مصر وبروتوكولات كامب ديفيد!

عوني صادق

لم توقع "إسرائيل" في العام 1979 معاهدة السلام التي وقعتها مع مصر حبا في السلام، بل طمعا في ما يمكن أن تمنحها مصر من ميزات لا تستطيع دولة عربية أخرى بل ولا مجموعة من الدول العربية مجتمعة أن تمنحها إياه. فبالإضافة إلى أنها أخرجت مصر من ساحة المواجهة مع "إسرائيل" - وهذه في حد ذاتها تكفي ثمنا لما تخلت عنه في صحراء سيناء، وهو الذي أوصل الوضع العربي إلى ما أصبح عليه من هزال واستعداد للخضوع والاستسلام نراه اليوم ومنذ سنوات بوضوح بالرغم من الممانعة العربية الفورية للمعاهدة والتي استمرت سنوات - كانت "إسرائيل" ومعها الولايات المتحدة الأميركية تنتظران دورا مصريا معينا في (تسوية) القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي- الصهيوني برمته.

هذا الدور المصري الذي يلقى القبول والإشادة من كل المعنيين بالصراع في المنطقة، عربا وعجما حتى بمن فيهم الفلسطينيون (ونفاقا أو مجاملة مفروضة من منظمات المقاومة)، بل ويحاول بعضهم أن يكون شريكا لمصر فيه، هذا الدور المصري لو تمعنا فيه قليلا لوجدناه لا يخرج حتى الآن عما جاء في (بروتوكولات كامب ديفيد) بما هي محاولة لإنهاء الصراع و(تسوية) القضية الفلسطينية. وقد يطرح هنا سؤال: ومن لا يريد ذلك؟ لكن سؤالا آخر هو الأهم: لمصلحة من تجري محاولات إنهاء الصراع، وأي (تسوية) متاحة اليوم؟

المتمعن في الدور المصري يجده في الأساس عبارة عن (وساطة) تقوم بها مصر بعد أن أخرجت نفسها من معادلة الصراع الأصلية التي كانت تفترض أن مصر طرفا في الصراع يجب أن تكون منحازة إلى جانب الفلسطينيين بالمعنى الحرفي والمادي والعسكري وليس بالمعنى المجازي أو الافتراضي. وليس صحيحا أن ما تفعله مصر اليوم، حتى لو كان لمصلحة الفلسطينيين هو معنى الانحياز المطلوب منها ومن بقية الدول العربية التي مهما قال الحكام تظل مصلحة الأمة العربية كلها عالقة في صراع مع الاستعمار و"إسرائيل" والصهيونية، ومصير هذا الصراع مرهون بهذا الانحياز، وسيترك آثاره السيئة على الجميع إن لم يحل لصالح الأمة.

بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات زادت مصر من نشاطاتها واتصالاتها مع الجانب "الإسرائيلي"، وهي التي ظلت على اتصال بالسلطة الفلسطينية وبفصائل المقاومة الفلسطينية قبل وبعد وفاة عرفات. وكان بروز محمود عباس في الصورة كخلف لعرفات قد حرك البركة الساكنة وضاعف من نشاط مصر ورئيس مخابراتها عمر سليمان بين واشنطن وتل أبيب ورام الله وغزة. وبتاريخ 7/12/ 2004 نقلت و(كالة أنباء الشرق الأوسط) المصرية الرسمية نبأ قالت فيه: إن اتفاقا على (قضايا الوضع النهائي) الفلسطيني قد تم التوصل إليه بين مجموعة من الأطراف الإقليمية والدولية. وجاء في تفصيل النبأ أن مصر توصلت مع "إسرائيل" والفلسطينيين والولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية إلى " تفاهم يصل إلى حد الاتفاق المبدئي" على خطة تحرك سياسية لتسوية الصراع الفلسطيني- "الإسرائيلي".

وقد نفت الولايات المتحدة الأميركية علمها بوجود اتفاق من هذا النوع. أما السلطة الفلسطينية فلم تنف النبأ لكنها اكتفت بالقول: إنها (أنباء سابقة لأوانها) لم تكن انتخابات الرئاسة الفلسطينية قد أجريت بعد ولم يكن محمود عباس قد فاز في تلك الانتخابات.

وإذا كانت عبارة (السلام البارد) هي العبارة التي كثيرا ما استعملت لوصف السلام بين مصر و"إسرائيل"، فإن الواقع كان يشير إلى صدق العبارة عندما يقصد بها موقف الشعب المصري من هذا السلام، لكنها لم تكن يوما صادقة عندما يقصد بها الموقف المصري الرسمي حيث حافظت الدولة وحافظ المسؤولون فيها على علاقات رسمية وشخصية ممتازة، ويكفي هنا أن نشير إلى تصريح وزير الخارجية "الإسرائيلي" سلفان شالوم لصحيفة "إسرائيلية" بعد انضمام "حزب العمل الإسرائيلي" إلى حكومة شارون والذي جاء فيه قوله: تدخل الرئيس حسني مبارك لدى شارون أبقاني في وزارة الخارجية! وفي مطلع نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي، ذكرت مصادر "إسرائيلية" أن زعيم حركة (شاس) التي لها (11) عضوا في الكنيست، سيزور القاهرة يوم 3/2/2005 للقاء رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان الذي سيحاول إقناعه بانضمام كتلته البرلمانية إلى حكومة شارون، في محاولة لتعزيز ائتلاف شارون الحكومي، كما قالت المصادر "الإسرائيلية".

لقد استهدفت بروتوكولات كامب ديفيد أول ما استهدفت أن تحول مصر إلى بوابة واسعة تعبر "إسرائيل" منها إلى المنطقة العربية، وأن تكون حصان طروادة للأميركيين و"الإسرائيليين" وقد كان. وتحصل مصر مقابل هذا الدور على (مكافآت) يرى النظام المصري أنها مناسبة فبعد كل الضغط الأميركي على الأنظمة العربية من أجل الإقدام على ما يسميه الأميركيون (الإصلاح الديمقراطي)، وفي الوقت الذي أصبح كل الحكام العرب ديمقراطيون يريدون الإصلاح، رد الرئيس حسني مبارك بقوله: (إن الإصلاح يأتي من الداخل) وقبل أيام رفض مبارك مطالبة القوى الوطنية المصرية بتعديل الدستور المصري حتى يحال بين مبارك والترشح لولاية رئاسية خامسة(!) ويلاحظ أن واشنطن تغض الطرف عن تقارير المنظمات الإنسانية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب في مصر ويقول جوش ستاتشر، وهو مرشح لنيل درجة الدكتوراة في جامعة (سانت أندروز) في سكوتلندة عن رسالة موضوعها (السياسة المصرية الحديثة): "يكافأ المصريون على ارتباطاتهم الوثيقة "بإسرائيل" وهو بمثابة إغواء لإبقاء مصر على الطريق التي تؤدي إلى تعزيز أهداف الولايات المتحدة الاستراتيجية في الإقليم وهناك كم هائل من الانتهاكات لحقوق الإنسان حاليا في مصر والأميركيون يغضون الطرف عنها"!

لقد دعت مصر ورعت كل المؤتمرات والاجتماعات التي عقدت في شرم الشيخ، وكلها إما لخدمة سياسات أميركية أو أغراض "إسرائيلية". وبعد ربع قرن من توقيع (بروتوكولات كامب ديفيد) لا تزال السياسة المصرية وفية لها سائرة على ما خطته من دروب من المؤكد أنه لا مصلحة مصرية أو عربية فيها، وبالتأكيد هي ضد المصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية. نقول هذا ونحن على أبواب عقد قمة شرم الشيخ الرباعية، وعلى رأي المصريين: (يا ما جاب الغراب لأمه)!!