شاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب (1)

المعاني والصور الجديدة المتحررة من عقدة الخوف والقيود القديمة

د. شاكر الحاج مخلف/رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي

الشعب لن يصفح عن الكتاب والأدباء والشعراء وعموم الذين خذلوه واتخذوا الموقف الحيادي أو المتصالح أو الصامت إزاء ما يجري الآن، فهناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الجميع، وبلادنا الجميلة ذات الإرث الحضاري المتميز ليست مرتعا للظلم والشر فقط، بل هي بحار لا حدود لها للمعرفة والعلم، وذاك الوطن الذي ننشده جميعا هو قطعا ليس الذي يقوده الآن رهط من الجهلة والمتخلفون ذوي النزعات الضحلة والشريرة واللصوص المحترفون، العراق القادم الذي تنتظره العيون والقلوب سيكون للقلم فيه قدرة أكبر من قدرة السيف في يد عملاق أسطوري، تعرض السياب إلى ذات الموقف الذي نتعرض له الآن، في الخمسينات من القرن المنصرم كان المد الشيوعي قد اضمر للعراق أن يتحول قسريا من تراثه وتاريخه وصلاته ليكون مجرد علامة في خريطة الكيانات التابعة لدولة أجنبية متجاوزا بذلك جميع الأفكار والطروحات الوطنية، وجد ذاك التوجه مقاومة كبيرة من الرعيل الوطني في الثقافة والأدب وقطاعات أخرى، كان الشيوعيون يسابقون الزمن لكي يتحقق لهم الذي أرادوه، وفي المقابل أيضا نشطت حركة معارضة ضمت تيارات سياسية كثيرة، وعندما صار الأمر لهم لم يتورعوا في فعل كل فعل قبيح وغير أخلاقي، بل عمدوا إلى إقصاء كل التيارات الوطنية التي أتلفت معهم في جبهة عريضة للنضال ضد الحكم الملكي البغيض وبذلك فتحوا الباب واسعا لدورة العنف الفظيعة التي شهدها العراق والتي لم تهدأ بعد، تلك الفترة قدمت البرهان الواضح على إن القوى الوطنية كانت ترفع شعارات لهدف الوصول إلى غايات نفعية وليس إلى هدف تحرير الإنسان وإرساء قواعد البناء الديمقراطي، كتبت دراسات وأبحاث كثيرة في تفاصيل ما جرى في تلك الحقبة من تاريخ العراق، الذي يهمني هنا توضيح الموقف الوطني المتعارض الذي اتخذه السياب ودفع ثمنه غاليا للفعل المعارض ثمن، والسلطة دائما تعبئ الجماهير نحو أهدافها وليس صعبا أمام الحكومات الديكتاتورية التي تعاقبت على حكم العراق تحويل المثقف أو الكاتب أو الشاعر أو رجل الدين إلى جاسوس ومتآمر وخائن، كان على السياب أن يختار آما أن يكون تابعا ذليلا لفكر بلقع لا يساوي شروى نقير ويتجرد من إحساسه الوطني ويدور مع الغوغاء والشعوبيين ويصبح عميلا رسميا لنظام غريب عن الشعب أو يتحصن بالشعب وتاريخه وتراثه الحضاري ويتمرد معارضا مقاوما رافضا، لقد اختار السياب موقفه الوطني دون تردد وكان ندا عنيدا شجاعا في مواجهة فلول الحكم الملكي والطغيان الشيوعي، وهو الذي وجد أن عبد الكريم قاسم لا يختلف عن نوري السعيد، وبذاك الاكتشاف يسجل له بعد نظره ودقة أفكاره وتفرده عن ذاك القطيع الذي كان يسير خلف لافتة سياسية كاذبة، يصفه بعضهم بأنه كان يخلط بين الفكر والرفض، تعرض السياب في حياته إلى المواجهة والفقر والحرمان والسجن والوحدة وهو يصف وعيه السياسي في عام 1946 فيقول: "صرنا نبث الدعاية لروسيا وللشيوعية جنبا إلى جنب مع الدعاية للنازيين،" (1) تصر بعض الأقلام المؤدلجة على انه كان منتميا للحزب الشيوعي!، بينما يؤكد الشاعر "سليمان العيسى" الذي كان زميل بدر شاكر السياب في دار المعلمين في تلك الفترة بالذات: "كان بدرا يكتب قصائد يسارية في هذه المرحلة، ولكنه في بعض الأحيان يسب الشيوعيين، وكان في أحيان أخرى يعلن للأستاذ سليمان العيسى وهو قومي، أنه يؤيد أراءه" (2) بينما يؤكد الأستاذ محمد علي الزرقا وهو زميل آخر لبدر "أن بدرا لم يكن عضوا في الحزب الشيوعي" (3) وثمة شهادة أخرى تصف بدر شاكر السياب على النحو التالي: "جاء بدر إلى بغداد شابا وطنيا، لم يكن منتميا إلى حزب ولا كان منحازا إلى فلسفة، وظل كذلك مدة من الزمن يرجح أنها امتدت إلى سنة 1945" (4 ) بينما يصف الأستاذ "محمود العبطة" بدر شاكر السياب في سنته الدراسية الثانية 44-45 بما يلي: "كان هادئا وديعا، لم يرتفع صوته في هذه الأيام عندما كنا نتراشق ونتلاسن وننقسم إلى معسكرين: منا من يؤيد الحلفاء ومعسكر الديمقراطية، ومنا من يمجد النازية وهتلر، وإذا ما أحتدم النزاع، وكثيرا ما يحتدم، يستأذن بدر في الذهاب إلى القسم الداخلي من الدار تاركا النزاع وأهله" (5) ومنهم من وصف بدر شاكر السياب بأنه: "كان ابن فلاح، ولقد كان فرديا مفرط الحساسية، قوميا مثل كل المثقفين من أبناء البرجوازية الصغيرة، مثاليا في تكوينه النظري ولم يكن يستطيع أن يكون شيوعيا، وكان نمو هذه المشاعر وهذه الاتجاهات عنده يزيد من اختلافه مع الشيوعيين" (6)

أعلى من العّباب يهدر رغوه ومن الضجيج

صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى عراق

كالمد يصعد، كالسحابة كالدموع إلى العيون

الريح تصرخ بي عراق

والموج يعول بي عراق

ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون

وأنت ابعد ما تكون

والبحر دونك يا عراق..

جذور الموقف المبدئي

نكتب الشعر لكي نكون اكثر كمالا ونحتاج أليه ليمدنا بالمعرفة الذهنية والبصرية عن اجمل التوقعات لتغيير العالم والإنسان، والأفكار التي لا يؤمن بها الشاعر أو الفنان أو الكاتب يجب أن تتواري،" أن الشاعر العبقري يستطيع، بالقوة السحرية للموهبة، أن يتغلغل في أكثر أعماق القلب خفاءً، يمسك بأكثر الانفعالات رقة ويحولها إلى شعر مؤثر، وقد آمنت، على الدوام، بأن أعمق أسرار القلب الإنساني هي أكثر تعقيدا من أسرار الطبيعة، مهما كانت درجة تعقيدها، وأسرار القلب لا يمكن أن يفكها إلا سحر الموسيقى أو حكمة الشعر، فحكمة الشعر هي إضاءة داخلية، حكمة الطبيعة الأسمى" (7) لقد أحدث السياب ارتفاعا كبيرا في الاهتمام بالشعر العربي، فصار الكثير من الذين تعلموا يتحسسون معاني وصور القصيدة المتحررة من القيود القديمة، قرأ السياب الفكر الماركسي ونفر منه، ربما كان يراه دخيلا هجينا لا يتجاوز عتبة المستقبل القريب، كان السياب يستشرف المستقبل برؤية واضحة ويحتكم إلى الثوابت الوطنية ولم تداعب خياله تلك الرياح الصفراء القادمة من بلاد القفقاس، يقول خالص عزمي: "كنا نتردد كل ليلة على المجلة، أنقطع بدر فترة، بسبب السفر فيما أتصور، ثم عاد ولديه تحول جذري في أفكاره جعله ينفر من أي تجمع سياسي، كان منكمشا آنذاك ولم يذكر الأسباب،" (8) كلما نضج الكاتب والشاعر راح يتأمل تراث بلاده الوطني مقارنا وباحثا عن الاستقلالية الوطنية في الفكر والمضمون وهذا الأمر شغل السياب كثيرا، فلو كان السياب شيوعيا لماتت قصائده قبل موت الشيوعية ولكنها كتبت لتبقى تدور في أرجاء العراق والوطن العربي وهذا سر خلود القصيدة السيابية وهذا بتقديري الآمر الجوهري الذي حاولت الأقلام المؤدلجة القفز عليه وعدم البحث فيه،" تعددت ثقافات السياب فقد نهل من ثقافات مختلفة، قرأ الأدب العربي والروسي والإنجليزي وتمثل آراء أكبر الشعراء العرب والإنجليز والأميركيين، ولقد درس الإنجيل والتوراة، وقرأ شيئا من التراث الفكري الماركسي كما قرأ بعض التراث الفكري الغربي، وكان كل هذا يبدو في شعره بأشكال مختلفة وبمقادير متفاوتة" (9) وهذا الرأي يدحض المقالات والأبحاث التي تصف السياب بمحدودية الثقافة، كان الهدف من تلك الهجمة هو الإساءة إلى رمز وطني كبير وجانب في عدم التمكن من تجاوز السياب بعد موته، فهو الحاضر أبدا بينما يلف شعراء العراق من الذين أراقوا القيم والأخلاق في سوق النخاسة، يلفهم الموت وعدم الاهتمام ناهيك عن ازدرائهم في كل المجالس الثقافية العربية، فما قيمة الذهب والمناصب إزاء فقدان احترام الشعب، إنني أجد أن من البغيض على نفسي التكلم عن الشعر، عن الأدب الذي تكون فيه المسئولية نحو الناس ونحو العصر قضية ثانوية، عندما تعاون "كنوت هامسن" الحائز على جائزة نوبل مع الغزاة النازيين، أخذ مواطنوه النرويجيون يرمون كتبه إليه من فوق سياج بيته، أما حين مات "هنري باربوس" فقد حمل الفرنسيون كتبه أمام نعشه على وسادات من المخمل، وذات الأمر حصل مع شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري فقد غصت المقبرة والطرقات المؤدية إلى السيدة زينب في الشام بجموع العراقيين الذين كان الأسى يعتصر قلوبهم والدمع تراه واضحا في العيون ذاك الحس الوطني العظيم الذي لمسته لدى بسطاء الناس من الذين غادروا العراق قسرا لا يمكن إلا أن يكون يمثل حالة الفجيعة باختفاء رمز وطني.

الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينة،

والعابرون، إلى القرارة.. مثل أغنية حزينة

وتفتحت، كأزاهر الدفلى، مصابيح الطريق

، كعيون ميدوزا تحجر كل قلب بالضغينة

وكأنها نذر تبشر أهل بابل بالحريق

من أي غاب جاء هذا الليل ؟ من أي الكهوف

من أي وجر للذئاب؟

من أي عش في المقابر دفّ أسفع كالغراب؟

قابيل أخف دم الجريمة بالا زاهر والشفوف

وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء

ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء!

والليل زاد لها عماها

والعابرون

الأ ضلع المتقوسات على المخاوف والظنون،

والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها

وتعد آنية تلألأ في حوانيت الخمور:

موتى تخاف من النشور

قالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!

المواجهة والمعارضة

 نقف في مواجهة المستقبل ونعرف جيدا انه لن يتقبل منا غير الجهد المخلص الذي يقود إلى تحقيق التغيير بما ينشده الإنسان والحياة، أن العالم المتغير محكوم بالصراع السريع والدائم وداخل تلك الصورة التي صارت واضحة أمام العين ثمة أطراف وأفكار وقضايا وثمة مكاسب وامتيازات وترويج، لن تكون نتائج واحتمالات الصراع محسومة دائما وهذا يعطي للذهن فرصة التفكير والتعليل والحصول على هوامش النبوءة بما قد يحصل، "أن تجد الحقيقة وان تكافح باتجاهها مجتذبا الآخرين معك، وليس هناك من يستطيع إخبارك إن كنت ستخرج من الصراع حيا أم لا، ولكن إذا كنت متماسكا وكانت قناعتك ثابتة فإن النصر سيأتي حتما" (10) كان السياب يبحث دائما في استمرار توازن العلاقة بينه وبين العراق وليس كما أشاعت بعض الكتابات عن العلاقة بينه وبين أحزاب العراق بالمعنى الشامل، حضارة، تراث، مواقف، تاريخ، بشر، إضافة إلى تكوينات بيئية ودينية وعقائد أخرى، وكلما اقترب السياب من عمق التكوين الحضاري للعراق رأى أن ما تمتلكه الأحزاب العراقية مجرد ثغاء وقبض ريح، وهكذا ظل العراق هو الهاجس الكبير، ومعقد الأمل وبوابة المستقبل، بينما الأحزاب لا تشكل سوى توليف مؤقت أنجزتها في الغالب أفكار أجنبية، كان السياب يعتقد كما نعتقد الآن، لاوجود لحزب عراقي وطني، فقد كشفت المواجهات التي دارت كل الخفايا والارتباطات، وظهر الزيف الذي كان السياب قد أدركه مبكرا بينما ظل العراق كما هو ينتظر الخلاص ليس من قوى أجنبية بل من سكراب تلك الأحزاب المسكونة بالخيانة والعمالة للأجنبي، يقول الشاعر الكاراجي "موسى باتجاييف" (11)

ذلك الذي يفقد بصره

يمكنه أن يستمع إلى أغنية

وذلك الذي يذهب سمعه

 يمكنه أن يحدق بأقواس قزح

ومن يفقد ذراعيه

يمكنه إن يرقص في حفلة عرس

 ومن يفقد ساقية

يمكنه أن يطوق أصدقائه

والذي يفقد حياته

يمكنه أن يجد الراحة في تربة وطنه ولكن إذا فقد الوطن

فهل هناك البتة ما يفعل المرء؟

إن الكتاب والشعراء في أعمالهم الأكثر أهمية، يتجاوزون دائما تقريبا حدود فنهم المباشرة، وكما يرى الشاعر الأوكراني "فيتالي كوروفيتج": لا اعرف كاتبا واحدا ذا أهمية اجتماعية رفيعة، لم يكن موجودا خارج إطار الكتابة والتأكيدات القاطعة التي يطلقها بعض المؤلفين بأنهم غير سياسين هي أقرب في دلالتها إلى التخلي منها إلى المحايدة، أن بوسع المرء أن يقف على هذا الجانب من الحواجز أو ذاك، ولكنك بعدم اتخاذك آي جانب تساعد حتما أحد الجانبين، وغالبا ما يكون لهذه المساعدة الدور الحاسم، وهذا ما قصد أليه كاتب فرنسي عندما قال: لقد كان فلوبير مسؤلا بشكل مباشر عن أعمال القمع التي تعرض لها ثوار الكومونة في عام 1871 لأنه لم يستطع وهو فلوبير، أن يكتب سطرا واحدا ضد أعمال القمع" (12) روج كتاب وشعراء ومنتمون للحزب الشيوعي عمدا عن انتماء السياب للحزب الشيوعي وذلك لعزله عن دوره الوطني الذي تنبه أليه في ذات الوقت الذي كان السياب يهاجم منصات الحكم وكذلك الحزب الشيوعي العراقي في قصائده المعروفة، ولم يسلم من ذاك الترويج شعراء آخرون مثل الجواهري والبياتي الذي نفى تلك التهمة قبل وفاته وأعلن موقفه الوطني الكبير عندما قال: "أني لست سياسيا، لا أنتمي إلى أي حزب سياسي أو أي فئة، فأنا مستقل لدي وجهة نظر في السياسة ولكنها وجهة نظر مستقلة تماما" (13)

سلاما بلاد اللظى والخراب

ومأوى اليتامى وأرض القبور،

أتى الغيث وانحل عقد السحاب

فروى ثرى جائعا للبذور

وذاب الجناح الحديد

على حمرة الفجر تغسل في كل ركن بقايا شهيد

وتبحث عن ظامئات الجذور

شهادات أخرى عن السياب

أن التصدي للنظامين العميلين المتعاقبين نظام السعيد وقاسم من قبل القوى الوطنية و رهط من الكتاب والشعراء، أعطى السياب زخما ثوريا كبيرا وفرض عليه حالة مواجهة قاسية مع نماذج من الرعاع والغوغاء التي لا علاقة لها بالثقافة والإبداع، عقول مشوهة ونفوس مخربة ديدنها الكذب والنفاق والتشويه وهذا قليل مما لحق بالسياب من تلك المواجهة القاصرة ورغم كل ما لديهم من الإمكانات عجزوا أن يغيروا موقف السياب الوطني، "كان قد بدأ يكشف عن اتجاهات قومية عربية، ولقد أقام علاقات مع مناضلين قوميين، منها علاقته بفيصل حبيب الخيزران أحد قادة حزب البعث العربي الاشتراكي (14) ولا توجد أدلة على انتماءه لذاك الحزب، ويقول صديقه "محي الدين إسماعيل أن فيصل حبيب الخيزران، أحد أكثر أثنين أثرا في حياة السياب، كما أنه أقام علاقة وطيدة مع مجلة الآداب المعروفة بميولها القومية وأخذ ينشر قصائد على صفحاتها، ذات اتجاه وطني وتقدمي وإنساني ومن تلك القصائد قصيدته الرائعة "في المغرب العربي" (15)

وكان يطوف من جدي

مع المد

هتاف يملأ الشطآن: يا ودياننا ثوري!

ويا هذا الدم الباقي على الأجيال

يا إرث الجماهير

تشظ الآن واسحق هذه الأغلال

وكالزلزال

هز النير،أو فاسحقه واسحقنا مع النير

وكان إلهنا يختال

بين عصائب الأبطال،

من زند إلى زند

ومن بند إلى بند

إله الكعبة الجبار،

 تدرع أمس في ذي قار

بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار،

إله محمد وإله آبائي من العرب

تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار.

كان بدر في تلك الفترة يزداد شهرة داخل العراق وخارجه، ولقد ظل يواكب حركة الجماهير العربية بشعره، وحين وقع نفر من رجال الفكر والأدب بيانا بتأييد الثورة الجزائرية لم يتخلف بدر، إلا أن صدور البيان لفت انتباه السلطة لاسيما أن عددا من الموقعين كانوا من الشيوعيين، وقبل أن تسأل السلطة بدر أعلن أن لا علاقة له بالشيوعيين" (16) كانت الصراعات قد اشتدت في المنطقة العربية عامة وفي العراق بشكل خاص وقد اعتمدت حكومة نوري السعيد تهمة واحدة ضد عموم القوى الوطنية هي، الشيوعية، كان بدر في تلك المرحلة يقرأ ويكتب ويترجم ويتحسس مشاكل الجماهير وآلامها ولكنه لا يشارك في النضال العملي، وبدأت بعض القصائد في شعره تعبر عن المنحى الجديد في حياته مثل القصيدة التي نشرتها مجلة الآداب في عدد كانون الأول من عام 1955 والموسومة "تعتيم" (17)

حين يذرّ النور

يلقي به التنور

عن وجهك الظلماء

ويهمس الديجور

آهاته السمراء

على محياك

تهجس عيناك

بكل حزن الدهور

وكل أعيادها:

أفراح ميلادها

وغمغمات النذور

وزهرها والخمور..