شيطنة العدو صناعة غربية بامتياز

د. ثائر دوري/سورية

إن اغتصاب أراضي الهنود وإبادتهم فضيلة إنسانية.. أما مقاومة ذلك الاغتصاب وتلك الإبادة فوحشية وشر وجريمة عقابها الموت". ومع تقدم الزمن صارت شيطانية الهندي ووحشيته بديهية لا تحتاج إلى دليل مثلما أن إنكليزية الله وتفوق شعبه من البديهيات التي لا تحتاج إلى دليل (منير العكش)

إن صناعة صورة نمطية للعدو تخرجه من إطار الحياة الإنسانية وتجعله في صورة شيطان أمر يُسهل عملية قتل هذا الإنسان في وقت لاحق. فالأكاذيب التي يخترعونها اليوم هي السبب في مجازر الغد.

أثناء حملة إبادة الهنود الحمر، اتفق الرهبان الإباديون على أن الهنود الحمر، ثم الزنوج لاحقاً في عصر العبودية الأمريكية. لا يملكون أرواحاً، وبالتالي فهم لا يتعذبون عندما يتم قتلهم.

في الماضي كانت شيطنة الآخر بسيطة. فإما أنه لا يمتلك روحاً، أو له خمسة أطراف، أو أن له ذنباً..... بمعنى يتم تشويه بنية الخصم البيولوجية لإخراجه لاحقاً خارج الحياة الإنسانية، وبالتالي يسهل قتله وإبادته كما تقتل الحيوانات وهوام الأرض، كما ذكرنا. هذا في الماضي أما اليوم وبعد ثورة الاتصالات الكثيفة وارتفاع مستوى وعي الناس فلم يعد ممكناً لهذا الأمر أن يتم بالبساطة السابقة. لذلك انتقل رسم الصورة النمطية المشوهة للعدو إلى الجانب الثقافي والسياسي.

أنت غربي إذاً أنت متحضر:

هناك مسلمة أساسية داخل الفكر الغربي مفادها إن الغربيين هم مثال الحياة الإنسانية المتحضرة وأن طريقتهم في الحياة هي الطريقة الوحيدة المقبولة للعيش، أما طرق الحياة الأخرى الموجودة في بقاع الدنيا فهي بدائية ومتخلفة وعلى أصحابها التخلي عنها وتمثل القيم الغربية من الطعام إلى الملابس إلى الانتخابات....... الخ وذلك كي يدخلوا في نطاق التحضر والحياة الإنسانية.. وإن لم يتوافقوا من تلقاء ذاتهم مع النموذج الغربي حضارياً وثقافياً ولم يخضعوا سياسياً، فرفضوا تناول "الهمبرغر" وشرب "الكوكاكولا" ولم يقترعوا على الطريقة الغربية. عند ذلك انتدب الله الرجل الأبيض لمهمة تحضير "الأغيار" المتوحشين.. لكن يحدث أحياناً أن يرفض "الأغيار" المتوحشون إرادة الله التي يقوم الرجل الأبيض بتنفيذها فيرفضون التحضر.. هنا لا بد من إبادتهم كما نبيد هوام الأرض الضارة.. وكي تتم إرادة الله يمكن للغربيين أن يستخدموا كل ما يخطر على البال من وسائل إبادة، من الطائرات إلى قذائف اليورانيوم المنضب، إلى أسلحة الدمار الشامل فهم أول من دشنها باستخدامهم فيروس الجدري في قتل ملايين الهنود.. كانوا يرسلون البطانيات المأخوذة من مشافي الجدري إلى قبائل الهنود الحمر، أطفال البشرية الأبرياء، الذين لم يتعرف جهازهم المناعي من قبل على هذا الفيروس بسبب عزلتهم الجغرافية في أمريكا، وبالتالي فهو شديد الفتك بهم والنتيجة ملايين الضحايا.. ومن فيروس الجدري إلى القنبلة النووية، التي جربت في أجساد "الشياطين الصفر"، اليابانيين، وما بينهما مما يعرفه العرب جيداً إذ أن الغربيين قد جربوا على جلودنا كل أسلحتهم منذ خمسة قرون وحتى اليوم واسألوا أهلنا في فلسطين والعراق فهم أخبر بذلك وكل ذلك لأن الله أرسلهم لتحضيرنا!.. ألم يصرح بوش أن الله قد أمره بتحرير العراق!!!

طور الغربيون خلال القرون الخمسة الماضية صور نمطية كثيرة للشعوب الأخرى، حسب ما تقتضيه مصالحهم وحسب ما يخططون لها.. وكلها تنوع على صورة المتوحش.. فهناك المتوحش النبيل، والمتوحش الرومانسي، والمتوحش الذي لا ينفع معه سوى الإبادة......الخ..

كانوا يوزعون هذه الصور على شعوب أمريكا وآسيا حسب مصالحهم الاقتصادية والسياسية.. فصورة الهمج النبلاء استخدموها للشعوب التي لا يريدون الاقتراب منها كثيرا.. إما لأنها لا تملك في أراضيها ما يفيدهم من ثروات، أو لأن وقت إبادتها لم يحن بعد.. كما استخدمت هوليوود هذه الصورة النمطية في السينما لتؤدي وظيفة طقسية، وهي تطهير جماهير المشاهدين الغربيين من المجازر التي ارتكبوها.. و أشهر أفلام المتوحش النبيل في السينما هو الفيلم الشهير "كينغ كونغ".

هذا الفيلم الشهير شاهدته عدة أجيال في كل أنحاء العالم وهو يروي قصة فريق سينمائي غربي يصور فيلماً في ((أدغال أفريقيا)). فلا يظهر من أفريقيا سوى الغابات والوحوش وبعض الأفارقة شبه العراة، يحدث أن يأسر الفريق السينمائي غوريلا ضخمة تهاجم موقع العمل فيقرر الفريق حملها إلى نيويورك كي يشاهده الجمهور.. لكن أثناء العرض، وأمام الحشود التي أتت لمشاهدة الغوريلا العجيب، يتمرد الغوريلا فيكسر قيوده ويفر حاملا فتاة شقراء من فريق التصوير، لقد وقع بحبها.. وأثناء هروبه يثير هلع الناس فيدعس الناس والسيارات ويهاجم القطارات وناطحات السحاب والجسور العملاقة.. لذلك يضطر الغربيون بأسف لقتله من أجل الحفاظ على حضارتهم من التدمير.

إن صورة المتوحش في هذا الفيلم تلخص نظرة الغربيين لأفريقيا التي بدأت تستيقظ وتتحرر من الاستعمار في ذلك الوقت، حيث ينتمي الفيلم زمنيا إلى نهاية الخمسينيات، حيث بلغ المد التحرري أوجه.. ووجهة النظر الغربية تتلخص أنها تحتاج الأفارقة كي يلعبوا نفس الدور الذي لعبه الغوريلا، كي نستمتع بمشاهدتهم وعبرهم لنرى كم نحن متفوقون حضارياً، لكنهم للأسف (لا بد أن الطيار الذي ألقى القنبلة على هيروشيما قد تأسف) بدأوا يتمردون على الشروط التي نقبلهم بها، كمرآة نثبت فيها تفوقنا عندما ننظر إليهم كل صباح. إن تمردهم على هذا الدور يعنى أنهم سيدمرون حضارتنا، وبالتالي لا حل سوى إبادتهم ولا بأس من أن نذرف بعض الدموع عليهم كي نطهر ذواتنا من الدماء التي سفكناها.

العرب في عين العاصفة:

أما صورة المتوحش الرومانسي فهي مرحلة وسطى بين المتوحش النبيل والمتوحش الهمجي. المتوحش النبيل الذي لا يحتاج الإنسان الغربي بشيء والمتوحش الهمجي الذي لا ينفعه الغربي بشيء ويجب إبادته.

يحتاج المتوحش الرومانسي إلى عمل المبشرين المسيحيين كي يصير أفضل. ولسان حال الغربيين يقول ((إنهم جيدون بشكل عام لكن ما ينقصهم هو المسيحية كي يصيروا بشراً حقيقيين)). أي أن يتماثلوا مع النموذج الحضاري الغربي، وأستدرك هنا لأقول إن المسيحية الحقة هي دين التسامح والعطف على الفقراء والمظلومين لكن الغربيين سرقوا الاسم واخترعوا عقيدة إبادية وأطلقوا عليها المسيحية وحاشى للمسيحية أن تكون كذلك......

لقد تبنوا صورة المتوحش الرومانسي حيث كانوا يحتاجون للشعوب المحلية، إما كعمال مناجم أو للعمل في المزارع أو لتجنيدهم في حروب الإمبراطورية كمرتزقة.

وتبقى صورة المتوحش الخسيس، المنحط، الذي لن تفيده الحضارة الغربية بشيء و بالتالي لا حل سوى إبادته.

إن الحدود بين الصور السابقة للمتوحش ليست نهائية أو مقدسة. فقد حدث أن صنفوا شعباً ما على أنه من الهمج النبلاء، وبالتالي ابتعد الغربيون عنه فلم يتعرض هذا الشعب للإبادة. لكن عند اقتضاء المصالح عادوا وصنفوا نفس الشعب كهمج أخساء. ومثال ذلك شعب الماوريين، سكان نيوزيلند الأصليين. صوروهم في البداية كهمج نبلاء، ثم بعد وصول المبشرين كهمج رومانسيين وبعد تزايد أعدد المستوطنين والحاجة إلى سلب هذا الشعب أراضيه تحولت صورتهم إلى همج منحطين. فتغيرت صورة هذا الشعب النمطية من الأذكياء الأقوياء بدنياً إلى ضعيفي البنية وقليلي الذكاء.

لكن ما هو المعيار الذي يعتمدونه لتصنيف الشعوب ضمن فئة الهمج؟

من الملاحظ أن الفكر الغربي لا يأبه لهذا الأمر كثيراً فأي سبب كاف لتصنيف هذا الشعب كهمجي يجب إبادته، مرورا من العادة البدوية العربية، عادة الأكل باليد، أو لبس الغترة والشماخ، إلى الزواج بين أبناء العم، وصولاً إلى حكاية الديمقراطية التي يتبناها بوش هذه الأيام، متابعةً إلى تقرير التنمية البشرية، الذي يبدو ظاهرياً أنه رصين علمياً فهو لا يعتمد سوى على الأرقام والبيانات العلمية ليبرهن أن العرب غير متحضرين. فالمرأة عندهم مهمشة، وهم غير ديمقراطيين والتنمية عندهم متوقفة. وبهذا تم اثباتنا من المتوحشين وبلبوس علمي خالص، يقول السيد بوش ((لا علاقة لنا بذلك انظروا إلى ما يقوله تقرير التنمية البشرية)).

عندها سيعاملنا السيد بوش كهمج رومانسيين فإما أن نقبل طريقته في الحياة ثقافياً وحضارياً ونخضع له سياسياً أو سيشن حرباً يحضرنا بها. ويبقى سؤال هل هناك ما يضمن أن لا نتعرض للإبادة إذا قبلنا أن نخضع حضارياً وثقافياً وسياسياً؟

إن الجواب على هذا السؤال هو:

- أبداً لا توجد ضمانات.

فقد تختلف المشاريع والمصالح والخطط. وقد يلزم أن تستلم الشركات النفطية آبار البترول كعقارات خالية من السكان. عندها سيعلن السيد بوش، أو من سيخلفه، يأسه من تحضيرنا فيقرر أننا كائنات متخلفة متوحشة بالوراثة. وسيخترع ما لا يحصى من القرائن والبراهين العلمية على نظريته الجديدة التي تستلزم أن يبيدنا.

لدى العلم الغربي وصفات جاهزة ليبرهن على أن كل من يعادي شركات النفط هو من المتوحشين وبطرق علمية ناعمة وحيادية كما في نموذج اختبار الذكاء ( I Q ) المعتمد في الغرب. وهو اختبار مصمم للإجابة على مجموعة متكاملة من الأسئلة صممت لقياس ردود الأفعال والحلول السليمة لمشكلات عديدة. وبالطبع إن هذا الاختبار يخص ثقافة واحدة وطريقة عيش معينة هي الطريقة الغربية. لكن عن عمد يتم تطبيقه على الآسيويين والأفارقة فيحصلون على نتائج متدنية عندها يشير الرجل الأبيض لهم بارتياح ألم أقل لكم إنهم قليلو الذكاء؟!!

وبالطبع لا أحد يذكر أن تقرير التنمية البشرية هو توصيف لوضع قائم دون التحدث عن مسبباته، كأن يلوم أحدهم الفتاة الصينية لأن قدميها مشوهة بعد وضعهما في القالب الحديدي ، بينما المسؤول الحقيقي هو من وضع القدمين في القالب. فلو تركت الفتاة تتطور بشكل طبيعي لما أصيبت قدماها بأي خلل.

وهنا نتوجه لهؤلاء الذين يتوهمون أنهم حلفاء للأمريكان لنقول لهم أن الأمريكان لا حلفاء لهم وهؤلاء الذين يتغنون بسواد عيونكم اليوم سيرمونكم عند اقتضاء الحاجة كما يرمي المنديل الورقي، فلا تغتروا بأقوالهم بل انظروا إلى قلوبهم وأفعالهم فهم لم يأتوا للمنطقة كي يوسعوا حدود نفوذ ايران. ولم يأتوا كي يسلموا الحكم للطائفة الفلانية، أو لإنقاذ الشعب العلاني. إنما أتوا كي يحكموا قبضتهم على المنطقة ولا مقدس عندهم سوى مصالحهم ولا صديق لهم سوى جيوبهم أما أوهام التحالف وتبادل الخدمات وزواج المتعة مع الولايات المتحدة فهذه أضغاث أحلام أو، أوهام سكير، أو حلم ليلة صيف سرعان ما يتبخر و ينجلي كل شيء عند الصباح فالأمريكان لا حليف لهم ولا صديق ولا صاحب.

إن كل ما اخترعه الغرب من وسائل إبادة عبر القرون الخمسة الماضية وكل ما طبقه على الشعوب من وسائل تدمير وكل ما تفتقت عنه مخيلته العنصرية من أفكار ليقضي على مقاومة الآخرين يطبق اليوم ضد العرب.

إن خلاصة تجربة الغرب الإبادية العنصرية التدميرية خلال خمسة قرون يطبقها الغرب وطليعته المتوحشة أمريكا ضد أهلنا في فلسطين والعراق.

لقد حصل استنفار غربي هائل فمن شيطنة الخصم التي شاهدنا ضخاً هائلاً لها عبر وسائل الإعلام قبل العدوان الأمريكي على العراق، وضد أهلنا في فلسطين، وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول وصولاً إلى دعاوي نشر التحضير والديمقراطية . كي يصل الأمر إلى الإبادة الجماعية الصريحة كما يحدث اليوم في فلسطين والعراق.. حيث تمارس شيطنة الخصم يدعمها أسطول هائل من الأسلحة الفتاكة والعقائد القيامية.

رغم كل ذلك لا يتقدم الغزاة شبراً ويتفاقم مأزقهم يوماً بعد يوم فيوغلون بالجريمة مسفرين عن وجههم عارياً نازعين عن جلودهم كل أقنعة الإنسانية والتحضر ليظهروا مجرد وحوش أو آلات دمار وقتل.

وعلى الطرف الآخر تصمد الأمة وترد الضربات مما يكرس في قناعة العدو يوماً وراء يوم أننا لسنا أمة هنود حمر (مع احترامنا الشديد للهنود الحمر). بل نحن أمة عصية على الكسر والإبادة. وإن كل ترسانته العدو العنصرية لن تجدي نفعاً لأن ليل البشرية الطويل الذي دام خمس قرون قد اقترب من نهايته وبعد قليل يشرق الفجر على نظام عالمي أكثر إنسانية وأكثر عدلاً. نظام عالمي لا يستطيع فيه شعب أن يبيد شعباً آخر ولا نفع فيه لكل أسلحة الغرب العنصرية لأنه قائم على العدالة والمساواة.