لماذا لم تتعولم الهجرة بعد؟

بقلم الدكتور لويس حبيقة/باحث ومحلل اقتصادي من لبنان

القرن الواحد والعشرين هو قرن العولمة في كل شيء إلا الأشخاص. فالسلع والخدمات والأموال تتنقل بحرية كبيرة بين القارات والدول بفضل اتفاقيات التجارة الدولية وعمل منظمة التجارة العالمية.  هنالك بعض العوائق الدولية أمام انتقال الأموال لمراقبة عمليات تبييض الأموال أو لعرقلة أو محاولة منع تمويل "الإرهاب".  هنالك عوائق إدارية قديمة ومتجددة أمام انتقال الأموال في بعض الدول لأسباب سياسية خوفا من تمويل انقلابات تطيح بالأنظمة الحاكمة غير الشعبية.  ليست هنالك عوائق قانونية أو إدارية تذكر أمام انتقال السلع "الشرعية" إلا بعض المواصفات الجديدة الدولية التي تهدف في معظمها إلى تحسين النوعية. هذه المواصفات ليست تعجيزية ويمكن للشركات الجدية في الدول النامية والناشئة التأقلم معها وبالتالي أن تصدر إلى كل الدول. ما يعرقل انتقال بعض السلع هو الدعم المالي الممارس في بعض الدول الغربية للسلع الزراعية، وبالتالي يجعل استيرادها من الدول النامية غير مربح. ما نأمله هو أن تساهم جولة الدوحة الحالية للتجارة الدولية في تخفيف هذه الإجراءات التي تعرقل مسيرة الدول النامية الإنمائية والتي تمارس لأسباب سياسية انتخابية.

أما انتقال الأشخاص فيما بين الدول للهجرة أو السفر، فيتعرقل نموه بسبب الإجراءات الأمنية والإدارية المكثفة المتخذة في كل المطارات والمرافئ والحدود منذ حادثة 11/9/2001. كما أن الحصول على التأشيرات للسياحة أو العمل أو الهجرة أصبح عموما أصعب بل معقدا بسبب ما يطلب من إثباتات أو أوراق تعرف عن المواطن وأوضاعه المالية والخاصة. هنالك أيضا فوارق كبيرة في التعامل مع المواطن تبعا لجواز سفره، بحيث تسهل أو تصعب عملية الانتقال للعمل أو الهجرة أو الاستثمار أو حتى السفر العادي. هنالك عوامل سياسية وديموغرافية واجتماعية تعيق عملية استقبال الوافدين للهجرة بالرغم من الظروف الإنسانية والاقتصادية الدافعة لها. هنالك دول تستقبل عددا محدودا كل سنة تسمح أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية باستيعابهم بسهولة. هنالك دولا أخرى ترفض استيعاب المهاجرين الدائمين إليها لأسباب متعددة أهمها سياسية. لا شك أن العولمة لم تصل بعد إلى الأشخاص، أقله مقارنة بالسلع والخدمات والأموال.

في العالم اليوم حوالي 175 مليون مهاجر أو مغترب أي حوالي 3% من السكان، بينهم 35 مليون في الولايات المتحدة وحدها. تبقى الولايات المتحدة دولة المهاجرين الأولى بامتياز. تعتبر دول الخليج العربية من الأكثر استقبالا للمهاجرين للعمل المؤقت أو الطويل الأمد. خلال التسعينات زاد دوليا عدد المهاجرين سنويا حوالي 2,1 مليون شخص، معظمهم إلى الدول الصناعية (بينهم إلى الولايات المتحدة مليون شرعيا و 300 ألف غير شرعي). هنالك أسباب عدة للهجرة (العمل المؤقت، العمل الدائم، اللجوء السياسي والاقتصادي والإنساني كما جمع الشمل العائلي بالإضافة إلى الهجرة غير الشرعية). الوافدون للعمل هم على نوعين، المتخصصون في الآداب والعلوم أو ما يعرف بالأدمغة كما العمال التقنيين والعاديين وذلك تبعا لحاجات الدولة المضيفة. تتغير حاجات الدول من عقد إلى آخر تبعا لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي تتغير سياساتها المرتبطة بالهجرة. من حق كل دولة استضافة النوعية أو الفئة التي تحتاج إليها ولا تشكل عبئا على اقتصادها ومجتمعها.

في الولايات المتحدة في سنة 2000 مثلا، 38% من حملة الدكتورة في الهندسة والعلوم مولودون خارج أميركا (العرض الأسيوي والصيني تحديدا مهم جدا) مقارنة بـ 24% قبل عشر سنوات. قسم مهم من الأميركيين الحائزين على جائزات نوبل مولود خارج أميركا (32% في الفيزياء، 31% في كل من الطب والاقتصاد، 27% في الآداب و26% في الكيمياء). وفرت أميركا لعقود طويلة المناخ المناسب للمتعلمين المهاجرين كي يبدعوا لها وللعالم. يعود هذا النجاح أيضا إلى جدوى سياسة الهجرة الممارسة منذ عقود. هل يستمر هذا الوضع بعد حادثة 11\9\2001 وذهاب المتعلمين أكثر فأكثر إلى دول أخرى (خاصة كندا واستراليا) تستقبلهم بشكل أفضل وتؤمن لهم المناخ القانوني المناسب؟ في الحقيقة تدنت نسبة الوافدين إلى برامج الدراسات العليا في الجامعات الأميركية بنسبة 32% خلال السنة الماضية. هذا يقلق الجامعات ومعاهد البحوث والتطوير بسبب الخسارة البشرية المؤكدة على المدى البعيد. في 21 نيسان الماضي، قال وزير الخارجية السابق كولن باول أن الانفتاح هو ميزة أميركا وسبب نجاحها الاقتصادي والعلمي وبالتالي أن الاستمرار في السياسات الحالية مضر جدا.

إذا كانت الهجرة ذات فائدة واضحة للدول المضيفة، فهي غالبا مكلفة جدا للدول المصدرة للأدمغة والعمال.  فالدول النامية تخسر أفضل ما عندها، أي المنتجين لديها وتصدرهم إلى الدول الغنية. تحسين أوضاع الدول النامية هو في غاية الأهمية لوقف النزف المستمر منذ عقود. لا شك أن الدول المصدرة للعمالة والأدمغة تستفيد من تحويلات مالية سخية إليها، إلا أن هذا لا يمكن أن يعوض الخسارة البشرية والاقتصادية الحاصلة. تتم الهجرة في الواقع لتحسين الأوضاع الحياتية للشخص، أي الاقتصادية أو السياسية أو الإنسانية أو غيرها. فالمهاجرون يطمحون دائما إلى تحسين أوضاعهم الحياتية وإلا لما هاجروا. هنالك أغنياء يهاجرون وفقراء يبقون في وطنهم الأم، والعكس صحيح أيضا في ظروف وأمكنة مختلفة. تشير الإحصائيات إلى استفادة العمال العاديين اقتصاديا كثيرا من الهجرة من الدول النامية إلى الصناعية. فأجر العامل المكسيكي في أميركا يعادل ما بين 5 و7 مرات أجره في وطنه وبالتالي يحاول الهجرة شرعيا أو بصورة غير شرعية إلى الشمال. كما يستفيد المهاجرون المتعلمون إلى الغرب وخصوصا إلى أميركا من الدخل المرتفع الذي يحققه أصحاب الاختصاص كالأطباء والمحامين وغيرهم. هنالك سهولة نسبية للهجرة للمتعلمين المتخصصين البارعين كما للعمال العاديين، والعكس صحيح لمن هم بين هاتين الفئتين. استقبال الفئة الأولى يحصل خاصة في الدول المتطورة كاستراليا وكندا وأميركا، بل تتنافس فيما بينها على هذه النوعية المرتفعة. أما العمال العاديين، فالمجال واسع أمامهم في كل الدول الغربية كما الناشئة الغنية التي تحتاج إلى حرفيين وتقنيين بالأعداد والنوعية الكافية.

في وجه هذا الواقع، ترتفع الأصوات المطالبة بتحديد عدد المهاجرين إليها فتصل إلى 81% في أميركا، 80% في بريطانيا، 75% في فرنسا و67% في ألمانيا بالرغم من حاجتهم إلى اليد العاملة الوافدة. فقط 57% من الكنديين، 36% من اليابانيين، 28% من الأميركيين و15% من البريطانيين يعتبرون الهجرة جيدة. تفرض هذه الإحصائيات على حكومات الدول المضيفة التنبه كثيرا إلى مشاعر الناخبين وبالتالي تقييد الهجرة أكثر. لماذا هذا الشعور السلبي تجاه الهجرة؟ هنالك عوامل سياسية وثقافية وديموغرافية الا أن العامل الأخر هو اقتصادي بحيث تخشى المجتمعات المضيفة ارتفاع تكلفة المهاجر (ضمانات صحية وحقوق اجتماعية سخية). هذه إحدى الأسباب التي تدفع الشركات الغربية إلى الاستثمار في الدول النامية والناشئة بدل استقدام الأدمغة والعمال إليها. كما يخشى العامل المحلي المنافسة القادمة إليه من الخارج التي تساهم في تحقيق الاستقرار وتخفيض الأجور في سوق العمل. حتى اليوم أثرت الهجرة الدولية إيجابا على حقوق العمال ومعايير العمل في كل القطاعات.  هنالك وعي دولي متزايد إلى حقوق العمال والنساء والأطفال في كل الدول، وبالتالي كانت العولمة الإعلامية مفيدة. مهما كانت الحواجز كبيرة أمام الهجرة، ستستمر شرعيا أو بشكل غير شرعي طالما بقيت الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية واسعة بين الدول الصناعية والفقيرة. وحدهما التنمية الدولية الشاملة والقضاء على الفقر يبقيان الإنسان في أرضه وبين أهله. المطلوب هو التعاون الكامل بين الأغنياء والفقراء عبر المؤسسات الدولية ليس فقط في الأوقات الصعبة وإنما بشكل دائم.