أزمة المسلمين أم أزمة المثقفين.. في عالم اليوم

سميرة رجب/البحرين

من الملاحظ تزايد عدد المثقفين العرب الذين انفتحت آفاقهم وقرائحهم مؤخراً نحو الدعوة لقبول الغرب المستعمر والمحتل لتقدميته الفكرية والعلمية والمنهجية، كما ارتفع معدّل ظهورهم العلني في الندوات والمحاضرات ليعلّقوا آثام الأمة ومآسيها كلها على شماعة التيار الديني فقط، في هذه المرحلة العصيبة التي تتعرض فيها الأمة العربية والإسلامية للعدوان العسكري على أراضيها، والحصار الاقتصادي على ثرواتها، والتشهير والتشويه الإعلامي لمبادئها وقيمها الإنسانية والإسلامية، تحت طائلة تهمة الإرهاب وتوليد الإرهابيين.. فيا ترى هل هذا هو الأوان المناسب لنشر تلك الثقافة الانهزامية التي لا تصب إلا في دعم مبررات وذرائع وأكاذيب العدوان ضد الأمة، أم هو أوان توحيد الجهود لمواجهة تلك الأكاذيب، وتحشيد الجماهير العربية حول ثقافة المقاومة ورفض الإذلال الاستعماري وكشف أكاذيب وعدائية العدو ومخططاته الإجرامية الهادفة لتحقيق مصالحه فقط، وليس أي شيء آخر!!.

من بين هؤلاء المثقفين، استقبلت البحرين خلال الأشهر الأخيرة الأستاذين صادق جلال العظم، وسيد القمني من اليسار العربي، في ندوتين منفصلتين، ليفاجئوا الجمهور البحريني بطروحاتهما القاصرة والأحادية الرؤية حول تشخيص أسباب أزمة التخلف العربي التي حمّلوها بمجملها على الفكر الديني، والسلفي خصوصاً.. وكان قد سبقهم السيد هاني الفحص، اليساري سابقاً والديني حالياً، ليقف معهم في نفس التوجه، ولكن بطرح آخر، رغم التزامه بلبس الجبة والعمامة السوداء.. وكأننا أمام ظاهرة جديدة تبث الدعوة للاستسلام طلباً للخلاص!!!.

كان الأستاذ سيد القمني، آخر الزائرين الثلاثة الذين استقبلتهم البحرين، وأكثرهم وضوحاً في دعوته المباشرة للاستسلام والتبعية للغرب المستعمر، بدعوى التقدم الغربي الشاسع وتخلفنا المتجذر منذ قرون، محملاً الفكر الديني كل أسباب أزمة العرب وتخلفهم وفشلهم في اللحاق بركب "الحضارة الغربية".. حيث يرى أن هذا الفكر كان سبباً في شلل الفكر الحداثي العربي والإسلامي، وسبباً في رفض المسلمين للعصرنة على مستوى العلوم والفكر والسياسة والاجتماع مقتدين بالأولياء والأولين، رجوعاً إلى البدايات الأولى، عندما التزم المسلمون بقدسية النص التي كانت وراء عدم تحديث اللغة العربية منذ ما يزيد على عشرة قرون، مما أدى إلى انقطاع لغة الحوار بين العرب والعالم "المتحضّر"، وإلى عدم امتلاك العرب المرادفات اللغوية للغة الغرب ومصطلحاته المطلوبة لاستيعاب العلوم المختلفة (الفيزياء والرياضيات) والأخذ بها لتحقيق تقدم الأمة، حيث إن اللغة تتحكّم في نمط التفكير وديناميكيته.. هذا بجانب مسؤولية الفكر الديني عن مناهجنا التعليمية التي تُعَلّم أبناءنا كره الآخر وبغضه بمنظور ديني خاطئ.

أما النتائج فيمكن اختصارها، بحسب رؤية المحاضر، في عدم تمكّن العرب من فهم وتبنّي الفكر الليبرالي الغربي الذي كان سيحقق لهم التقدّم بمعايير اليوم المتمثلة في احترام عقل الإنسان، وتوقير العلماء، والأخذ بشروط المنهج العلمي في الحياة، والاهتمام بالفلسفة، وتعلّم ممارسة النقد والنقد الذاتي، والاهتمام بالقيم المتغيّرة وعدم التشبث بالثوابت، وبالتالي إعلاء قيمة الفرد على الأمة.. وهكذا دخل الأستاذ القمني في المحظور العلمي، عندما ترك العنان لعقيدته اليسارية، وما جرى عليها وعليه من تغييرات مؤخراً، أن تتحكم في منهجيته ككاتب أو باحث في تحليل أسباب أزمة العرب والمسلمين في عالم اليوم، وهي إحدى أهم وأكثر القضايا الفكرية تعقيداً في تاريخنا المعاصر، وأكثرها أهمية في تحديد مستقبل الأمة ونجاحها في الخروج من أزمتها المستمرة في التضخم ككرة الثلج المتدحرجة.

وما يمكننا أن نختصره في الرد على تلك الأفكار التي يدعو لها الأستاذ القمني، والدعاة الآخرون، هو أن هذه الأمة عاشت ومازالت تعيش في ظل السيطرة الاستعمارية التي تعد ركناً من أركان الفكر الليبرالي الغربي.. فهذا الفكر ما كان له أن يستمر ويتطور لولا نشوء مبدأ الاستعمار في عقيدته.. ذلك المبدأ الذي بدأ ازدهاره على قواعد الحرية والديمقراطية وحرية التملك التي أدت إلى قيام الدولة ذات القيم المادية المطلقة، ومن ثم إلى نشوء الدولة الرأسمالية الغربية المستعمِرة (الأميبية والمتطفلة).. ولتنمو هذه الدولة وتكبر كان عليها أن تتغذى على خيرات الدول والشعوب المستعمَرة.. فأصبح مبدأ الاستعمار أهم أركان الفكر الليبرالي، والقلب النابض للحضارة الغربية والدم الذي يغذي صناعاتها وبحوثها وعلومها. فمن الخطأ الاستراتيجي أن يتجاهل أي باحث في شئون أزمة التخلف العربي تأثير الدور الاستعماري الذي لا يزال مستمراً في تكريس هذا الواقع، علماً بأن التاريخ العربي يحمل الكثير من التجارب الكبرى الداعمة لهذا التوجه.. بدءاً بتجربة محمد علي باشا النهضوية الكبرى في مصر، التي تم تقويضها بواسطة المستعمِر، وانتهت بتفكيك كل المصانع المصرية وتحميلها على السفن المتوجهة إلى فرنسا.. مروراً بتجربة عبد الناصر، التي استهدفت بالعدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 لمنع عبد الناصر من تنفيذ بناء السد العالي بهدف منع الفيضانات السنوية المدمرة لمختلف المدن المصرية، وتوفير الطاقة المطلوبة لبناء مصر في ظل التجربة الجديدة آنذاك.. انتهاء بتجربة العراق التي تحولت إلى دولة واعدة بدأت بالأخذ بناصية العلم والتقدم التكنولوجي الحديث، فتكالبت على تدميرها كل دول الاستعمار، وأحرقت أرضاً وبشراً وشجراً، وتم تفكيك مصانعها إلى أجزاء لتباع بالخردة في أسواق الديمقراطية والليبرالية الغربية.

ومن الملاحظ أنه لم يكن للفكر الديني ذلك الدور المزعوم في إفشال كل هذه التجارب، بقدر ما كان للمثقفين والساسة العرب من أدوار رئيسية، نتيجة لقصورهم الفكري ورؤاهم الأحادية التي طالما كانت من إفرازات أيديولوجياتهم وعقائدهم السياسية التي لم يحاولوا يوماً التجرد منها في سبيل خلاص الأمة من التخلف ودخولها عصر الحداثة من أبواب عربية وليست أجنبية..

وأخيراً، يحق لنا أن نتساءل، إذا كان الفكر الديني سبباً في أزمة التخلف العربي على مدار القرون الماضية، بحسب طروحات الدعاة الجدد، فيا ترى تحت أي بند يمكننا تصنيف مواقف مثقفينا العرب الداعين للهزيمة وقبول الاحتلال والاستعباد الاستعماري الأجنبي وتبني الفكر الليبرالي الغربي وعقيدته الاستعمارية اللاإنسانية، بدعوى التخلص من الدكتاتورية العربية؟!!.