ليكن عام 2005 عام التحرير والجلاء للقوات الأمريكية من العراق
د. محمد جواد فارس
في المشهد الثاني بعد الاحتلال الأمريكي للعراق يبدأ مشهد آخر يريد أن يستمد شرعيته مما يسمى بـ"قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية" والذي صدر في 18 آذار 2004 من قبل ما يسمى بمجلس الحكم والذي قاده بريمر.
وقد نصت المادة الثلاثون على أن تجري انتخابات الجمعية الوطنية إن أمكن قبل 31 كانون الأول 2004 أو في موعد أقصاه 31 كانون الثاني 2005، وكما جاء في المادة التي تلتها بالفقرة (أ).. أن تتألف الجمعية الوطنية من 275 عضوا، وهذا القانون بحد ذاته بما أنه سن في ظل الاحتلال فأنه باطل حسب اتفاقيات جنيف الأولى والثانية.
عمليا إننا نستنتج إن لدى قوات الاحتلال الرغبة في الإسراع بعملية الانتخابات حتى ولو تكن هذه الانتخابات محدودة وقذرة. لأنهم يريدون من خلال هذه الانتخابات المجيء بسلطة يقال إنها منتخبة تقر لهم مشروعية الاحتلال على أن يخرجوا من المدن ويقيمون قواعدهم الثانية خارج المدن لسنوات عديدة لكي ينجزون المهمتين الأساسيتين التي جاء الاحتلال بها وهي"
الأولى: سرقة ثروات العراق بنفطه ومعادنه وثرواته الأخرى.
الثانية: المحافظة على أمن الكيان الصهيوني.
وهذا كله يجري تحت شعارات تقول إنهم جاءوا لإقامة "عراق ديمقراطي" ويريدون تعليم شعبنا العراقي الديمقراطية، هذا الشعب صاحب أعظم الحضارات، أول من علم البشرية القوانين كما هو معروف في مسلة حمو رابي وملحمة جلجامش ومكتبة آشور بانيبال.
وكما هو معروف إن أمريكا حديثة العهد، التي قامت حضارتها على جماجم الهنود الحمر أصحاب الأرض الحقيقيين، فإنما يجري الآن هو مهزلة القدر في هذه المفارقات في ظل هذا العصر الأحادي القطبية وعصر العدوان الأمريكي.
إن المقاومة العراقية الباسلة الآن لديها فرصة أكبر لتطوير شكل العمليات القتالية وتحويلها من الإمكانيات البسيطة ذات فعل عسكري مؤلم للعدو (كما حدث في عملية معسكر الغزلاني في الموصل) حيث كبدت العدو الأمريكي عدد كبير من القتلى والجرحى، وأن اعتمادها الذاتي في التمويل وتدبير السلاح والتجهيزات والتدريب عليها مع توفير ديمومة الإمداد والتموين للفصائل المقاتلة، وبهذا يجب تحويل هذه المقاومة إلى مقاومة الشعب كله وذلك بزج أكبر عدد ممكن من جماهير الشعب في كافة قطاعاته الوطنية والطبقية وذلك للاستفادة من كافة الإمكانيات والطاقات العملية والسياسية العسكرية وعدم التهاون مع الخونة والعملاء الذين يشكلون الآن طابورا خامسا، وأن الانتصارات التي تسجلها المقاومة الآن والتي يشهد عليها العدو الأمريكي لهي خير دليل على ذلك، وقد صرح الجنرال اندروميل براون آمر الفيلق الأول لقوات المارينز الأمريكية في العراق قائلا عن حرب الفلوجة: "الفلوجة ربما استثناء في أنواع الحروب التي خضناها وشاركنا فيها ولكنها ستبقى درسا لنا ونقطة تحول لتغيير الدراسة الأكاديمية العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية.. إن هجمات المسلحين بالصواريخ والمتفجرات ساهمت في إبطاء وتأخير الجيش الأمريكي في السيطرة على الفلوجة، كما إن الجماعات المقاتلة قد فهمت واكتشفت المؤثر الوحيد لنا في هذه المعركة هو النقل والإمداد والتموين، وقد نجحوا في ذلك، فقد استخدمنا في معركة الفلوجة أسلحة لم يستخدمها الجيش الأمريكي دبابات آبرومز -M- وهي دبابات ضخمة تزن 70 طنا مزودة بمدفع عيار 155 ملي، كما تم إطلاق آلاف الصواريخ الموجهة عبر الليزر إضافة إلى حاويات القنابل، ولكنها لم تنهي المقاومة على الرغم من مرور شهر ونصف من المعارك، وفي بداية الأمر لم نكن نتوقع إنهم سيصمدون أسبوعا واحدا، واليوم يواجهون أسلوبا يختلف عن أساليب الحرب التي جربناها في جميع أنحاء العراق من تفخيخ المباني والسيارات والشوارع وانتهاء بتفخيخ أجسادهم تتناثر علينا مع شظاياها المزروعة داخل الأحزمة وهذا طبعا يؤثر على معنويات الجندي الأمريكي".
ولو دققنا بما ورد في نص هذا الجنرال الأمريكي لوجدنا إن القيادة العسكرية للمحافظين الجدد دفعت في كماشة للمقاومة العراقية تكبدها خسائر بشرية ومادية تتصاعد يوما بعد آخر. ويشكل حلفاؤهم من العملاء من الطابور الخامس عبئاً ثقيلاً على كاهلهم حيث هم الآن أي العملاء يطالبوهم بمزيد من الحماية تقيهم من ضربات قوى المقاومة العراقية، وبذلك فأن المشروع الأمريكي في العراق بدا في عده التنازلي حيث هم يعلنون إنهم إلى جانب أن تجرى الانتخابات في موعدها المحدد، في الوقت نفسه أن هناك معلومات تشير إن عددا كبيرا يقدر بمليون ونصف المليون دخلوا إلى العراق (من ايران) إثر الفوضى التي تعمه وتمركزوا في الوسط والجنوب حيث تقطنها الأغلبية من المذهب الجعفري. وقد حصلوا هؤلاء على أوراق رسمية ثبوتية مزورة تؤهلهم للمشاركة في مهزلة الانتخابات حيث جرى تزويدهم بالهوية العراقية والبطاقة التموينية لكي يدعموا بأصواتهم هذه القائمة التي تضم "حزب الدعوة" و"المجلس الإسلامي الأعلى" و"حزب المؤتمر الوطني العراقي" (احمد الجلبي) لضمان حصول هؤلاء على الأغلبية في الانتخابات، وفي الوقت نفسه هناك الموقف الوطني المدعوم من قوى وطنية وقومية عربية تقول أنه لا شرعية لانتخابات تجري في ظل الاحتلال، ومما يزيد بمتانة هذا الموقف هو الضربات التي توجه للاحتلال وعملائه من قبل المقاومة الوطنية الباسلة لكي تجعل من هذا العام عام التحرير وجلاء كل القوات الأجنبية من العرق و ترك العراق للعراقيين يقررون مصيرهم بأنفسهم.