وحسب حاسب من أهلها

عز الدين الحزقي/صفاقس تونس

"احترقت ورقة الانتخابات وأدخلت سيستاني النار! فيا للمعجزة"!

كان هذا عنوان النص الأخير الذي اطلعت عليه للدكتور (نوري المرادي) المفكر الوطني والقائد بالحزب الشيوعي العراقي ومن البديهيات أنني لا أقصد طبعا الحزب الشيوعي العميل بالعراق بل الحزب الشيوعي العراقي الكادر المناضل..

تحية إليك وإلى أمثالك من تونس.. تحية تقدير إلى كل من يستحق التقدير.

قرأت نصك أيها المناضل ولم أجد بيني وبينه خلافاً بل وفاقاً واتفاقا إلا أنني أستسمحك وأنا أدرك أنك متسامح بطبعك وأعتذر لك وأنا أعلم أنك عاذر متقبل والخلاف يثري والإثراء مختلف.

سأسعى وبكل تواضع مناقشة نفس الموضوع الذي تطرقت إليه في نصك محاولاً مجانبته ومتناولا المسألة من زاوية أخرى تختلف في شكلها ومستنداتها وتتفق في مغزاها ونتائجها معتمدا على تصريحات وأرقام ونسب "أفذاذ الديمقراطية ودعاة الحرية والمبشرين بالجنة الدنياوية والسماوية"..

دعا بوش هذا البطل الرباني الذي أرسل على الأرض "ليفتك بالشر ويرسى الخير والأمان والعدالة" إلى انتخابات "حرة نزيهة" بالعراق تنقذ الإنسان العراقي من الديكتاتورية وبناء دولة النظام البوشوي الجديد. وسار القطيع وراء الراعي وأفتى المفترون ونعقت الأبواق ورصدت بالدولارات آلاف الملايين ليس لإعادة الإعمار وبناء ما هدمه المهدمون بل لإبراز خصال الخاسئين وتعظيم الأقزام وتلميع صورة أعوان "إطلاعات" من الزبانية الإيرانيين.

وجاء اليوم الموعود الذي سخرت له مئات الوسائل الإعلامية الإعلانية بأبواقها وعملائها لتغطية المسرحية الهزلية تحت شعار "الحرية والديمقراطية" وبدأ السباق يحتد في حلبات الكذب والمغالاة فيه حتى زاغ مؤلفوه عن نصه فأحرقوا جل ما كتبوه فانقلب السحر على الساحر ولم يعلموا أنهم أٌحرقوا بما لغيرهم أعدوه.

1 - أعلنت ما سمي "المفوضية العليا للانتخابات" عن طريق رئيسها وعن طريق الناطق باسمها وفي عديد المناسبات قبل ويوم وبعد الانتخابات أن عدد العراقيين المرسمين هو (14) مليون عراقي.

2 - صرحت أيضا هذه المصادر نفسها أن عدد مكاتب الاقتراع هو (5300) مركزا فقط وفقط.

المعادلة هنا بسيطة للغاية: هناك (14) مليون  ناخب و(5300) مكتب اقتراع.. أي ومن الناحية النظرية كان على (5300) مكتب استقبال (14) مليون ناخب أي معدل (2641) ناخب لكل مركز.

3 – فتحت المراكز أبوابها يوم 30 جانفي 2005، مع السابعة صباحا وأغلقت تلك  الأبواب مع الخامسة مساء أي عشر ساعات أي (600) دقيقة.. إذن لكل مركز انتخابي (600) دقيقة عمل متواصل وبدون انقطاع.

وإذا افترضنا جدلاً أن كل المراكز (5300) وبدون استثناء كانت مفتوحة أمام الناخبين من الدقيقة الأولى إلى الأخيرة وذا افترضنا أن الصورة المثالية التي تباهى بها غلمان الأمريكان ودعاة الانتخابات والمتمثلة في الطابور الوحيد الذي بثت صورته عشرات المرات كدليل على ما سمي بتدفق الناخبين والمأخوذ من أحد مراكز أربيل حيث شاهد العالم كله ذلك الطابور المثال وطريقة التفتيش التي يستقبل بها كل ناخب وناخبة على حدة إذا أخذنا هذا المثال المثالي وعممناه على (5300) مركزا بدون استثناء، وإذا تواضعنا لأقصى الحدود واعتبرنا أن مسألة التفتيش  تتطلب دقيقة واحدة.. ونؤكد على دقيقة واحدة ووحيدة فقط لا غير.. فأن كل مركز لا يستطيع إطلاقا ولا يمكنه بكل المقاييس أن يستقبل أكثر من (600) ناخب لأنه ومرة أخرى ليس للمركز الواحد أكثر من (600) دقيقة عمل خلال يوم الانتخاب.

4 - كيف أذن لا يقع الاعتماد إلا على (5300) مركز فقط لأربعة عشر مليون ناخب في الوقت الذي نجد فيه وعلى سبيل الذكر لا الحصر أن عدد الناخبين في تونس مثلا هو أربع ملايين ناخب وعدد المراكز المخصصة لهؤلاء الملايين الأربعة يتجاوز العشرين ألف مكتب انتخابي رغم أن الانتخابات في تونس ليست هي المثالية ولم تقع في حالة طوارىء وفي حظر تجول وتحت التفتيش الفردي والدقيق وليس في البلد مئات الآلاف من الجنود والمدرعات تحتلها وليس في البلاد أيضا مقاومة مسلحة وليس هناك دوي انفجارات وسقوط طائرات يوم الانتخابات وتدمير قواعد ونقاط التفتيش؟ الجواب أبسط من السؤال المهم بالنسبة لهم انتخابات وكفى بالله حسيبا والنتيجة معروفة ومضبوطة مسبقا وكفى الله المؤمنين شر الانتخاب.

5 - لنعد الآن إلى ما أعلنته هذه المفوضية المخصيّة على أثر نهاية المهزلة إذ صرحت أولا أن نسبة المشاركة تجاوزت (70 %) ثم تراجعت وادعت ثانية أن النسبة هي من (60 %) إلى (70%).

لنفترض أخف الضررين بالنسبة لهذه المفوضية الكاذبة ونعتمد (60 %) فقط وهذا الرقم لصالحها أكثر من رقم (70 %) كما سنراه لاحقا.

قلنا إذا اعتبرنا أن ما ادّعته هذه المفوضية بأن نسبه المشاركة هي 60 % فأن عدد الناخبين تجاوز الثماني ملايين ناخب، هذا الرقم باطل وهو الباطل بعينه إذ كما سبق فأن كل  مركز انتخابي حسابياً يستحيل عليه إطلاقا استقبال أكثر من 600 ناخب، وبما أن العدد الرسمي المعلن هو (5300) مركزا نتحصل على النتيجة التالية 5300 مركز في 600 ناخب - الحاصل = (3180.000) ثلاثة ملايين ومائة وثمانون ألف ناخب فقط لا غير وأن الثمانية ملايين المعلنة لا أدري أنا ولا أحدا يدري أحد غيري أين ومتى انتخبوا!..

أما إذا صدقنا النسبة المعلنة جدلاً فأننا نجد في كل مركز: (8000.000) ناخب تقسم على (5300) مركز انتخاب نتحصل على معدل 1500 ناخب في كل مكتب. وبما أن المركز لا يستطيع استقبال كل هذا العدد فأننا نجد 900 ناخب في كل مكتب لم يتمكنوا من الإدلاء بأصواتهم لعدم كفاية الوقت الأدنى للقيام بهذه العملية وهي دقيقة واحدة لكل فرد.. في هذه الحالة كان على هذه المفوضية الملعونة إما أن تمدد مدة الانتخابات ليومين ونصف اليوم كي يتسنى للتسع مائة ناخب المتبقيين قيامهم بالتصويت أو أن تعد لهم أكثر من (16000) مركزا على أقل تقدير هذا ومرة أخرى إذا افترضنا أن نسبة الناخبين لا تتجاوز 60 % أما إذا تعدت هذه النسبة فالمصاب أعظم والخطب أجلّ..

لذا فأن اعتماد نسبة 60 % أي (8000.000) ناخب هو رقم من محض الخيال الأجرد وخطأ حسابي قاتل ارتكبه جهلة يحتقرون ذاتهم إن كانت لهم بقايا ذات ويحتقرون الآخرين.

لذا وفي أجمل الأحوال وفي السيناريوهات الأمثل لدعاة الانتخاب وفي أحسن الظروف المثالية والخيالية وحتى السينمائية فإن أقصى عددا يمكن الحصول عليه هو ثلاث ملايين ومائة وثمانون ألف ناخب (3180.000) فقط ولا أكثر فقط، وكل مراقب محايد حتى وإن وجد في غرفة مقفلة في ركن مهجور من زوايا المريخ بإمكانه الخروج بنفس الاستنتاج.

6 - إذا اتفقنا على هذه الحصيلة والتي هي ومرة أخرى في صالح دعاة الانتخابات المخصيين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الادعاءات التي يتشدقون بها ومنذ غزو العراق بأن الشيعة العراقيين يمثلون 60 % من مجموع الشعب فأن 60 % من مراكز الاقتراع توجد في مناطقهم أي من بين (5300) مركزا هناك (3180) في المناطق الشيعية و(1060) في المناطق الكردية والبقية للبقية.

وانطلاقا من هذه النسب يتجلى للعيان النتيجة التالية:

أ - جملة الذين ذهبوا وانتخبوا في المناطق الشيعية هي (3180) مركزا في 600 ناخب = (1908.000) وهذا هو أرقى رقم في أحسن الأحوال كما ذكرنا سابقا، ولكنه وبالمقارنة لنسبة عدد المرسمين الشيعة وعددهم نسبيا وحسب تقسيمات المخصيين وأسيادهم الأمريكان ثمانية ملايين ناخب فأن ال(1908.000) لا يمثلون إلا نسبة تقل عن  24% من مجمل المرسمين الشيعة.

وبهذه النتيجة يتضح من خلال مسرحيتهم ذاتها أن السيستاني ومجموعة الشهبورات والجعفورات والكلبيات الإيرانية التابعة له لا تساوي عند العراقيين الشيعة أكثر من (24 %) وأقل من (14 %) من مجمل العراقيين المسجلين الأربعة عشر مليون، أي أن ما يقارب الستة ملايين من الشيعة المسجلين وأكثر من (12) مليون ناخب عراقي هم ضد قائمة السيستاني، فأين هي إذن شعبية وجماهيرية هذا الدجال؟!..

أما الحصيلة السياسية المنطقية الحتمية هي أن هذا السيستاني الذي يكبرون به ويصلون له ويفتي لهم في الجنة والنار ما هو وتابعوه إلا شرذمة تافهة لا تتعدى حدود وزن الذباب في أحسن وأبهى الأحوال بالنسبة له ولمفبركي الأرباب.

ب - أما بالنسبة لطرزان الأكراد (البرزاني والطالباني) فهؤلاء ورغم وضعهم المتميز والخاص منذ عشرات السنين فأنهم في الألف مركز انتخابي لم يحصلوا في أرقى السيناريوهات إلا على (600) ألف صوت. وإذا اعتبرنا أن عدد الأكراد المرسمين يعادل العشرين في المائة من العراقيين فأن مليونين وثمانمائة ألف كردي مسجل لم ينتخب منهم إلا (600) ألف أي بمعدل (22%) من مجمل المرسمين الأكراد.

حصيلة هذه النتيجة هي أن هناك أكثر من مليونين من الأكراد الناخبين هم ضد هذه الزمرة الكمبرادورية العميلة المسمسرة مجموعة الطرزان.

ج - بالنسبة لما يسمى بالسنة فالمسألة واضحة إما أنهم انتخبوا كالبقية وطبقا للنسب ومحصولهم يقارب محصول طرزان وإما أنهم لم ينتخبوا وهذا ما وقع في واقع الواقع. في هذه الحالة فإن مكاتب الاقتراع بمناطقهم بقيت شاغرة طالبة الاستغاثة من العليّ القدير الذي منّ عليها بالطهر والعافية وأقالهم شر البلية.

د - أما طبخة العليوي وجماعته والعجل الياوري وزبانيته فحدث ولا حرج إذ هم يغردون خارج السرب فلا الأكراد يساندونهم ولا الشيعة يحبونهم ولا السنة ينتخبونهم والعلم عند الله وعند مفبركي الأصوات. هم وحدهم يعلمون من أي كوكب سيأتون لهم بالتزكيات وبالنسب المائويات.

هـ - إذن وفي كل الحالات المذكورة فأن ما يقارب (78%) من الناخبين العراقيين المرسمين هم ضد هذه المهزلة وهذه الطبخة البوشوية المبكية المضحكة طبقا لعدد المراكز و طاقة استيعابها.

الدرس المستخلص هو أن هذه الأغلبية الواعية من العراقيين دفنت المولود الميت ومعه السيستاني وأزلامه وعملاء أمريكا وايران و"اسرائيل" وكل الخونة والطامعين.

وأنا على اعتقاد راسخ أن العدو قبل الصديق يعلم تمام العلم أنني قريب جداً من تشخيص وضعه الرخيص هذا الناجم رغم أنفه عن مهزلته التي خاط خيوطها بنفسه لتلتف حول عنقه وتأتي على ما تبقى من أنفاسه فأراحنا بذلك منهم الله، والفضل طبعا لله وللمقاومة.. وشكرا لغباء العدو وصدق من قال من حفر جبا لأخيه وقع فيه.. حفروا وتآمروا ضد العراق فكشفهم وحسم فيهم العراق ذاته فتبا لهم إلى يوم الدين.

7 - أما المقاومة الباسلة الناضجة الواعية الماسكة بخيوط العراق كله وكعادتها ثبتت على خطها واستراتيجيتها ولم تقع في فخ المهزلة، ولم تعدل مسيرتها على ضوئها بل سارت قدما في ضرب الاحتلال ومن والاه أينما كانوا في الأرض والماء والسماء غير عابئة بنباح الكلاب.. لأنها لم تكن تجري وراء الأحداث فهي خلاقة وفاعلة. أما الأمريكان وأذيالهم الخائبون الراكضون وراءها لترقيع خرقهم وغسل حاوياتهم المبللة فقد خابت أمانيهم ورغباتهم إذ أفشلت المقاومة توقعاتهم.

دعت المقاومة سياسيا عبر مناشيرها ومنابرها وكتاباتها كل العراقيين من مغبة الانخراط في أكذوبة الأكذوبة والوقوع في فخ الاحتلال وأتباعه الخاسئين ثم حذرت وأنذرت وقبل الانتخابات دمرت عسكريا عديد المراكز كخطوة عملية فاعلة ومتأكدة ضمن خطوط وسلوكات كل المقاومات الوطنية في الدنيا.. ولكن ومن هنا يبرز الوعي الراقي الرصين والحس الوطني النافذ للمقاومة التي دمرت يوم الأحد 30 جانفي 2005 عديد المواقع التابعة للحرس الوثني والشرطة العميلة المتواطئة مع الاستعمار وكذلك القواعد الأمريكية والطائرات الإنكليزية كان بإمكانها ميدانيا وبكل سهولة أن تضرب آلاف الناخبين ولم تكن نقاط التفتيش المرتعشة المتبولة المنتحرة على أسوار بغداد لتقف أمام ضرباتها بل إن وعي المقاومة كان راقياً وفاعلاً وتركت الفرصة لكل المتذبذبين ليقوموا بتجربتهم ويصطدموا بحقيقة المهزلة لتزول بذلك الغشاوة ويرتقي الوعي وينضج الحس الوطني وتتجذر في أعمق أعماق العراق والعراقيين أصول الوحدة والنضال والبناء البناء هكذا كان رد المقاومة واضحا جليا فبورك فيها وفي قادتها ومناضليها.

أما من حيث الحصيلة السياسية التي ستنكشف بعد ساعات كما قال الدكتور المرادي أي عند الإعلان عن نتائج رسمية للانتخابات والتي سيفوز فيها المتأمركون أكثر من غيرهم بمواقع القرار ويتحصل فيها الإيرانيون على مواقع ديكورية عندها بماذا سيفتي ذاك العجوز المفتري؟!..

مهما كانت فتواه ومهما كان ادعاؤه ودعواه فشمس الحقيقة ستبزغ للعيان ولكل ذي بصر وسوف ينفض من حوله آلاف الطيبين من الشيعة العراقيين وسوف يتبرأ منه ومن فتاويه كل الوطنيين الصادقين لأنه تلاعب بعواطفهم وبعقيدتهم وتآمر ضدهم، ولم يتغير ما أرادوا تغييره، ولم يحصلوا ما رغبوا الحصول عليه، سيكتشفون من ناحية أخرى أن المقاومة لما دعتهم للمقاطعة إنما دعتهم للعودة إلى ذاتهم ووطنيتهم وعدم تلطيخ أياديهم بمؤامرات قذرة حقيرة توطد وتدعم بقاء الاستعمار ليجثم على صدر بغداد الرشيد رعاة بقر تافهون منبتون جاءوا من أقاصي الدنيا خليطاً فاسداً لخيرات العراق سارقون.

عندها سيخرج السيستاني أكبر الخاسرين شعبيا بعد هزيمته انتخابيا وتخرج المقاومة أكبر الرابحين. وما الهالة المزيفة على الفضائيات التابعة الذليلة إلا شبح فرحة مفتعلة إلى حين وهكذا انتهت نهاية الخونة وأسيادهم وأعلنوا هم بأنفسهم غير مدركين عن موتهم سريريا.

أعزكم الله أيها المقاومون الوطنيون الأفذاذ لقد ربحتم ثقة شعبكم وحب وطنكم ونقاوة ضميركم.

تحية إكبار وإعجاب من كل شرفاء الدنيا والدين.