حروب النماذج الاقتصادية

بقلم الدكتور لويس حبيقة/باحث اقتصادي من لبنان

هنالك نماذج اجتماعية عدة مطبقة في الدول التي تعتمد النظام الاقتصادي الحر. معظم هذه النماذج يدخل في خانتين مختلفتين ومتنافستين، أي المدرسة الأوروبية والأخرى الأميركية. أيهما أفضل من ناحيتي النتائج الاقتصادية والاجتماعية؟ هل هنالك دروس يمكن اقتباسها للدول النامية من التجربتين الغنيتين الطويلتين؟ في المنافسة بين النظامين لا بد من القول أن الخلاف أساسي حول كيفية تنظيم الاقتصاد وطبيعة وهيكلية المؤسسات العامة التي تديره أو تشرف عليه. في السبعينات كان يعتقد أن النظام الأميركي المرتكز على دور أساسي للشركات هو الأفضل من ناحيتي الإنتاجية والتنافسية. جميعنا نذكر كتاب الصحافي السياسي الفرنسي سرفان شريبير حول "التحدي الأميركي" الذي وضع الأضواء على التجربة الأميركية. كان يعتقد أن النموذج الأميركي هو الأفضل وبالتالي النموذج الذي يجب اقتباسه للنجاح الاقتصادي الاجتماعي. ثم تغيرت الأوضاع الدولية في الثمانينات، فأصبح النموذج الياباني هو المفضل وظهرت الدراسات التي ميزت الإدارة اليابانية عن غيرها وجعلتها النموذج الدولي الأفضل من نواحي التنافسية والإنتاجية والاجتماعية أيضا. لا ننسى أيضا كتابي سرفان شريبير والاقتصادي الأميركي ليستير ذورو حول "التحدي الياباني" الذي أدهش العالم بنجاحه وتفوقه. ثم كانت العودة إلى النموذج الأميركي بعد تعثر الاقتصاد الياباني وفشل العديد من المصارف والشركات مما أحدث الخيبة في صفوف المثقفين والباحثين وفي قطاع الأعمال الدولي. جاءت تجربة شركة "نيسان" مؤخرا مع كارلوس غصن لتعيد الوهج إلى التجربة اليابانية المعدلة أوروبيا وخاصة أميركيا مع صرف آلاف العمال تخفيضا للتكلفة. أما اليوم فنتكلم عن النموذج الصيني وبالتالي عودة إلى كتاب الفرنسي بييرفيت الذي نبه إليه منذ عقود والذي يشير إلى لعب الصين دور اقتصادي مستقبلي كبير.

أما أوروبا، فلم تبرز على ساحة الإبداع الدولي إلا منذ سنوات قليلة أي بعد اعتمادها لعملة واحدة وارتفاع سعر صرفها على عكس التوقعات أمام العملات الدولية. فالنموذج الأوروبي أصبح يشغل العالم وبالتالي لا بد من وضعه في مصاف النماذج الكبرى. في كل حال جميع النماذج المختلفة يقع بشكل أو بآخر ضمن مدرستين كبيرتين، أي "الأميركية" المرتكزة بشكل أساسي على حرية السوق و"الأوروبية" التي تعتمد القواعد والعلاقات الاجتماعية كأساس للإنتاج والنمو. يرتكز النموذج الأميركي على حرية كبيرة لعمليات العرض والطلب في كل القطاعات بما فيها أسواق العمل. كما يرتكز على ترابط قوي بين الجامعات وقطاع الأعمال مما يساهم في تمويل البحوث الأكاديمية وفي اعتماد نتائجها التجديدية والإبداعية في الإنتاج. أما أوروبا فتعطي دورا أكبر للتجمعات والنقابات والمؤسسات والعقود الجماعية، أي ضمانات اجتماعية أكبر وأعمق للعمال. هنالك أيضا رقابة أقوى على قطاع الأعمال أي قيود كمية ونوعية أكثر من أميركا على العرض. كما تساهم الدولة أكثر بكثير من قطاع الأعمال في تمويل البحوث الأكاديمية، وبالتالي تصبح العلاقة بين الجامعات والأعمال ضعيفة بالاتجاهين. لكل من النظامين ميزاته الفريدة، أي حسناته ونواقصه وبالتالي إن الاختيار بينهما يعتمد على وجهات النظر الشخصية أكثر من الشروط الموضوعية العامة.

في السبعينات، كان العامل الأميركي يعمل معدل 1150 ساعة في السنة مقابل 1250 للأوروبي. في الثمانينات انقلبت العلاقة لتصبح 1200 ساعة عمل سنوية للأميركي و1150 للأوروبي. أما في بداية هذا القرن، أصبحت الفوارق أكبر، إذ زادت ساعات العمل في أميركا (1300 ساعة) ونقصت في أوروبا (1050 ساعة). تتميز أميركا بسهولة التوظيف والطرد مما يخلق حيوية كبيرة في أسواق العمل يمكن أن تكون مكلفة للعمال أو للعامل الواحد. فأي نموذج أفضل أو يسلك الطريق الصحيح؟ وحدها النتائج الرقمية تجيب على هذه المقارنة الصعبة. فرنسا تراجع اليوم عدد ساعات العمل لديها التي خفضها الاشتراكيون منذ سنوات لاستيعاب العاطلين عن العمل. أثر هذا التخفيض المكلف اقتصاديا وماليا سلبا على الإنتاجية. نسب البطالة متقاربة بين أوروبا ال 15 والولايات المتحدة بفضل انفتاح الأسواق أكثر داخل أوروبا مع عملتها الواحدة. اذا قارنا بعض المؤشرات الأساسية بين سنتي 1980 و2002 يتبين لنا أن نسبة الناتج الفردي الأوروبي من الأميركي زادت من 68% إلى 71%، أي تبقى أقل في أوروبا لكنها تتحسن نسبة لأميركا. أما نسبة ساعات العمل الفردية بين الاقتصادين، فنقصت من 96% في سنة 1980 إلى 80% في سنة 2002. هنالك مؤشر مهم جدا وهو الإنتاجية، أي زادت انتاجية العامل الأوروبي نسبة للأميركي في الفترة نفسها من 71% إلى 89%. لكن الإنتاجية الأميركية ارتفعت سنويا مؤخرا بنسبة 1,9% مقارنة بـ 1,3% لأوروبا، مما يدل على أن الفارق سيتسع قريبا لصالح أميركا. أما العدالة الاجتماعية، إذا ما قيست بفارق الدخل بين الطبقات، فيتبين أن أوروبا متوازنة أكثر أي أن الفروقات أضيق بين الأغنياء والفقراء.

في المؤشرات وللمقارنة المفصلة بين خصائص النموذجين في مواضيع عدة، نرى أن الحرية الاقتصادية هي أكبر في أميركا (90 مقابل 82)، في حماية العمل أو الوظائف (0,7 في أميركا مقابل 2,4)، في معدل الضرائب نسبة للناتج (29 في أميركا مقابل 42 في أوروبا)، في قوة النقابات (13 في أميركا مقابل 43)، في انتشار العقود الجماعية (15 في أميركا مقابل 77 في أوروبا)، في عدد الأيام الضرورية لتأسيس شركة جديدة (7 في أميركا مقابل 64) وفي الإجراءات الموضوعة على حرية أسواق السلع (100 في أميركا و 161 في أوروبا). هنالك فروقات كبيرة فيما بين الدول الأوروبية بسبب الثقافة والتاريخ والاجتماع والقانون. مثلا في عدد الأيام الضرورية لتأسيس شركة، نرى أنها تتوزع بين 11 في بريطانيا، 17 في السويد، 42 في بلجيكا، 83 في إسبانيا، 90 في ألمانيا و154 في النمسا. تقترب بريطانيا من النموذج الأميركي أكثر بكثير من غيرها. في مؤشر الرقابة على الأسواق، تتوزع الأرقام فيما بين 60 في بريطانيا و170 في السويد و240 في بلجيكا و210 في إسبانيا و140 في ألمانيا و210 في النمسا. تشير الأرقام إلى حاجة النمسا إلى تجديد قوانينها ومؤسساتها وهذا ما تعمل عليه اليوم. أما في نسبة الضريبة من الناتج المحلي الإجمالي، فتصل إلى 38 في بريطانيا، 53 في السويد، 46 في بلجيكا، 35 في إسبانيا، 38 في ألمانيا و43 في النمسا. تؤكد جميع هذه الأرقام على صعوبة التكلم اليوم عن نموذج أوروبي واحد، إلا أن الوقائع الحديثة تشير إلى تقارب المؤشرات بين الدول الأوروبية مع الوقت.

هنالك حروب بين النموذجين تشتعل وتنطفئ بين حين وآخر. النموذج الأميركي بحاجة إلى قلب أكبر أي إلى عدالة اجتماعية أفضل. هنالك حوالي 40 مليون أميركي لا ينعمون بأية ضمانات صحية وبالتالي معرضون للتشرد في أية لحظة. أما مؤسسة الضمان الاجتماعي فهي في حالة مالية صعبة ويحاول الرئيس بوش في بداية عهده الثاني خصخصتها دون إلحاق الضرر بالأعضاء. تكلفة الضمان الصحي الخاص مرتفعة ولا تقع ضمن إمكانيات المواطن الأميركي العادي. أما النموذج الأوروبي، فيحتاج إلى فاعلية وإنتاجية أعلى كي يتعزز وضعه مع الوقت. تظهر دراسات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن بعض التحرير في أسواق العمل والسلع الأوروبية يفيد الاقتصاد (يرفع النمو بنسبة 5% ويخفض البطالة 3%). تحرير أسواق العمل يساهم في زيادة فعالية السياسة النقدية، إذ يتجاوب الاقتصاد عندها أكثر في نموه وتضخمه مع أية تعديلات في الفوائد. لكل من النموذجين الكبيرين حسناته وسيئاته. ليس من الضروري اختيار أحدهما إذ يمكن تصميم نموذج يقع بينهما، فليست هنالك وصفة سحرية للنموذج الأفضل. لكل مجتمع خصائصه، وبالتالي عليه اعتماد النموذج الأنسب له.