التفسير الانثروبولوجي للعداوة بين الأحزاب القومية
((حزب البعث والناصري أنموذجاً))
د. عز الدين دياب/دكتوراة دولة في الأنثروبولوجيا السياسية - باحث ومحاضر في جامعة دمشق
يواجه الفكر القومي معضلات مفهومية تخص البناء الاجتماعي العربي، وما فيه من أحداث ووقائع ومشكلات بنائية، متنوعة متعدِّدة في مضامينها وأسبابها الاجتماعية. وليس من المبالغة في شيء القول إنَّ الفكر القومي منذ نشأته الحديثة، وحتى هذه اللحظة ظل مهموماً بتنظير القضايا العربية الكبيرة التي جسدتها أهدافه في الحرية والوحدة والاشتراكية. وأزعم بقدر عال من اليقين أنه لم يتعامل التعامل الكافي مع الظواهر البنائية غير السليمة أو تلك التي لم تستوف شروطها في مستوياتها الوطنية والقومية. وكما هي بين الناس في حياتهم اليومية. وفي نحل المعاش على وجه التحديد، على حد قول العلامة العربي ابن خلدون. بمعنى أنه لم يلتفت كثيراً الى الظاهرة البنائية التي تفعل فعلها في إثارة العداوة والكره والانشقاق والانقسام داخل المجتمع، فتزيده انشقاقاً وعداءً كما أنه لم يُوَظِّف العلم الاجتماعي والانثروبولوجيا في دراسة وتحليل وتفسير هذه الظواهر وفعلها في الحياة العربية على ضوء حقائقها، مثل ظاهرة الجهوية والقَبَليَّة والشطارة. والنزعة القطرية، في سياق نزعة الالتحام والانقسام وامتداداتها داخل الأسرة والعائلة والقرية والقبيلة، والحي والمدينة. وأيضاً داخل البنى التنظيمية الحزبية. وظاهرة الاستزلام في بعديها الاجتماعي والسياسي، والنفاق بكل مضامينه وأشكاله وألوانه السياسية والاجتماعية. وظاهرة الاتباع والمريدين. وظاهرة العداوة وأسبابها وتجلياتها، وما يتمخض عنها من كره وعداوة سياسية واجتماعية، وإشاعة الغش بكل مضامينه. ثم ظاهرة الاستبداد التي تبدأ في الأسرة وتمر بالعائلة والعشيرة والقبيلة وتصل إلى الأحزاب وتنتهي بها. وظاهرة التغير الثقافي بحيث تعرف ما تخلت عنه الثقافة وما اكتسبت وفعل قيم الماضي وأعرافه على سلوك الفرد والجماعة والمجتمع. وما تأمر به وتنهي عنه. ثم مستوى الوحدة والاختلاف والتناقض بين القديم والجديد، وآثاره على ظاهرة الازدواج الثقافي على حد تعبير الدكتور على الوردي (1). وظاهرة الزعار والشطار وتجلياتها في سلوك الناس السياسي، وخاصة داخل الأحزاب السياسية القومية منها والدينية والشعوبية، وظاهرة الوجيه في القرية والحي، وما لها من محددات ثقافية واجتماعية، وحضورها في شخصية السياسي والعسكري ورجل الفكر. ثم ما بين سلوك الوجيه والسياسي من وحدة وتناقض وافتراق. وما إذا كان الوجيه داخل إطار محدداته الثقافية العائلية - الأهلية، هو الذي يقود السياسي ويجعله على صورته في سلوكه الاجتماعي والسياسي أم العكس هو الصحيح؟
ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إنَّ تجاهل تلك الظواهر شكلت معلماً واضحاً من معالم الفكر القومي، مع أن هناك دراسات أكاديمية سوسيو - انثروبولوجية عن تلك الظواهر، كان بإمكان الأحزاب العربية الاستفادة منها وقراءتها قراءة قومية، من أجل معرفة ما هو مشترك بينها وما هو متنوع. وأيضاً معرفة أسبابه، على ضوء ما تسميه الانثروبولوجيا السياسية "الخصوصية الوطنية" التي تضفي على هذه الظواهر قسماتها الثقافية وفلكلورها الشعبي. علماً أنَّ الخصوصية الوطنية لا تتنافى أو تتعارض مع بعدها القومي لأنَّ الوطنية في تاريخ الأمة العربية وكما يراها الفكر القومي، هي القومية، والقومية هي الوطنية.
ظاهرة العداوة والتفسير الانثروبولوجي - وجهة نظر
تحيلنا لأفكار السابقة، ووجهاً لوجه إلى دراسة ظاهرة العداوة في الأحزاب القومية. لما لها من آثار سلبية مُدَمِّرة في الحياة العربية، وخاصة على وحدة النضال العربي الذي يشكل لازمة للتقدم واستكمال التحرر من التدخل الخارجي، الذي وصل إلي حد الاحتلال، وعودة القواعد العسكرية الإمبريالية. وكذلك الدور المهيمن للكيان الصهيوني في السياسية الدولية. وتأثير ذلك على القضية الفلسطينية بوصفها أم القضايا العربية الراهنة.
ويأتي التنويه ليعلن بادئ ذي بدء أنَّ هذه الدراسة ستعتمد على دراسة رائدة في المنهج وفي القدرة المنهجية على تعيين ظاهرة خطرة في الحياة العربية، وهي الدراسة التي قام بها الدكتور سيد عويس لظاهرة العداوة (2). وقصد هذا الإعلان أو الإشارة والتنويه أن يسجل التزام الدراسة بالأمانة الفكرية حيث إنَّ أفكار الدكتور عويس ستكون ماثلة على نحو أو آخر في كل مفاصل الدراسة. وإن كانت ستفترق عنها باعتمادها الاتجاه الانثروبولوجي الوظيفي. الذي تعتبره الأقدر على فهم ظاهرة "العداوة". لأنها بعرفه ظاهرة ثقافية بنائية يقوم الاتجاه الوظيفي بالتعامل معها على أساس فكرتي "البناء" و"الوظيفة" اعتماداً على قاعدة منهجية انثروبولوجية ترى: (3) ((... أن سمات الثقافة أيا كانت بدائية أم حضرية ليست من الأجزاء المبعثرة. وإنما تقوم مكونات الثقافة بإسنادها إلى وحدة من العناصر الثقافية المتكاملة، التي تتجمع في كل "متكامل" لا تناثر في عناصره أو تباعـد في سماته، بالنــظرة إلى الـثقافة كوحـدة عضوية "Organs Unit" يرتبط كل عنصر فيها بسائر العناصر والأجزاء الأخرى)).
غير أنَّ الاتجاه الوظيفي لا بد أن يتضافر مع المنهج الأنثروبولوجي التحليلي الذي يبدأ مهمته التحليلية من خلال قاعدة قومية تقول: إنَّ ظاهرة العداوة ظاهرة ثقافية بنائية موجودة في كل الأقطار العربية، ومستندة إلى تراث ثقافي فيه من قسمات المجتمع الأهلي ما فيه من قيم وأعراف وتقاليد وسنن الضبط الاجتماعي.التي تحسب على المجتمعات الأهلية التي لم تتخذ ما يلزم من تحولات جذرية قاعدية أو تحتية حتى تتحول إلى مجتمعات مدنية.
وبما أنَّ ظاهرة العداوة موجودة في الأقطار العربية فإنَّ لها تلاوينها ومحدداتها الثقافية التي تٌلَوِّنها بألوان محلية - جهوية وإقليمية وطبقية. ومع ذلك فإنّ ملاحظة الفعل الداخلي لها ملاحظة مباشرة تفيدك بأنَّ ما بين هذه الألوان مستويات من التداخل والتأثير المتبادل، يجعلك ترى أن هناك الكثير من التوافقات والمشتركات بين الأقطار العربية في فعل العداوة، أي وظائفها داخل المجتمع العربي.
وهذا معناه في الانثروبولوجيا الثقافية أن هناك وحدة ثقافية عربية ودلالتها واضحة في الثقافة المادية والروحية والاجتماعية والأخلاقية الموجودة في كل الأقطار العربية، وتظهر على نحو أو آخر في العداوة، حيث تتحول إلى سلوك اجتماعي فردي أو مجتمعي عدائي أو عدواني.
وتؤشر الأفكار السابقة على أن وحدة الثقافة العربية جاءت نتيجة الاتصال أو التواصل الثقافي القائم بين الأقطار العربية بقوة الجغرافيا، وقوة الدين الإسلامي، وقوة العروبة. ويظهر الشكل الآتي الاتصال الثقافي بين أجزاء الوطن العربي.

الدوائر تؤشر إلى أجزاء الوطن العربي وإلى ما بينها من تواصل واتصال
وإذا لاحظنا الشكل أعلاه وحللناه نصل إلى الحقائق الآتية:
- يمتلك الوطن العربي جملة من المؤشرات المادية والروحية والأخلاقية تؤكد عمق تواصله واتصاله الثقافي ودوره أو وظيفته في وحدته الثقافية، وما فيها من تناغم وطني وقومي.
- إنَّ وحدة الثقافة العربية لا تنفي على الإطلاق وجود التنوع الثقافي المحلي أو الجهوي والوطني داخل كل قطر، شأنها في ذلك شأن كل ثقافات الأمم، فالتنوع في كل حالاته السليمة حالة صحية تشكل عامل إغناء للثقافة أينما كانت.
- إنَّ تأسيس الكيان الاستيطاني الصهيوني في فلسطين العربية تم من أجل قطع الاتصال والتواصل الجغرافي والثقافي بين الأقطار العربية. غير أنه لم يحقق غاياته وأهدافه بفعل قوة حقائق الوحدة الثقافية العربية.
- إن عمليات التخلي والاكتساب التي تشكل قانوناً من قوانين الثقافة تقود الثقافة إلى التغير والتطور حيث تتخلى الثقافة عن عناصر ثقافية قديمة، وتكتسب في الوقت نفسه عناصر ثقافية جديدة. وهذه العمليـات مـن وجهة نظـر أنثروبولوجية ثقافية لم تؤد إلى وجود "هوات ثقافية" بين الأقطار العربية، وذلك لأنَّ اختلاف مستويات التطور التي مرَّت بها الأقطار العربية لم تتباين أو تتفاوت إلى الحد الذي يمكن فيه أن تحدث "قطيعة ثقافية" جزئية أو كلية.
والتحليل الأنثروبولوجي له رأيه في الظاهرة الثقافية، أيا كان شأنها أو موقعها ومضمونها، وهو أن لها ثلاثة أزمنة: ماضي وحاضر ومستقبل. وثمة مستويات من الاعتماد الوظيفي المتبادل بين هذه الأزمنة، الأمر الذي يجعل السمات الثقافية سواء كانت تنتمي إلى الماضي أو الحاضر، تتعايش داخل العنصر الثقافي المركب، الذي بانتقاله إلى المستقبل يضيف سمة ثقافية مستقبلية.
فإذا طبقنا مسألة الأزمنة الثلاثة على ظاهرة العداوة، فنجد فيها من ثقافة الماضي والحاضر. وفيها أيضاً من ثقافة المستقبل الآتي الذي يتحول بفعل صيرورته إلى حاضر، ثم إلى ماضي.
ونقصد بتداخل الأزمنة داخل ظاهرة العداوة إنَّ محركاتها الثقافية أو ما يطلق عليه التحليل الانثروبولوجي المحددات الثقافية – الاجتماعية للعداوة لا تحدث فقط بفعل عنصر ثقافي له صفة الحاضر على الإطلاق، وإنما تتداخل فيه عناصر من الماضي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإذا حللنا حالة مشاجرة جرت في الشارع بين (س) من حزب (ص) و(ش) من حزب (ض) على ضوء الأذى أو الضرب، أو الانتقام، أو الثأر الذي تم خلال المشاجرة، فإننا نلاحظ أنَّ هناك عناصر ثقافية من الماضي جعلت الشجار يبلغ أشده، ونفترض أن سبب الشجار في لحظة وقوعه لا يؤدي على الإطلاق إلى حدوث الأذى إلى هذا الحد.
وتتجاوز الدراسة التحليل النفسي لأنه ليس مجالها (4)، وتؤكد أن هناك عناصر ثقافية من الماضي تملك قوة الحضور في الحاضر وممارسة دورها في العداوة على شكل سلوك اجتماعي. داخل شخصية الفرد والجماعة والمجتمع.
أهداف الدراسة:
تتمركز غايات الدراسة حول قضايا عربية ذات أهمية في الحياة العربية، أبرزها الآن وأكثرها إلحاحا من وجهة نظرها، هي لفت انتباه أهل الفكر القومي، أقصد كتابـه واستراتيجييـه، إلى ضرورة قراءة الـواقع العربي قـراءة منهجيـة، تجمع بين الجانـب النظري والتطبيقي القائم على الدراسات الحقلية المستمرة، ثم مراجعة هذه القراءة من وقت إلى آخر لمعرفة ما يستجد في العلم السوسيو-انثروبولوجي، وما يضيف من اتجاهات، واعتماد ذلك في تحليل البنى الاجتماعية وتفسيرها، وحلها في إطار الممكن والمعقول.
إن انسجام الدراسة مع نفسها يأتي من خلال وقوفها المتأني أمام ظاهرة اجتماعية ثقافية موجودة في كل الأقطار العربية وهي ((العداوة)) ويوصفها علم الإنسان على أنها ظاهرة سلوكية غير سوية وخطرة في بعض الأحيان. كما أن تحولها إلى سلوك في الحياة الاجتماعية اليومية- (الشجار - الضرب- الشتائم – الاتهامات- القذف – القتل أو الاغتيال – الأذى- التهديد والوعيد الخ....) يؤدي إلى حدوث انقسامات في البناء الاجتماعي. تبدأ في أصغر وحدة بنائية. وقد تصل في بعض الأحيان إلى وحدات أكبر مثل الأبنية المحلية أو الجهوية أو الوطنية والمتمثلة بالاقتتال الطائفي أو الاثني أو السياسي.
وستنتقي الدراسة، قاصدة ذلك، ظاهرة العداوة السياسية. وتبرر هذا الانتقاء لما تحمله هذه في تركيبها من عناصر بنائية انقسامية أو انشقاقية، مثل المشاحنات بين الأحزاب العربية وما يتداخل فيها من قدح وزم وحملات إعلامية وشجار أثناء المظاهرات.....الخ.
إنَّ المقصود بالعداوة السياسية ذلك السلوك السياسي الاجتماعـي المصحوب بالكره وعدم الرضى والانتقام، والإحساس بعدم المساواة واللجوء للثأر واستخدام القـوة والأذى النفسي والاجتماعي والمادي. وأيضا السلوك السياسي غير السوي الذي يقوم أو يقع بين الأحزاب السياسية، أو بين الأحزاب والدولة.
وتتفاوت العداوة في مردودها وفعلها العدواني باختلاف وتنوع الثقافة السياسية بما تحمله من قيم وأعراف ومصطلحات أو مفردات سياسية. وتختلف أيضاً باختلاف مبدأ القـوة واستعمالاته. سواء كانت قوة الدولة، أو قوة المعارضة، وآلياتها المستخدمة في المجال السياسي.
وبما أنّ العداوة السياسية محكومة إلى سياستين: الثقافة السياسية، والسياسية الثقافية، فإنّها، على سبيل المثال، تختلف من مجتمع إلى آخر باختلاف أسلوب الحكم وانتقال السلطة، وحرية القول. والتعددية السياسية، والانتخابات باعتبارها صاحبة القرار في انتقال السلطة من حزب إلى حزب. أو من قوة اجتماعية إلى قوة اجتماعية أخرى، وباختلاف التسييس الثقافي الذي تقوم به الأحزاب الحاكمة.
وتعود الدراسة إلى القول معلنة إنها ستقصد بالدراسة والتحليل والتفسير الأنثروبولوجي "العداوة السياسية" القائمة بقوة الفرض أو الواقع أو المتخيل بين حزب البعث العربي الاشتراكي أو أحد اتجاهاته، وبين أحد الأحزاب الناصرية بما تحمله من تسميات (5). وسيكون هذا الاختيار أو التحديد بمثابة عينة تجعل من نفسها أنموذجاً لدراسة العداوة السياسية. من تفكيك وتقسيم للبنى الاجتماعية والحزبية وتهديد للسلامة الوطنية – القومية.
ويهدف التفسير الأنثروبولوجي (6) أولا بأول إلى فهم وعي مكونات "العداوة السياسيــة" ومحدادتها الثقافية _الاجتماعية – السياسية، ومخاطرها على الحياة العربية. أي بشكـل أدق وأكثر حرصاً على وحدة النضال العربي، وما يتأتى من وراءه على نضال الوحدة العربية. بمعنى آخر ما يمكن أن ينتج من جراء "العداوة السياسية" من تفكيك وتقسيم للبنى الاجتماعية والحزبية، وتهديد للسلامة الوطنية – القومية.
ويريد أن يصل التفسير الانثروبولوجي لظاهرة " العداوة السياسية" إلى تفكيك بنيتها ومعرفة ما بداخلها من وازع في الالتحام والانقسام وتجليات العصبية في هذا الوازع (7). وإلى استنباط المؤشرات التي تشير إلى أنماط منها مثل: العداوة القبلية. والثأر. والانتقـام. والإقصاء والاجتثاث.الخ..
كما تهدف الدراسة إلى طرح البدائل الثقافية الاجتماعية البناءة، مثل تقوية الحوار الاجتماعي بوصفه سلوكاً اجتماعياً وسياسياً يجب أن يسود ويقوى بين الأحزاب القومية وتنمية القواسم المشتركة وتفعيلها. وهذا يستوجب إظهار ما للعداوة من أدوار ووظائف تصل إلى مستوى تسهيل الاختراق الخارجي، ووقوع الاعتداءات المتكررة على الأمة الخ..... (8)
وعندما يباشر التحليل مهامه فأن غاياته تتسع. وهذا معناه أنَّ دراسة العداوة بين الأحزاب القومية تريد أن تنأى بهذه الأحزاب عن العداءات التقليدية التي عرفتها المجتمعات الأهلية. وأن تجعل منها مواقف عابرة مطرودة بقوة وحدة الأهداف، ووحدة المخاطر والتهديدات التي تحيق بالوطن العربي من كل جانب. وفي هذه الحالة لا في غيرها، فإنَّ الدراسة تسعى أن يكون لها نصيبها في إعادة تأسيس وبناء الأحزاب القومية بناءً سليماً ينطوي على عناصر جديدة وحديثة، قائمة على أساس صياغة ثقافة سياسية تضامنية توحيدية، فيها من القيم والأخلاق السياسية القومية ما يقلل من وقع العداوة ويحولها إلى خلاف في وجهات النظر يمكن حلها في الحوار وفق معيار أن الوطنية هي الجامع لكل أبناء الأمة في معركة المستقبل العربي. وأن المواطنة هي المشترك المقدس.
المباشرة في التفسير الانثروبولوجي:
يبدأ التفسير مهامه بتوضيح شخصيته وتقنياته من خلال التركيز على مظاهر العداوة بين البعث والناصري اعتماداً على حقائق هذه المظاهر في الحياة السياسية العربية، وخاصة في القطرين العربيين السوري والمصري ولكن بعد أن تنوه الدراسة عن التزامها بضرورة الابتعاد عن التفسير النفسي والعضوي، لأن لها شأنها الخاص في تفسير العداوة، ولها أيضا أدواتها في معرفة أساسياتها النفسية والعضوية وثوابتها الموضوعية والذاتية. وإن كان التفسير العضوي يعتمد الجوع سبباً من أسباب العداوة بين الجائع والمتخوم، فإن التفسير الانثروبولوجي السياسي لا ينظر إلى هذا العامل إلا من خلال سياقه الاجتماعي التاريخي، ومن خلال النظام الاجتماعي الموحد. وفي هذه الحالة ينظر التفسير الانثروبولوجي بجدية منهجية إلى دور الصراع الاجتماعي الذي يقوم بين الفقراء والأغنياء في خلق العداوة الطبقية.
ويستبان مما تقدم أن التفسير الانثروبولوجي له أساسياته في تفسير ظاهرة العداوة التي تصل إلى مستوى المنطلقات النظرية التي يستمدها عادة من الواقع المدروس. وهذا شانه مع ظاهرة العداوة السياسية كما في الواقع العربي. أي بين حزب البعث والحزب الناصري. لهذا يلجأ إلى معرفة المفاهيم والمصطلحات التي يستخدمها كلا الحزبين بشان أهداف الأمة وما تعنيـه وأولوياتها وأدواتها، وعلاقة الفكر القومي بالممارسة، وتجليات هذه الأهداف بالنضال والعمل السياسي. ثم موقفهما من القضايا السياسية من تاريخ قيام الجمهورية العربية المتحدة (سنة 1958) وحتى هذه اللحظة. وكذلك نظرة كل حزب إلى هذه القضايا وفهمه لها. ومن ثم نقاط الوحدة والاختلاف بمعنى تشابه المواقف واختلافها أو تباينها. ورؤية المستقبل العربي بعيون قومية وحدوية. ومسألة الاقتراب من هذه الرؤية والابتعاد عنها ومستويات النقد الموجه إلى السلوك السياسي للرئيس جمال عبد الناصر إبان الوحدة السورية المصرية. بالإضافة إلى قضية تحويل مجرى نهر الأردن. وما استجد في العراق في أعقاب الإطاحة بالعهد الملكي. وما تمخض عن ذلك من اختلاف بين البعث وعبد الناصر. زد علي ذلك مسألة إبعاد ضباط البعث من الجيش. ودور الاتحاد القومي. وما كان متفقا عليه حول دور البعث في تنظيماته. الخ..
ووقع الانفصال المشؤوم في عام 1961 وأضاف جملة من الخلافات بين البعث والرئيس جمال عبد الناصر، أخذت حدَّها غداة مباحثات الوحدة الثلاثية بين البعث في سوريا والعراق وعبد الناصر، ولم تنجح الوحدة المشروطة وغير المشروطة بقوة الخلافات والثقة المفقودة بينهما. ونضجت عوامل وشروط العداوة إلى الحد الذي جعل كبير الأمـة الرئيس عبد الناصر يقول قولته التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل الشعبي "لا لقاء مع البعث" (9) وقد كان هذا القول أحد عوامل تسعير العداوة بعد حين بين البعث والناصري وزاد في أثارها.
والمعروف أنَّ الأمة العربية خسرت كثيراً في معاركها النضالية على المستويين الداخلي والخارجي نتيجة هذه العداوة. وجعلتها في موقع ضعيف في الدفاع عن نفسها، أو في إنجاز مهامها النضالية بعد أن كانت في مواقع الهجوم قبل أن تنشأ هذه العداوة خلال عقود الخمسينات والستينات من الألفية الثانية، حيث كانت الأحزاب وحركات التحرر العربية في أغلب الأحيان متحالفة في جبهة واحدة. ولذلك حظيت بشعبية واسعة في سائر الأقطار العربيـة، الأمر الذي مكنهّا من ضرب الإمبريالية في مواقع متعددة. وقد وصل التحالف آنذاك بين البعث وعبد الناصر إلى مستوى وحدة النضال القومي الذي وضع الأمة في مرحلة الدخول الفعلي في نضال الوحدة.
ومن المعروف للأنثروبولوجيا أنَّ التفسير الذي تقوم به لظـاهرة العداوة بين البعث وعبد الناصر يحتاج إلى معرفة واعية بتاريخ الخلاف بينهما من أجل أن يوظفه في تفسير العداوة من جهة، وفي فهم الآليات اللازمة لوحدة النضال، واستيعاب ضروريات نضال الوحدة العربية، وحقائقه على الأرض العربية من جهة أخرى. من أجل أن يتبين رصيد الثقافة السياسية آنذاك في العداوة القائمة الآن وتأثيرها في الحياة العربية الراهنة، وعائدها على الحزبين القوميين البعث والناصري.
ويجد التفسير الأنثروبولوجي نفسه أمام مهمة بحثية-منهجية، وهي ضرورة الإحاطة بتأثير الحملات الإعلامية المتبادلة على العداوة، باعتبارها أحد أهم المتغيرات في الثقافة السياسية. حيث أن هذه الحملات قوت من روح الكراهية. وزادت من خلفيات الانتقام والثأر والصدام المسلح وزادت من الشقاق داخل بنية المجتمع العربي وخاصة في الشارع السياسي.
والتفسير الأنثروبولوجي عندما ينجز المهمة السابقة أي أن يتصورها ويعيدها إلى الخيال الاجتماعي العربي يريد أن يتبين الخلفية الفكرية والعقائدية وحتى النفسية التي تمترست وراء هذه الخلافات والعداوات. وأن يعي ما في جوانيتها من موروثات ثقافية واجتماعية قبلية تحسب على المجتمع الأهلي الذي تقوم العلاقات فيه على أساس قربى الدم والجهة وما فيها من نعرات عصبية تتسلسل بتسلسل مستويات القربى. لأن العداوة في نهاية الأمر تحسب كل سلوك الأفراد والجماعات أثناء الخلاف، أو الأذى، أو الشجار. ولها كثرة من المؤشرات التي تُرى بوضوح لا لبس فيه.
وبما أنّ العداوة كان لها دورها وشأنها في انحسار شعبية الأحزاب العربية وتخطي الجماهير لها، فان متابعتها بالدرس والتحليل والتفسير من وقت إلى آخر، يعد واجباً وطنياً وقومياً. وذلك من أجل معرفة ما إذا كانت العداوة خلال مرحلة تاريخية معينة، وتواجدها في مراحل تاريخية لاحقة قد حافظت على أسبابها وعواملها البنائية، أو أنها أضافت أسباباً جديدة بقوة المتغيرات، وبفعل عمليات التخلي والاكتساب في الثقافة التي تقودها تلك المتغيرات. وما إذا كان للخارج دوره فيها. ثم مستويات هذا الخارج وتأثيراته عليها. وما إذا كانت قد ضعفت أو قويت. وهنا على وجه التحديد، لا بد من رصد دور التحديات الداخلية والخارجية في التقليل من ظاهرة العداوة وردود فعلها.
وباديء ذي بدء يقول التفسير الأنثروبولوجي بمقدماته التي تهيئ الخيال الاجتماعي العربي للوعي والإحاطة بعالم العداوة السياسية أنها يجب أن تزول أو على الأقل أن يعاد تثقيفها – من ثقف العود- أمام المخاطر الخارجية، وخاصة مخاطر العدوان على الأمة العربية الذي نراه اليوم ماثلاً في العراق. وهذا معناه أنَّ متابعة العداوة السياسية بالدرس والتحليل والتفسير لا بد أن يتحول إلى هم وطني وقومي وخاصة لدى المشتغلين بالعلم الاجتماعي وتطبيقاته الحقلية، اعتمادا على أبجديات المنطلقات النظرية للفكر القومي.
ويتجلى من نظرة فاحصة ومحللة في العداوة الموجودة في الحياة الاجتماعية العربية، أنها ظاهرة اجتماعية - ثقافية موجودة في كل البني الاجتماعية. غير أن مستوياتها مختلفة ومتباينة باختلاف أسبابها ومحفزاتها. حيث تبدأ بين شخص وآخر، وبين جماعة وجماعة، وفئة وفئة أخرى. أو بين مجموعة أفراد من هذا الحزب أو ذاك.
وتبدأ العداوة بين الأفراد على شكل تهديد أو وعيد يصدر من شخص إلى آخر، ومن قريب إلى قريبه أو بين أبناء الحي، ومدرسة ومدرسة. والتهديد يختلف باختلاف مستوى العداوة وميكانيزماتها الاجتماعية والثقافية، حيث يبدأ بالإساءة أو التحقير، ويرتفع إلى مستوى الأذى المادي والمعنوي والضرر والحرمان. وقد ينتهي بالقتل أو الإعاقة الخ. وتوجد عدة أنماط أو أنساق من العداوة. مثل العداوة العقائدية والسياسية. والعداوة الجهوية والقبلية، وعداوة المهنة ((الكار)). والعداوة الحزبية هي أحد أنماط أو أشكال العداوة السياسية.
كما أن مظاهر العداوة مختلفة ومتباينة في المضمون والفعل العدائي. ولكل عداوة عصبية تغذيها وتزيد من سعيرها. كما تقرر مستوياتها وقانون الفعل ورد الفعل فيها في حال تحول العداوة إلى شجار وصراع أو قتال وثأر. وهذه العصبيات تكون محكومة في كل عداوة إلى مستوى القربى فيها - دموية. عقائدية - سياسية. حزبية. جهوية. عشائرية - وهذه العداوة بكل أشكالها وألوانها ومضامينها لها محدداتها الاجتماعية والثقافية التي تختلف من مجتمع إلى آخر. ولكنها "أي المحددات"، لا تخلو على الإطلاق من عناصر ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍمشتركة، حتى مع ثقافات أجنبية أو خارجية.
المحددات الثقافية - الاجتماعية للعداوة (10)
تختلف المحددات الثقافية - والاجتماعية باختلاف المجتمعات. أي باختلاف شخصياتها الاجتماعية. وارثها الثقافي. حيث أن لكل مجتمع أو أمة مجالها الجغرافي والبشرى والزمني، الأمر الذي يجعل هذه المجتمعات لها محدداتها الثقافية - الاجتماعية رغم اتصالها الثقافي - والإعلامي. والعداوة تختلف داخل المجتمع الواحد من مرحلة تاريخية إلى أخرى. فالعداوة في المجتمع في مرحلته الأهلية تختلف عنه في مرحلته ا المدنية. وتختلف أيضا في مرحلته الزراعية عن مرحلته الصناعية. وكل تطور أو تغير يحدث في القاعدة التحتية للمجتمع وفي الفكر يؤدى إلى إحداث تغيرات في المحددات الثقافية والاجتماعية للعداوة. كما يؤدى إلى تغير في قانون الفعل ورد الفعل أي ما ينتج عنه وفي آلياته.
ويمكن رسم خارطة لهذه المحددات تتكون خطوطها وتضاريسها ومواقعها ومكانتها من العناصر الثقافية - الاجتماعية الآتية: (11)
1 - التعاون الاجتماعي. 2 - الاستغلال الطبقي. 3 - تكاثر عوامل الانقسام داخل الأسرة والجماعة والحزب والمجتمع. 4 – الإحباط. 5 – الحرمان. 6 – الفساد. 7 – الاستبداد. 8 - عدم الأمان. 9 – الفقر. 10 - ضعف الاندماج الاجتماعي. 11 – التعصب. 12 - النزاعات الاستعلائية. 13 – التفرقة. 14 – التحيز. 15 - التوتر الأسري والمجتمعي. 16 - صراع وتناقض القيم في الولاء والانتماء والتحزب. 17 - وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب. 18 - التهديد الداخلي والخارجي. 19 - الاختراق الخارجي. 20 - الثقافة السياسية. 21 - السياسة الثقافية. 22 – النفاق. 23 – الشطارة. 24 – الأنا. 25 – العشائرية. 26 - علاقات قربي الدم.
والملاحظ أن هذه المحددات تفعل فعلها في ظهور العداوة وفي انتشارها داخل البني الاجتماعية. كما تؤدى إلى تعالي حدتها، وتعاظم مستوياتها، سواء علي مستوى الأفراد والجماعات والمجتمعات والأمم. وقد تكون بعض هذه المحددات لها دورها في إضفاء طابع معين ومحدد على ظاهرة العداوة داخل البناء الاجتماعي.
فروض الدراسة عن العداوة (12)
غاية هذه الفروض الإحاطة الكاملة بظاهرة العداوة من أجل معرفة أسبابها القريبة والبعيدة وطريقة فعلها في سلوك الأفراد، وكيفية فعلها والآليات التي تعتمد عليها في إحداث الأذى والانشقاق والانقسام، وفي توليد الكراهية. وفي إعطاء التفسير الأنثروبولوجي قسماته الأخيرة، وتوضيح صورته، وإزالة الالتباس إذا حدث.
الفرض الأول:
تتكاثر مظاهر العداوة ومستوياتها ونماذجها كلما تتكاثر أسبابها وعواملها مثل القيم غير السوية، والانحياز..الخ
الفرض الثاني:
تقل العداوة وتتضاءل ونأخذ أنماط أخرى في حال الانتقال من المجتمع الأهلي إلى المجتمع المدني، وأيضا إذا تكاثرت مستويات الاندماج الاجتماعي، والوحدة الاجتماعية، وضعفت التناقضات الاجتماعية، وعم العدل الاجتماعي.
الفرض الثالث:
كلما تعاظمت التغيرات داخل البناء الاجتماعي وأخذت أشكال جديدة، واستقرت على حالة سوية، كلما قلت مشاعر العداوة بين الناس.
ويستبان من هذه الفروض أن ثمة أطراف عدة تشترك في تكوين ظاهرة العداوة. مثل المجتمع بأفراده وأسره وعائلاته، وثقافة متنوعة بعناصرها، وأرض يعيش عليها ناس. وزمن يتكون منه تاريخهم وترمز الدراسة إلى المجتمع بدائرة كبيرة يعيش ويتعايش بداخله الأفراد والجماعات التي يتكون منها هذا المجتمع. وهم ينقسمون ويتواصلون بشبكة كبيرة من العلاقات والروابط المجتمعة، وترمز إليهم الدراسة بدائرة داخل الدائرة الكبيرة. وتوجد دائرة ثالثة تتوسط الدائرة الأول والثانية وهي الثقافة، ذلك الكل الذي يمثل العادات والتقاليد والقيم والأعراف والنتاج المادي والروحي والاجتماعي للمجتمع. وتشكل الثقافة المحدد لماهية العداوة وطابعها الاجتماعي والنفسي، ومعالمها الاجتماعية. وتحدد أيضاً وجهتها وما ينتج عنها من سلوك اجتماعي ويمثلها الشكل الآتي:

نلاحظ من خلال هذا الشكل أن هناك أشكال ومستويات وأنماط من التواصل بين الدوائر الثلاث، وهذا له دلالاته، حيث تنشأ بفعل التواصل مستويات من التأثير والاعتماد الوظيفي المتبادل، حيث لا يوجد عنصر ثقافي واحد بمعزل عن وظيفته، وتقوم هذا الوظائف بالتفاعل وتبادل الأدوار والمهام بينها. ومنها ومن اعتماداتها الوظيفية تنشأ الحياة الاجتماعية بكل ظواهرها وأحداثها ووقائعها الكبيرة والصغيرة. وهذا شأن أو حال ظاهرة العداوة.
إن نظرة متفحصة إلى الشكل السابق كحاله بنائية فإننا نجد فيه مجموعة من المتغيرات الرئيسة والثانوية، ومجموعة مركبة من التحولات التي تجعل المجتمع ينتقل من حال إلى حال. وهذا أيضاً شأن العداوة كمتغير تنتقل فيه من وضع بنائي إلى وضع بنائي آخر، فهي متغير متحول محكومة بقوانين المجتمع. فكل حالة تنتج أنماط من العداوة محكومة إلى محدداتها الثـقافية وزمنها ومجالها الجغرافي.
ونعود إلى الفروض، ونستخلص منها أن المحددات الثقافية – الاجتماعية ليست واحدة في كل أنماط العداوة ومستوياتها، وإنما هي مختلفة باختلاف علاقـات الإنتاج، وتوافقاتها الثقافيـة الأخلاقية وروح العصر. ومع ذلك فإن بينها قواسم مشتركة، سواء كانت داخل المجتمع الواحد أو الأمم، أو العصر التي هي فيه.
وتؤكد الفروض أن المحددات الثقافية – الاجتماعية للعداوة تتأطر في حالة من حالاتها إلى سلوك فردي مرّة واجتماعي مرّة أخرى، ومجتمعي مرّة ثالثة. وفي هذه الحالات الثلاث تتحول إما إلى تهديد أو أذى أو ثأر أو قصاص، أو حروب واقتتال طائفي أو أثنى. الخ. وهذه العداوات كلها تكسب طابعها من البناء الاجتماعي التي توجد فيه، أو تنتمي إليه. ومادامت العداوة تتجسد على شكل سلوك فإنها إما أن تكون سياسية، أو اجتماعية، أو ثقافية، أو مهنية. وكل واحدة من هذه العداوات لها آلياتها وردود فعلها التي تحولها إلى فعل اجتماعي.
نماذج من الأفعال التي تعبر عن العداوة بين البعث والناصري:
العداوة، كما أسلفنا، ظاهرة إنسانية، بمعنى أنها عبارة عن سلوك اجتماعي يمارسه الإنسان.
إذاً، فالعداوة ليست واحدة في فعلها وردود فعلها وإنما هي نماذج من تصرفات الإنسان تجاه الآخرين. وهذا التصرف لا يقبله الطرف الآخر، وإنما يرد عليه بتصرف آخر يشابهه، أو يختلف عنه. ويكون هذا التصرف على شكل أذى للآخر أو كراهية أو كلمات نابية كما أسلفنا، وبهذا المعنى يقول د. عويس (13)" والملاحظ، أيضاً، أنّ جميع الناس.. أي الأفراد الذين يعيشون في المجتمـع الإنساني.. يظهرون هذا الشعور بالعداوة تجاه غيرهم من الناس أو من الجماعات (..) وقد يكون الشعور في المجتمع شعوراً موجهاً أو شعوراً غير موجه.. وهو في بعض الأحيان شعور فردي أو شخصي، وقد يكون شعوراً جماعياً".
وفي كل حالات الشعور بالعداوة، نلاحظ أنه يؤدي فعلاً ضاراً أو مؤذياً تجاه الآخر. وهذا حال العداوة بين حزب البعث والحزب الناصري كما نزعم. وهي، أي العداوة، تتراوح جيئـة وذهاباً بين تلك المستويات. فهي مرّة تظهر بأن أحدهما أكثر وحدوية من الآخر. ومرَّة ثانية أكثر جدية في النضال الشعبي القومي. ومرّة ثالثة أكثر أصالة واقتراباً من حقائق الفكر القومي. ولذلك فإن كلاهما يوظف إعلامه وأجهزة التعبئة السياسية والقومية للنيل من الآخر.
وعلى هذا الأساس يبحث كل طرف عن قوى سياسية تتحالف معه، وتدخل طرفاً في معادلته السياسية حتى وإن كانت غير قومية، لينتصر أو يقوى بها ضد الآخر.
قياس مستويات العداوة:
الحديث عن قياس العداوة ومستوياتها لا يعني أبداً أن هناك مقاييس أو أوزان نقيس بها العداوة. كما لا توجد أيضاً أجهزة أو آليات نفسية تقاس بها. ولكن ما نعنيه بالقياس هنا هو معرفة الفعل ورد الفعل على الأذى والضرر والمهانة التي تأتي نتيجة عداوة بين شخص وآخر. وما إذا كانت العداوة بمضامينها ومحدداتها الثقافية تؤدي إلى وقوع الأذى والضرر بهذا المستوى أو الحجم أو رد الفعل. فإذا كانت العداوة، على سبيل المثال، تفرض على (س) أن يتجنب الحديث أو الكلام مع (ص) أو أن يعاتبه، أو أن يؤنبه. فالسؤال الفرض لماذا لجأ (س) إلى ضرب (ص) أو شتمه أو إطلاق النار عليه؟
والقياس في هذه الحالة معرفة دور المحددات الوراثية وخلفياتها المتعلقة بالعداوة، مثل حب الوجاهة، والشعور بالقوة والفروسية، والدفاع عن اسم العائلة. أيضاً مثل دوافع الثأر والانتقام وسيطرة القيم والأعراف على حساب القانون والمبادىء.
وقياس العداوة ليس واحدا في كل المجتمعات، ولا في كل العصور، وإنما يتطور بتطور المجتمع وانتقاله من حال إلى حال يؤدي إلى اختلاف ظروفه الاقتصادية والاجتماعية. يقول الدكتور عويس (14)" وقياس الشعور بالعداوة في محيط الناس.. أعضاء المجتمع.. تختلف نسبته قوة أو ضعفاً من مجتمع إلى آخر، ومن زمان إلى زمان آخر.. وذلك لاختلاف الناس كأشخاص واختلاف المجتمعات، وتباين الظروف الاجتماعية التي تواجهها هذه المجتمعات".
وتختلف مستويات العداوة في المظهر والمضمون. ومنها ما يكون ظاهراً أو مكبوتاً. ولكل عداوة أسبابها المباشرة وغير المباشرة. ولها أيضاً زمانها ومكانها ومحدداتها الثقافية – الاجتماعية، حيث تبدأ بالظن وتتحول إلى كلام، ثم إلى ضرب مبرح يؤدي إلى الموت، وبهذا المعنى يقول الدكتور عويس (15)" ومقدار الشعور بالعداوة يعني مظاهره المُلاحظة...أي المظاهر التي يتراوح مداها بين الصراع الجماعي بمعناه المادي، ويبن تحليل الأحلام في دراسة شخصية معينة. وهو.. أي مقدار الشعور بالعداوة في لحظة معينة يختلف، كما سبق أن أوضحنا، اختلافا كبيرا بين الأشخاص وبين الجماعات المعينة وبين النظم الاجتماعية المعينة. كما يختلف بين هؤلاء في الأوقات المختلفة"..
ومن العداوات ما هو متساوي ومتجانس مع الأسباب المباشرة للعداوة. ومنها ما يتحول إلى سلوك يعادل أضعاف أضعاف أسبابه المباشرة. وفي هذه الحالة لا بد أن يباشر التحليل الانثروبولوجي في معرفة ووعي وظائف العناصر الثقافة داخل شخصيات الأفراد، وخاصة القيم والأعراف الرئيسة الآمرة والموجهة لسلوك الأفراد.
ونرافق مرّة أخرى مقاييس العداوة حتى تعيد النظر في أنماط العداوة بين حزب البعث والحزب الناصري، وأسبابها المباشرة وغير المباشرة والمكبوت منها والظاهر، فنجد أن بعض هذه الأنماط تكرر نفسها مرات ومرات وتحمل نفس الأسماء والتوصيفات مثل: النقد، والتجريح، والاتهام بالقطرية والاستبداد. وتصل إلى الصدام والضرب الجسدي والاعتقال. لكنها في كل مرةّ تختلف في الآليات والمضمون والأسباب.
إن الدراسة وهي تتحدث عن أنماط العداوة المتكررة بين حزب البعث والناصري نجد نفسها تقترب في تفسيرها الانثروبولوجي للعداوة من التفسير الاجتماعي الذي يأخذ به د. عويس (16): "ومن أنماط الشعور بالعداوة ما يعتبر عدواناً مزاغاً أو منحرفاًDeflected aggression أي أنه لا ينعكس ضد المصدر الأصلي، بل يحيد عنه وينحرف ضد مصدراً آخر بديل.. وهذا النمط من العدوان يعتبر أيضاً عاملاً من عوامل الصراع العنصري أو الصراع الثقافي. ومن الظروف التي تحدد هذا النمط نجد ألوان الإحباط والحرمان التي تفرضها بعض المصادر الغامضة".
ونمضي في التفسير الانثروبولوجي للعداوة المفترضة بين البعث والناصري، ونجد أنفسنا نقترب مرّة ثانية مما يقوله د. عويس بشأن العداوة (17)".. ما هو إلا انفعال يندفع من شخص ضد آخر. وقد يكون هذا الشعور بغيضاً مقنعاً، أو يكون فعلاً بغيضاً موجهاً ضد شخص آخر. وما الفعل البغيض الموجه ضد شخص آخر إلا تعبيراً ظاهراً عن الشعور بالعداوة ضده".
إذا أخذنا مظاهر الشعور بالعداوة السالفة الذكر، وقمنا بسحبها على الخلاف أو العداوة الموجودة بين البعث والناصري، فإننا نجدها تعيد إنتاج نفسها على نحو وآخر منذ تاريخ نشأة الخلافات بين عبد الناصر وقيادات حزب البعث.
والعداوة المفترضة بين البعث والحزب الناصري تبدو جلية واضحة في الكثير من المواقف السياسية والفكرية والعقائدية. وهي في مرحلته الراهنة نتيجة زيادة حدة التمايز بين مواقف الحزبين (18)" والملاحظ أن الشعور بالعداوة يبدو جلياً.. وربما حتمياً.. عندما تتميز طائفتان من الناس، يتصلون بعضهم ببعض، بسمات متباينة، سواء كانت فطرية أو ثقافية إذا كان التنافس بينهم أمراً واقعياً أو محتملاً".
وتتجلى بوضوح لا لبس فيه عوالم العداوة المفترضة التي تنشأ بين البعث والناصري بفعل الاتصال والتواصل السياسي، والاحتكاك في القضايا الوطنية – القومية الخلافية. وتتمثل في عدد من العناصر الثقافية السياسية – العقائدية المتباينة، والتي تؤدي إما إلى فهم أو مواقف مختلفة وصراعية، تؤججها في بعض الأحيان جملة من الحساسيات المتراكمة، والمشاعر المكبوتة المحبطة. وبهذا المعنى يقول د. عويس (19)"... ومن الظروف التي تحدد هذا النمط نجد ألوان من الإحباط أو الحرمان التي يفرضها بعض المصادر الغامضة. أي المصادر التي يصعب تعريفها أو تحويرها، أو التي يفرضها الأشخاص الذين يكونون من ذوي النفوذ والسلطان على الشخص الذي يمارس هذا النمط من الشعور أو التي تفرضها عليه المنظمات الاجتماعية ذات النفوذ والسلطان (..) ومن الظروف التي تحدد هذا النمط تلك التي تمنع ألوان الشعور بالعداوة المثارة من التعبير المباشر تجاه مصادر الإحباط الأصلية، وبخاصة عندما يكون بديل للهدف الأصلي للعدوان متاحاً، ويكون واضحاً ومن الممكن مهاجمته".
ويرصد التفسير الانثروبولوجي أنماط ومستويات من عمليات الإسقاط، سواء كان إسقاطا يقوم به الفرد الواحد أو جماعياً. فعندما تحدث واقعة أو حدثاً سياسياً قومياً مثل الاعتداء الصهيوني على قطر من الأقطار العربية، ولا يتخذ فيها البعث موقفاً يتوقعه أو يستشرفه الحزب الناصري، أو العكس في كل حالات الحدث، فإنَّ أفراد وجماعات من هذا الحزب أو ذاك يثيرها مستويات من الغضب. ولكنها تضطر لكبته بدافع الخوف من سلطة البعث، أو قوّة شعبية الحزب الناصري.
وتمضي الأيام، وتتجدد الأحداث القومية، وينشأ الاتصال والاحتكاك بين البعث والناصري بشأن واحدة من هذه القضايا.ونلاحظ أن ما جرى بينهما من خلاف لا يعدو أن يكون خلافاً في الرأي. ومع ذلك فإن الخلاف تحول إلى شجار وخناق. الخ..
هنا يبدأ التساؤل ما الذي قاد الخطى إلى الشجار؟ ولماذا العداوة بينهما باتت لافتة للنظر؟
وبعيداً عن القيم المبدئية والقناعات الأيديولوجية، وعن منطق الرغبة نقول : بأن هذا التحول في الخلاف تم بفعل إسقاطات الوقائع والأحداث التي سبقته. إذاً، في الشجار الحادث أشياء من الماضي فعلت فعلها في حاضره.
ويعلمنا تاريخ الحوادث والخلافات بين البعث والناصري أن الانتقام في بعض حالاته لم يقع على الأشخاص الذين افتعلوا الشجار، وإنما تم على غيرهم من هذا الحزب أو ذاك، في أي شجار أو حتى عداوة جرت.
ولا يغفل التفسير الأنثروبولوجي للعداوة دور التحدي الذي ينشأ بين البعث والناصري، واستجابة كل منهما له والتعبير عنه، وظهور هذه الاستجابة بأشكال ومستويات مختلفة من السلوك السياسي - الاجتماعي المصحوب بالعداوة.
ويمكن أن يتجلى عامل التحدي بدور الاستجابة في ظاهرة العداوة بينهما في كثير من القضايا، أبرزها وأقواها الصراع على السلطة، والتنافس على كسب الشارع العربي، وفي التعبير عن القضايا القومية، وفي أنماط ومستويات لها، وكذلك في الصراع على الهوية الحزبية، والتنافس في الانتخابات والتعبئة السياسية.
إلا أن عمليات التحدي والاستجابة ليستا على سوية واحدة في الحزبين، وإنما فيهما مستويات من الاختلاف، سواء كان ذلك في الحالات الفردية والجماعية والمجتمعية. فالعضو له استجابات ربما تكون أكثر عقلانية أو جدية مما لو كان في جماعة، أو العكس تقريباً. وخاصة في العداوات المسكونة بتحديات واستجابات فيها من الماضي الشيء الكثير أو القليل.
والخلاصة، فإنَّ العداوة مهما اختلفت مضامينها ومستوياتها فإنها على الدوام تمثل حالة ثقافية - اجتماعية - سياسية غير سليمة أو صحيحة. ولها فعلها، كما أشرنا، في توسعــة شقـة الانقسامات والانشقاقات.
وفي البحث عن استراتيجية مقترحة لوقف العداوة السياسية بين كل القوى الوطنية والقومية وفي المقدمة الحزب الناصري والبعث، لا بد من امتلاك الأدوات المعرفية والعمليات الإجرائية ومواجهة هذه العداوة بالدرس والتحليل والتمحيص من أجل معرفة بداياتها وتراكماتها وظروفها وأسبابها وعواملها وانعكاساتها على البناء الاجتماعي العربي في كل مستوياته. فالعداوة شئنا أم أبينا تزيد المجتمع العربي انقساماً وانشقاقاً، وتجعل القوى المعادية للأمة العربية تاريخياً تتفرد فيه وتضربه ضربات ماحقة وموجعة.
وثمة دلالات وإشارات تدل على الطريق وتقود خطى الحزب الناصري والبعث إلى التحالف الجبهوي، وأول عواملها الحوار السياسي – الاجتماعي المفتوح وغير المتوقف. والنهوض القيادي "الاستراتيجي " بوظائف كل القيم والأعراف والتقاليد النضالية القومية، والأفكار الوحدوية وتفعيلها في البنى التنظيمية وفي الشارع السياسي. وإشهار ثقافة وحدة النضال العربي على الطريق الديمقراطي والشراكة الشعبية في السلطة باعتبارها الضمانة لسلامة نضال الوحدة العربية.
ومرّة ثانية هنا يبدأ التساؤل من أجل أن نلتقط باستمرار متغيرات العلاقات بين وحدة النضال العربي، ونضال الوحدة العربية. فما زال هناك أمل في أن ترفع الجماهير العربية صوتها. ألم تحقق وحدة النضال العربي انتصارات كبيرة ضد المشاريع الإمبريالية ؟ ألم توقف هذه الجماهير أذى الأنظمة التابعة للخارج ؟ ألم يُرَحِّل هذا النضال النقاط الأربع، ويسقط مشروع حلف بغداد، ومشروع "الفراغ في الشرق الأوسط"؟ ألم يزيح النضال الشعبي العربي القواعد العسكرية من أنحاء عدة من الوطن العربي ؟ وكانت علامة مميزة لوحدة النضال العربي أنها قادت خطى الشعب العربي إلى مواقع الهجوم على الإمبريالية الأمريكية الناشئة. وكان له شأنه أيضا في القرار السياسي. قبل أن يتبوأ السلطة الحاكم المستبد ويتفرد بالقرار ويهمش الحركة الشعبية الجماهيرية.
نقول يوم كانت الوطنية والكرامة القومية الشيء والمعنى المشترك بين أبناء الأمة العربية، لأنها غير قابلة للقسمة بين حاكم ومحكوم. فالكل شركاء حقيقيين فيها.
هوامش ومراجع البحث:
1 - د. علي الوردي – محاضرات على طلاب السنة الرابعة – علم اجتماع – 1964 –بغداد
2- د. سيد عويس –محاولة في تفسير الشعور بالعداوة – القاهرة – دار الكتاب العربي – 1968
3 - د. قباري محمد اسماعيل – الأنثروبولوجيا العامة – منشأة المعارف- الإسكندرية – 1970-ص 448-494
4 - د. سيد عويس – المرجع السابق – المقدمة
5 - يرجى الرجوع الى الصحف والمجلات المصرية والسورية في الفترة الممتدة من 1961 حتى عام 1964 وكذلك الصحف العراقية ومن يتضامن مع هذه الجهة أو تلك من الصحف أو المجلات العربية.
6 - حول مفهوم "التفسير الانثروبولوجي" يرجى الرجوع الى الموسوعات المتخصصة في علم الإنسان.
7 - يرجى الرجوع إلى كتابي: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي – حزب البعث العربي الاشتراكي نموذجا – مكتبة مدبولي – 1993.
8 - حول فكرة خسارة الأمة العربية نتيجة الخلاف بين البعث وعبد الناصر هناك العديد من الكتاب العرب من يشاركني في هذه القناعة.
9 – عز الدين دياب – المرجع السابق.
10 - حول فكرة المحدادات الثقافية الاجتماعية للظاهرة البنائية يرجى الرجوع إلى كتاب الدكتور أحمد أبو زيد – البناء الاجتماعي الجزء الأول والثاني ط2 الهيئة المصرية العامة للكتاب –مصر 1967.
11 - د. سيد عويس – المرجع السابق – الفصل الأول.
12 - حول مسألة الفروض في الدراسات الأنثروبولوجية يرجى الرجوع إلى محاضراتنا التي ألقيناها على طلاب السنة الأولى والثانية – قسم علم الاجتماع – جامعة دمشق – كلية الآداب 2004.
13 - د. سيد عويس – المرجع السابق – ص 45.
14- المرجع السابق ص 45.
15 - المرجع السابق ص 46.
16 - المرجع السابق ص 43.
17 - المرجع السابق ص 44.
18 - المرجع السابق ص 47-48.
19 - المرجع السابق ص 49.