الشرعية الوطنية أم الشرعية الديمقراطية؟!

الدكتور غالب الفريجات/الأردن

هناك تضارب في الفهم بين الشرعية الوطنية والشرعية الديمقراطية، فالذين يدعون إلى التحرير من قوى البغي والعدوان ويؤجلون البحث في الحق الشرعي للديمقراطية ينحازون الى الوطن وحرية المواطنين، ولا يقعون في حطب الوهم الذي يتخيل بإقامة الديمقراطية في ظل حراب الغزو والعدوان، لان الذين يتحدثون عن الانتخابات كأداة من الأدوات الديمقراطية في ظل الاحتلال يعلمون أو لا يعلمون بأنهم يقامرون بالوطن والمواطن معا، فالنتائج التي تتمخض عنها صناديق الاقتراع ما هي الا سلطة عرجاء لا تحسن السير في الطريق الصحيح لا في اتجاه تحرير الوطن ولا في تحقيق اية مكاسب للمواطن، ولنا في انتخابات افغانستان وفلسطين المحتلة امثلة واضحة، فما هي حدود السلطة في هذين القطرين خارج ارادة الاحتلال ؟، الكل يعرف الاجابة مما يجري على الأرض في أي من هذين البلدين.

في العراق، فان الذين وقفوا الى جانب الاحتلال وجاءوا على ظهر دبابات الغزو هم المتحمسون للعملية الانتخابية لأنهم يريدون شرعنة اغتصابهم للسلطة، وشرعنة فسادهم ونهبهم لثروة الوطن على الرغم انهم يعيشون على فتات موائد السيد الامريكي الامر الناهي على ارض الرافدين، وهؤلاء يحاولون بالكذب الذي دأبت عليه سيدتهم ان مطالبة الاحتلال بالرحيل سوف تأتي بعد الانتخابات وبالوسائل والطرق السلمية، وكأن الاحتلال جاء لسواد عيونهم وسيرحل للكحل الذي يكحلون به هذه العيون العمياء عن مشاهدة الحقيقة، وفهم طبيعة الصراعات وشهوة امبراطوريات الغزو والاحتلال في استعباد الشعوب ونهب خيراتها.

هؤلاء العملاء لا يهمهم ولا يثير فيهم ما يجري على ارض الوطن من قتل وتدمير ونهب، لان الوطن بقرة حلوب سيهربون منه عندما يجف ضرعه، والمواطن لا يقرر مصيرهم في اعتقادهم الواهم، لأنهم يتكئون على دبابات الاحتلال ومدافعه وطيرانه، ولهذا ان مصيرهم مرتبط بمصير الاحتلال، وقد يشكلون عبئا على هذا الاحتلال، وليس هناك أي غرابة اذا ما سارع الاحتلال للتخلص من هذا العبء الذي يثقل كاهله، خاصة اذا شعر ان هؤلاء لا في العير ولا في النفير، وما يضير السيد ان يضرب العبد على قفاه ويطرده من الخدمة، بعد ان ادى الدور المطلوب منه، اما الذين يقاومون الاحتلال ووقفوا في خندق الوطن منذ اللحظة الاولى للعدوان فان قضيتهم تنحصر في تحرير الوطن من الغزاة، اما اسلوب الحكم والديمقراطية فهي تالية لمرحلة التحرير يتفق بشأنها كل الاطراف الذين ساهموا في التحرير، ولانهم قد حددوا اهدافهم ومسارهم فهم اكثر ثباتا واكثر جسارة، اكثر ثباتا لان هدفهم لا يتزعزع ولا يأت على تغييره او تبديله اي ظرف طارئ، ولا يتحقق الا بزوال الاحتلال ورحيل اخر جندي من جنوده، واكثر جسارة لانه يتأبط السلاح الناري الى جانب سلاح الحق، فمن يملك الجرأة في توجيه نيران اسلحته باتجاه الطرف الغازي لا شك هو يملك الشجاعة والجسارة، ومن يتسلح بالحق، حق الوطن في الدفاع عن حريته وكرامته هو بدون شك من يقطف ثمار النصر، وبعكس النفر الطالح السابق الذي ربط مصيره بالاحتلال، فأن هذا النفر الصالح قد ربط مصيره بالارض والانسان على هذه الارض، بالوطن والمواطنين.

صناديق الاقتراع في ظل التحرير من الغزو هي العوبة المحتل لإطالة أمد احتلاله، وحتى يمكن اتباعه بالاساليب الانتخابية المخادعة من الاستمرار في خدمته وتقديم ما يلزم من احتياجات لهذه الخدمة، ولهذا نجد الصراع بين طرفين متناقضين طرف يسعى للتحرير ولا حرية للوطن والمواطنين في ظل المحتل، وطرف يمالئ المحتل ويسعى جاهدا للعمل في خدمة الاحتلال ويسعى لتبرير اغتصابه للسلطة في ظل الاحتلال من خلال صناديق الاقتراع المزيفة.

شرعية التحرير هي الشرعية التي تسبق أي شرعية، لأن لا ديمقراطية في ظل احتلال، ولا حرية في ظل احتلال، وشرعية التحرير تملك السند القانوني الارضي والسماوي، في حين ان شرعية الديمقراطية في ظل الاحتلال هي خيانة وطن بالتواطؤ مع المحتل والغازي، ومن غير المعقول ان يكون هذا النفر الذي يدعي تمثيل الوطن من خلال انتخابات في ظل حراب المحتل يملك من الجرأة في وجه المحتل لمطالبته بالرحيل لأنه يطالب نفسه بالرحيل، اذ لا سند شرعي ولا قانوني ان يملك السلطة من خلال حراب الاحتلال.

كل العالم بقوانينه قد رفضت الاعتراف باجراءات المحتل على الارض خلال الاحتلال، مما يعني ان العالم في قوانينه يرفض افرازات هذه الانتخابات التي يزمع قيامها في ظل الاحتلال، لأن أي حكومة يفرزها الاحتلال لا تملك شرعية التمثيل، ولا مناص أمام العالم إلا الاعتراف بشرعية المقاومة ممثلة لشرعية التحرير في مواجهة رفضه للاحتلال وافرازاته.

ان المتحمسين لانتخابات مزيفة في ظل العدو الغازي ان يمعنوا جيدا في نوعية الديمقراطية التي أفرزت كرزاي افغانستان، فماذا يملك هذا الكرزاي من أمره وامر السلطة التي يتقلدها، وماذا يملك اتباع السيستاني والحكيم والجعفري والجلبي من أمرهم في ظل الاحتلال على الرغم انهم لا يملكون من آمرهم شيء حتى بدون الاحتلال وفاقد الشيء لا يعطيه، فهؤلاء الذين فقدوا الإحساس بكرامة الوطن وحرية المواطنين، كيف يمكن ان يحققوا للوطن كرامة وللمواطنين حرية اذا كانت صناديق الاقتراع قد تلفظت بأسمائهم، لا بديل عن طريق التحرير ولا بديل عن الشرعية الوطنية، لأن الوطن عندما يتحرر من الاحتلال يملك الحرية في الاختيار ويملك القدرة في صناعة القيادات التي يريد، ممن لم تدنس أياديهم ولم تلوث ضمائرهم مع أعداء الوطن، وممن يقفون في الخندق المعادي لقوى الغزو والعدوان، خندق الوطن وحريته، ولكن الوطن عندما يفقد طريق التحرير ولا يحدد معالم الشرعية الوطنية، ويسعى اتباعه إلى اللهث من اجل مكاسب على حسابه ولصالح أعدائه، فهو سيعيش في ظل حراب الاحتلال وتحت هيمنة عبيد هذا الاحتلال، وهو أسوأ ما يمكن أن يصل اليه عقل من يدعي التمثيل لهذا الوطن لأن الوبال الذي يأتي به سينتهي بتدمير وطن وإذلال مواطنين، ولا نخال أن العراق العظيم وشعبه يريدان ذلك، فهم من أكدت طلائعه المقاتلة على أنه سيحقق الشرعية الوطنية ولا يلتفت لكل محاولات التهجين من كل المهجنين في الشرق والغرب.