى العراقيين (11)، وبالطبع مع استمرار سلطة الاحتلال في فرض وتطبيق قوانينها الخاصة، بعيداً عن رقابة المنظمات الدولية الإنسانية كالصليب الأحمر الدولي وجماعات حقوق الإنسان وأطباء بلا حدود، يصبح تشكيل مجتمع الحريم الشرقي الجديد هدفاً ثقافياً.

 لولا رسالة فاطمة ونور لكان بالوسع القول أن لا شيء يماثل صورة مجتمعات الاغتصاب التي شكلها الأمريكيون في العراق، سوى صورة مجتمعات مبعثرة تعيش تحت رحمة قوى هيمنة لا حدود لوحشيتها، وأن الضحايا هناك محكوم عليهم إلى الأبد بأن يظلوا في معاناة لا حدود لها، لوحدهم دون مساعدة متوقعة وفي منعزلات رهيبة غير قابلة للاختراق، أو أن روابطهم مع مجتمعهم ومع العالم كليا قد تقطعت كلياً، لو لا هذا النوع من الرسائل لخامرنا اليأس. لكن مجرد وصولها يبعث الأمل بإمكانية تحطيم جدار العزلة، لقد باتوا مجرد كتل من اللحم البشري المكوُم فوق بعضه، تماماً كما أظهرته وجسدًته الصور الفوتوغرافية التذكارية التي التقطها السجانون، وبعض المجندًات السعيدات والمتباهيات بممارسة الجنس الجماعي أمام المعتقلين، أي محض كتل مجردُة عن أي وسيلة حماية ممكنة.ألم تُلقي بها آلهة التاسع من نيسان أمام قدرها المحتوم؟! لتواجه كتلاً فولاذية، متوحشة ومسلحة ولديها الأوامر والتعليمات باغتصابهم!!.

الهجوم الجريء على سجن ابو غريب جواب عملي على رسائل وصلت. لقد نجحن في إنشاء قناة اتصال فعالة مع المجتمع. هو ذا يستعد لتقديم المساعدة.

لقد شعر العالم كله بالفزع، حين تسربت إلى الصحافة ووسائل الإعلام، أولى الصور عن اغتصاب الرجال في أبو غريب. ماذا إذن عن النساء؟

أهلاً بكم في العراق الجديد.

 

الأمر المؤسف والمحزن في تحليل هذا النوع من الرسائل أنها ستكون مقترنة بشكل مؤلم،  وبالطبع خارج نطاق الإرادة الذاتية بالنسبة لساردي نصوصها، بنوع غير مقصود من أنواع الانتهاك للأسرار الشخصية والخاصة بالنساء السجينات والمعذبات.ففي مجتمع محافظ شديد التكتم على اغتصاب نسائه، مثل المجتمع العراقي المتزمت بشكل مفرط في هذا الجانب على وجه التحديد، وفوق ذلك يشعر الرجال فيه بأن مجرد إثارة مسألة من هذا النوع، ومهما كانت البواعث والمبررات وحتى من دون ذكر الحالة الواحدة بالاسم، أو الاكتفاء بعرض الحالات مشفوعة بالأحرف الأولى من اسم كل ضحية، هو أمر ينطوي على نوع من التجريح بالكرامة الشخصية لكل عراقي، فإن الحجب والتكتم يصبحان، ويا للمفارقة، أكثر شبهاً بطوق جديد وإضافي ُيضرب من حول الضحايا. إنه الطوق الذي سيفاقم من درجة عزلتهم. ولذلك لا بد من تعميم المعلومات عن انتهاك النساء العراقيات، لئلا نساهم من دون إرادتنا، بالصمت المضروب من حول هذه الجريمة.

إن ما يخفف من عبء شعور المرء بمثل هذا الذنب، ويخلي مسؤوليته من المشاركة غير المقصود في انتهاك أسرار الضحايا، أن انتهاك الأعراض في أبو غريب، أصبح مسألة شائعة ومعروفة منذ أن نشرت عدة مواقع على الإنترنت صور السجينات العراقيات. الأمريكيون من جانبهم، وإمعاناً في الاستهتار وإذلال المجتمع المسلم، هم من نشر الألبوم الكامل لصور الضحايا، في إطار سجال داخلي بين البنتاغون والصحافة. لم تجر مناقشة جدًية لحالات الاغتصاب، ولكن بدرجة أقل من ذلك، دار نقاش حول طبيعة الأوامر والتعليمات التي يملكها المذنبون، وبالتالي انحصر النقاش أو كاد حول تعريف حدود الذنب الذي ارتكبه السجانون وليس حول الجريمة نفسها. بات السجال محصوراً في الفكرة التالية:هل كان السجانون هم ضحايا (أوامر وتعليمات، نقص في الخبرة، سوء في التدريب) أم هم مذنبون في جرم لا يستحق كل هذه الضجة؟

اقتلونا معهم.. بالله عليكم.. اقتلونا معهم..

* (العنوان البريدي:  alrubaiee@hotmail.com)

 

هوامش وتوضيحات

(1) - البغدادي، أحمد، جريد (براءة)، 6 محرم الحرام، 1426- 15/2/2005، الجريدة يصدرها آية الله أحمد الحسني البغدادي من النجف.

(2) مجلة (المجتمع) 20/2/2005، وجريدة البغدادي تنقل الرسالة عن هذه المجلة.

(3) هيرش، سيمور (المنطقة الرمادية: كيف انتقل برنامج سري للبنتاغون إلى ابو غريب) المستقبل العربي، بيروت، العدد 27، في تموز/يوليو 2004، نقلاً عن أسبوعية (نيويوركر) الأمريكية في 24 أيار/مايو 2004.

(4) المصدر أعلاه- هيرش

(5) الكبيسي، عبد الجبار، صحيفة (القدس العربي) الصادرة في لندن 4 حلقات تحت عنوان (ماذا يجري في العراق) المنشورة في موقع (شبكة البصرة) (وأنظر كراسة من منشورات نداء المقاومة بالعنوان نفسه).

(6) شهادة شخصية يحتفظ الكاتب باسم صاحبها لظروف وأسباب خاصة ويكتفي بالإشارة إليها (وثيقة خطية بتاريخ 9/4/2005).

(7) شيال، عزيز جبر، جريدة (آفاق عربية) في 17 أيار/مايو.. مدير (مركز بغداد لحقوق الإنسان) وأستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد.

(8) (شبكة البصرة) على الإنترنت في 20 آذار/مارس 2005.

(9) برنامج (التواصل الخاص)، أنظر سيمور هيرش، مصدر مذكور.

(10) تعبير (بعض الصبية خرجوا عن السيطرة) هو تعبير رامسفيلد  الحرفي، تعليقاً على أسئلة طرحت عليه بشأن موقف البنتاغون بعد نشر الصور الفاضحة (أنظر: هيرش، سيمور، مصدر مذكور).

(11) بينيس، فيلبس: (انتقال فاشل للسلطة: النفقات المتصاعدة لحرب العراق) (المستقبل العربي) في11/11 1004.

* حول رسالة نور: وردت بعض الكلمات غير المفهومة: قلاباتكم: تعبير يستخدمه العراقيون في الإشارة إلى (سيارات الحمولة).

** الأصفر: لا يستخدم العراقيون هذا التعبير إلا في معرض التهكم.

*** المصدوق: المُصدًق.

**** فيه: كلمة تمت إضافتها من جانبنا لتستقيم الجملة.

***** اللاتي: تم تصحيح الخطأ الإملائي أو الطباعي في النص الأصلي.

****** الزنى: الزنا