الحقيقة المجردة والواقع

سوسن البرغوتي *

من كان منهم بلا خطيئة، فليرمي المعارضة الفلسطينية بحجر، ويخمد الأصوات التي تنذر عن خطر يحدق بما تبقى من القضية المركزية. وما سلف من تقديم وتسهيل سبل التصفية الشاملة، يبدأ العد التنازلي في غرفة العمليات المشتركة، استعداداً لواقع هذا الركوع الأمثل في المحفل السري القريب على شاشة العرض بقرارات معدة مسبقاً.  في نفس الوقت يُصب وابل من الاتهامات والتجريح، لمنبر يرفع راية نقطة نظام، لمن يداهن ويجامل على حساب أهم اعتبار وطني وواجب مقدس، يثبت فشل ديمقراطية حرية الرأي والرؤى الوطنية المستقلة عن النزاع والصراع من أجل السلطة. ويدّون خروقات جلية من تداول اتفاقيات ومعاهدات وخرائط، تصب في مرمى كفة الميزان الأخرى في المعضلة الفلسطينية.

واعتقاد الكثيرون أن المسار القيادي لا ريب به، كمن يُخيل له أن  السراب يروينا بلا ماء. والاجتماعات السرية المدعاة إلى استغفال واضح يناقض القول بالعمل على الشروع بأكبر مزاد علني ُيقدم مجاناً للهيمنة والاستيطان.

السراب الذي اختلط على أصحاب أحلام اليقظة، ليزيد الطين بلة ديكتاتورية تنتقص أهم بند السيادة على القرارات والأرض، ويتغنى بمآثر وهمية تعزو إلى عاطفية انجراف ثلة وراء ما يسمى بالحكم الفلسطيني في أقل من ثلث القطاع والضفة. ليردد بالتالي كالببغاء تراتيل النصر، الذي لم نلمس إنجازاً جاداً ومرئياً له، بعد فترة حكم وعدت بالكثير من الإصلاح والتغيير!، وما تغير المشهد، إنما تجددت التنازلات.

تتدحرج الكرة الفلسطينية مثقلة بانفصام الشخصية والهدف، وتخضع الثوابت الوطنية إلى عوامل التعرية في مرحلة "سلام القرعان" وهو الطرح الذي يلبس عمامة الأسياد في زي رث قديم المحتوى، جديد في المزيد من الركوع تحت طاولة الأوامر والنواهي في دفع عملية الاستسلام!.

ثمة ازدواجية واضحة في المعايير الوطنية ، لُيخلط بين مسيرة النضال وتصعيد جبهة الرفض للمحتل، وبين القرارات التي تتعثر بأصوات الحناجر ورؤيتها الضبابية باتجاه واحد.

وما انتخابات القيادة الفلسطينية والبلدية والمجلس الوطني والتشريعي، إلا تخدير موضعي وذرة رماد في العيون ، ما دام هناك احتلال يجثم على صدورنا، ويحكم الأغلال على أعناقنا متى يشاء، ويعيد نشر قواته ليلقن درساً في الطاعة متى ظهر عصيان العبيد، فإن الانتخابات جميعها تنتقص السيادة والقدرة على التصدي، لتصبح كفتي الميزان على حمل أثقال السلام العادل عاجزة عن توحد  صفوف الرؤية النضالية، والمطالبة بحق ثابت.

وعود على بدء، فإن حرق الأرض تحت أقدامهم، باتت كغيرها من الشعارات المطروحة، طالما أن أداتها وفتيل السلاح قد سكت، ليحل مكانه الحوارات التي تصب في تهدئة شاملة، قد تطول أو تقصر.

المد والجزر في قرارات الليونة تحت مسمى المصلحة الوطنية، غير الذي عهدناه بالسابق من ضبط النفس، وما أكثر العواصف التي انحنى لها الشعب الفلسطيني حتى تهدأ، وجرّت معها النكبات والتداعيات واحدة تلو الأخرى. وما يحدث بعد هدوء اقتلاع الشجر والبيوت،إلا اختراق ونزع الجناحين عن الجسد، ليدب الضعف والفرقة.

ما يُشجب بالأمس، يدعم لاحقاً قراراً سياسيا مغايراً لمعاييره الوطنية، والتي من المفترض أنها جذع ثابت لجذر راسخ يُورق بالعطاء ويصعّد من دعم لحق مشروع.

المقاومة الوطنية في جميع أنحاء المعمورة قامت على مبدأ لا حوار ولا سجال إلا باسترجاع ما انبثقت ثورة الغضب الرافضة للإذعان. لا أن يمنح المجال لاختراق صفوفها، والوقت لعدو يعيد ترتيب مخططه الاستعماري، ليتم شق التلاحم بين الجناحين السياسي والعسكري، وتحت شعار الكر والفر!. والغاية لا تبرر الوسيلة، إلا في حال غياب الإيمان بالثوابت الأم. عندها تُطبق مقولة"ما لقيصر.. لقيصر، وما فاض عن صبر واحتمال الشعب، مدعاة حوار ومساومة على جزء مستقطع من كعكة احتمالات انسحاب القوات الغاشمة من غزة والضفة الغربية.

هل يُعقل أن الجانب الصهيوني يقدم امتيازات لتحقيق سلام عادل، والطرف الآخر يمنحه الآمان في تنفيذ استسلام كامل!.

فرق كبير بين الحقيقة  المجردة والواقع الذي يخطط لتفكيك البنية التحتية للمقاومة الوطنية وتمزيق الأجنحة الداخلية، لتصبح رموزاً خشبية تُعلق عليها آمال مؤجلة، في أجندة القيادة السلطوية من أولياوتها إخماد صوت الحق في حضرة الشر. وبين مشروعية واستمرارية النضال حتى جلاء القوات النازية وتحطيم الخط العازل، يقبع الشعب الفلسطيني تحت احتلال أشبه بمعتقل جماعي، وحصار اقتصادي يحيط  بسياجه على مقبرة الأحياء في ظل عهد دولة عسكرية، لم تقم إلا على مبدأ الاستغلال والقمع، وبين سلطة محلية لا تقوى على مواجهة  الفساد وتجاهل الإصلاح في كوادر القيادة العتيدة، للتوحد الوسائل كافة في الكفاح لغاية التحرير، واسترداد فلسطين العربية ومقدساتها الدينية.

* محررة وناشرة موقع مبدعون عرب

www.arabiancreativity.com