البعث وأم المعارك الخالدة
فالح حسن شمخي/ مالمو – السويد
"إن القائد الجيد الذي يخرج من بين الصفوف ليتقدمها هو ليس ذلك الذي تتوفر له مستلزمات القيادة من خارجه، وإنما هو الذي يخلق مستلزمات القيادة في داخله، إن هذا هو الأساس القوي لكل شروط القيادة، ومن غيره ليس لأحد أن يدعي القيادة، وأن الأساس هو الإيمان في القضية والنصر فيها، وأن يكون الإيمان إيمانا مطلقا في كل الظروف والأحوال، وأن لا يصل أي جزر من حوله إلى داخل نفسه المؤمن في كل ظروف المد والجزر" "صدام حسين"
لم يبدأ العدوان على العراق العظيم وشعبه المجاهد في أم المعارك الخالدة مثلما يتصور البعض ، إنما هي حلقة من سلسة من الحلقات التآمرية المستمر على العراق وعلى حزب البعث العربي الاشتراكي منذ قيام ثورة 17 - 30 تموز المجيدة "الثورة البيضاء" التي ضربت المصالح الغربية بدءا بتأميم النفط، وبالمقابل فأن القيادة في العراق كانت تواجه هذه الحلقات التآمرية بتدابير وحسابات تذهل الأعداء وتردهم خائبين في كل مرة، وكان للمجاهد الأسير الأمين العام للحزب (فك الله أسره) الدور البارز والمتميز في كل هذه التدابير، والكلمة المشار إليها أعلاه هي مقطع من البيان الذي وجهه القائد إلى البعثيين بتاريخ 30/1/1991 والذي كان عبارة عن وثيقة تضع للبعثي الشروط التي ترتبط بـ "الإيمان المطلق"، في كل الظروف، فليست القيادة سلوكا موسميا ولا هي تبرز في ظروف المد، لتختفي أو تضمحل في الظرف الصعب، بل العكس هو الصحيح، وهو المبدئي، وهو القانون الثابت، إن المجاهد إذا قرر الجهاد وبإرادته الحرة المستندة إلى انتماءه الصميمي إلى المباديء التي آمن بها واعتنقها، لا يشترط إمكانات كإمكانات عدوه، ولا تسهيلات أو أسلحة كتسهيلات وأسلحة عدوه، وإنما اعتماده الأساس على الله، والإيمان الذي يحمله في صدره، وأن يجعل كلام الله سبحانه حاديه له والأساس في مسعاه وجهاده حينما يقول جل جلاله ((وكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله))، وأن تكون المقارنة غير تقليدية إن كانت تعتمد القانون الإلهي القائل ((وأعدوا لهم ما استطعتهم من قوة)).
كان على كوادر وأعضاء الحزب أن يواجهوا العدو في أم المعارك الخالدة كقادة لتأصيل مبادئهم التي آمنوا بها، بعد أن واجهت هذه المباديء الهجمة المباشرة لأكثر من ثلاثين دولة بقيادة رأس الشر العالمي أمريكا، وعليهم أن يخوضوا المواجهة وهم يقودون الشعب على هذا الأساس حتى تحقيق النصر وكما يقول القائد في الخطاب الذي وجهه إلى البعثيين أيام أم المعارك "وليكن دليلنا الروحي هو تراثنا العظيم في رسالة الإسلام ونماذجه وظروف الجهاد الصعب فيه ضد الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، ودليلنا في حاضرنا الملموس هو تراث حزبنا العظيم الذي أصبح اليوم ليس حزب الجماهير المؤمنة بمبادئه فحسب، وإنما، وعلى ما هو عليه إيمان وصبر وتضحية وجهاد، قد أصبح بحق حزب الله الواحد الأحد". إن منازلة أم المعارك الخالدة تعد الأولى من نوعها في العالم كله إذ لم يحدث أن تعرضت دولة واحدة بمفردها لعدوان أكثر من ثلاثين دولة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية مستخدمة احدث الأسلحة وبتقنيات متطورة وبحشد بشري قارب المليون.
إن الحديث عن أعضاء وكوادر الحزب أيام أم المعارك يتفرع إلى أمرين ، الأول هو التنظيم العسكري ودوره في المواجهة المباشرة بقيادة الجيش العراقي الباسل وما حقق أيام المنازلة من بطولات تسجل له في سفره الخالد ومن أبرزها قيامه بعدة عمليات تعرضية على قوات التحالف المعادي في أكثر من قاطع لجر العدو إلى معركة برية سريعة وإيقاع أكبر ما يمكن من الخسائر به، إن أهم هذه المعارك هي معركة الخفجي داخل العمق السعودي في 29 كانون الثاني 1991، والعملية التي تمت على محور النخيب - عرعر قبل يوم من معركة الخفجي وبعد انسحاب قطعاتنا من أرض كاظمة اشتبكت قطعات التحالف المعادي مع قوات الحرس الجمهوري البطلة وتكبدت خسائر جادة وخشية من التورط في معارك المدن، اضطر العدو إلى إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في 28 شباط ليبدأ صفحة الخيانة والغدر التي أثبت فيها جيشنا العقائدي البعثي الباسل قدرته على الدفاع عن وحدة العراق ومصالحه الوطنية، أما الأمر الثاني فهو دور تنظيمات الحزب المدنية واسهامها في الحفاظ على الأمن الداخلي و في إيصال المواد الغذائية للمواطنين، لكي لا تحصل شحة، وارتباك في تنظيم إيصال المواد للمواطنين وفق البطاقة التموينية، بعد أن غادر بغداد وغيرها من المدن العراقية عدد كبير من وكلاء التوزيع بسبب الحرب، وأغلقوا محالهم "إن ذلك ليس بالأمر الهين فالحزب قام على رعاية مصالح المواطنين وتوفير مستلزماتهم الضرورية طيلة أيام الحرب".
إن أم المعارك الخالدة كشفت ضعف القوة الخرافية للسلاح والمال برغم شراستها وهشاشة الإعلام المضلل مهما كان حجمه وسعة انتشاره، تجاه قوة الإيمان الصادق المسلح بالقيم والمباديء الشريفة، ففشل العدوان الذي ساندته 47 دولة وشاركت فيه عسكريا أو بجهد غير مباشر 37 دولة في تحقيق أهدافه، وسلم العراق على الرغم من الجراح التي أصابته، وجاءت حلقة الحصار الجائر والذي كان من نتائجه استشهاد أكثر من مليون ونصف المليون عراقي معظمهم من الأطفال، لكن ذلك ساهم في خلق أجيال من العراقيين البعثيين وغير البعثيين الأشداء ذوي الشكيمة والعزم والقدرات الاستثنائية على التحمل والصبر، أجيال مجاهدة لتكون خزين العراق الاستراتيجي في مواجهة المغول الجدد في حلقتهم التآمرية الجديدة والتي أطلق عليها أبو الشهداء "معركة الحواسم".
إن معركة الحواسم هي امتداد لمنازلة أم المعارك، فالعدو وبغباء اعتقد أن الحصار الظالم سيساعده في إكمال مخططاته العدوانية والتي هدفت إلى غزو العراق واحتلال منابع النفط فيه وتوفير الأمن للكيان الصهيوني المغتصب لفلسطيننا العربية والذي يعتقد توراتيا بأن نهايته على يد أبناء العراق، فجاء إلى العراق هذه المرة بلا غطاء أممي كما كان في أم المعارك وبحجج واهية سقطت مع الأيام لأنه عنجهي، وعنجهية القوة والتطرف الديني الذي امتازت به حكومة البيت الأسود تعمي عن مشاهدة الحقيقة التي عرفها بوش الأب الذي تجنب دخول المدن وبالتالي الوقع في الفخ العراقي، فإن بوش الابن الغبي والمتطرفين المحيطين به وبالاعتماد على الثعالب الصغيرة من الخونة والعملاء والدول المجاورة للعراق وعلى رأسها ايران، استدرجوا بسهولة ليواجهوا تدبير القيادة العراقية وتحسبها واستعدادها للمواجهة والتي انتظرت تمدد الأفعى كما قال الرفيق الصحاف ليقطعها رجال الحرس الجمهوري وفدائيو صدام والأمن الخاص والأمن القومي بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي المقاوم وليس الحاكم، مستلهما بذلك فكر القائد وعاملا بتوجيهاته، وبمؤازرة أبناء الشعب العراقي من قوى قومية وإسلامية ومستقلة، فتم للبعث ما أراد وخطط وسينتصر العراق بقيادة البعث بقوة واقتدار وسط واقع عربي يتسم بالضعف والتردي أمام راعي البقر الأمريكي ومن ورائه الصهيونية العالمية، وسينهض أمام أمة ترنو إلى دوره القومي الفعال من جديد وسينهض ليخلق عصر البطولة والجهاد الذي بشر به القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق.
الله اكبر الله اكبر وليخسأ الخاسئون
يا محلى النصر بعون الله