العراقيون هم من سيفشل الانتخابات وأهدافها

سميرة رجب/البحرين

كلما اقتربنا من موعد إجراء الانتخابات العراقية في موعدها المحدد يوم الأحد القادم، اتسعت خارطة المقاطعين لها، على جميع المستويات والمناطق والتيارات السياسية، وكان آخرهم الجبهة العربية الموحدة التي تضم أحزابا عربية سنية وشيعية في مدينة كركوك، في حين أعلن قبلها شيخ عشائر الدليم، في تصريح له عبر هيئة الإذاعة البريطانية، بأن عشيرته وجميع الشيعة ذوي الأصول العربية الذين يمثلون ما يعادل 70% من شيعة العراق، سوف لن يشاركوا في هذه الانتخابات. وبالمقابل فقد فشلت جميع المحاولات التي بذلها السفير الأمريكي في العراق لإقناع المقاطعين بالمشاركة وأبرزها محاولته مع هيئة علماء المسلمين.

إلا أن التقارير الأمريكية التي درست الخريطة السياسية العراقية وخرجت بنتائج غير معلنة بأن الإقبال على هذه الانتخابات سيكون ضعيفا جداً، الأمر الذي دفع أقطاب الإدارة الأمريكية بتهيئة الأذهان إلى أن هذه الانتخابات لن تكون مثالية، وأن يبدأ الإعلام الأمريكي بتمرير الأكاذيب والتأويلات حول أسباب عزوف العراقيين المرتقب عن المشاركة بالانتخابات، وإرجاعها إلى خوفهم من الأوضاع الأمنية المتردية وتهديدات "الإرهابيين" بقتل كل من سيشارك بالانتخابات، متناسين بأن هؤلاء العراقيين يعيشون حياتهم اليومية بصورة اعتيادية ضمن هذه الظروف الخطيرة التي تسببت، حتى الآن، في موت أكثر من مائتي ألف عراقي.. فهذا الشعب لا يزال يقاوم ويقاتل في جميع المجالات بدءا بتأمين قوته اليومي ومستلزمات الحياة بحدها الأدنى، ومرورا بمواصلة التحصيل الدراسي والتعليم في المدارس والجامعات وانتهاء بمقاومة الاحتلال بكل الوسائل والسبل، فهذه ليست غريبة على طبائع العراقيين الذين استطاعوا أن يعيشوا ضمن ظروف أسوأ حصار في التاريخ الإنساني، لمدة ثلاثة عشر عاماً، كما عاشوا تحت نيران العدوان العسكري الأمريكي المتكرر خلال سنوات الحصار، واستخفوا بكل أسلحة الأمريكان الفتاكة التي كانت تستخدم ضدهم.

فكل تلك الادعاءات لا صحة لها عند العراقيين، إذ أنهم لو كانوا قد آمنوا بقدر مثقال ذرة بأن نتائج هذه الانتخابات ستصب في صالحهم، لتدافعوا على صناديق الاقتراع حتى لو كان هناك ألف زرقاوي حقيقي وليس وهميا. أما الدليل الأكبر على هذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، فهو ما يعلن عبر التقارير الأخبارية العالمية بشكل يومي من عزوف العراقيين عن المشاركة بالانتخابات في خارج العراق، رغم توفر الأمن، وكل الإغراءات والوسائل التي وفرتها لهم الدول التي يعيشون فيها لتسهيل عملية المشاركة.. وتقول الأرقام في هذا المجال إنه من مجموع مليون ونصف ناخب عراقي يعيش في الدول الأوروبية لم يسجل في الدوائر الانتخابية سوى 83 ألفا، ومع أن هذه النسبة مبالغ بها إن لم تكن مزورة، فإنها لم تتجاوز 8% من العدد الإجمالي.

أما أصل الحكاية وببساطة شديدة جدا، يرجع إلى أن العراقيين قد أدركوا مبكراً بأن الأمريكان لم يأتوا إلى العراق حباً بهم، بل أتوا لتدمير بلدهم، فالخراب والدمار الذي جلبه المحتل معه لا يزال شاهداً أمام أعينهم.. وأن كل المسرحيات السياسية ليست سوى محاولات يائسة لإقناعهم بنبل أهداف احتلالهم للعراق.. بل أدرك العراقيون أن اللجوء لمسرحية الانتخابات وغيرها، جاء بناء على تصاعد عمليات المقاومة، ويضاف إلى ذلك أن كل تلك المسرحيات أظهرت بؤساً شديداً في الأداء، سواء في "مجلس الحكم" أو "الحكومة المؤقتة" أو "المجلس الوطني"، أو "قانون إدارة الدولة" الذي كرّس الطائفية وقسّم العراق تحت مسميات الفدرالية وغيرها، ناهيك عن أن معظم رموز هذه المؤسسات هم الذين جاءوا بالاحتلال ومعه، ولا علاقة لهم بالعراقيين أو مصالحهم..

أما بقية القائمة حول زيف الديمقراطية الموعودة وتحسين الحالة المعاشية والصحية فهي طويلة ومؤلمة. ليس هذا كل شيء.. فالقادم هو الأهم والأخطر، وهذا ما يدركه العراقيون جيداً. أدركوا بما لا يدع مجالاً للشك بأن السماح بتمرير هذه الانتخابات وإكسابها صفة الشرعية ستمكن قوات الاحتلال من تكريس احتلالهم للعراق، واستكمال بناء قواعدهم العسكرية، وشن المزيد من الحملات العسكرية للقضاء على المقاومة، وبالتالي منحهم فرصة لتحقيق أهدافهم.

فالمجلس الوطني" الذي سيتم انتخابه، والحكومة التي ستنبثق عنه، قد وقعوا مسبقا على تعهد، ثُبِتَ في قسيمة الترشيح، بالعمل وفق "قانون إدارة الدولة العراقية" وكل القوانين والقرارات التي أصدرتها قوات الاحتلال، وهذه بمجموعها باعت العراق إلى الأمريكان، وسيبيع الباقي إلى الشركات بعقود "أصيلة".

وكما أشرنا في مقالات سابقة فأن أخطر تلك الأهداف هو وضع مشروع تقسيم العراق موضع التنفيذ وتمزيق وحدة المجتمع العراقي، متوهمين بأنهم بذلك سوف يكسرون وحدة المقاومة، تمهيدا للقضاء عليها، بعد أن عجزت عن تحقيق هذا الهدف طيلة فترة الاحتلال ولحد يومنا الحاضر.

فثقوا بأن من سيتصدى لإفشال هذه الانتخابات هم العراقيون أنفسهم، ومن سيحرر العراق هم العراقيون أنفسهم..