أضاحي الاتباع في عيد الأضحى

د. عوده بطرس عوده *

الأصل في عيد الأضحى المبارك الذي أصبح ركنا أساسيا في الإسلام، أن يقدم المؤمن أضحية للإله الواحد الذي نؤمن به، اقتداء بجد الأنبياء ابراهيم الخليل الذي استجاب لنداء ربه واقتاد ابنه اسماعيل إلى حيث دعاه ليذبحه ويقدمه قربانا. وكانت هذه الاستجابة كافية عند الله سبحانه وتعالى، وارتضى بذبح كبش قربانا وغفرانا عما سبق من ذنوب وخطايا. وتجدر الملاحظة هنا أن الله القدير خالق السماوات والأرض امتحن ابراهيم بأعز وأحب ما لديه وهو ابنه. فكانت الاستجابة تعبيرا عن الإيمان الصادق.

ينطبق هذا بالمعكوس على ما يجري في زماننا وأيامنا. فالأضحيات والقرابين التي يقدمها اتباع أمريكا الصهيونية من حكامنا هي أعز وأثمن ما تريده أمريكا وتقترف الجرائم والموبقات في سبيل الحصول عليه وتنتهك الشرائع السماوية والقوانين والمعاهدات التي استخلصتها البشرية من ويلاتها وحروبها ومآسيها.

لم يكن أغلى وأعز في تاريخ أمتنا الحديث من زعيمها الخالد جمال عبد الناصر، الذي قاد ثورة حرر بها الوطن العربي بكل تقسيماته من أعدائه الاستعماريين، وباشر وضع حجر الأساس في إعادته لأصالته الوحدوية بإقامة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، فكانت بمثابة الكماشة المطبقة على "اسرائيل" من الجنوب والشمال. وواصل بعدها الانطلاق بالجماهير الملتفة حوله في اتجاه هدف إستراتيجي لم يحد عنه وهو الانتقال بأمتنا من العصر المتردي الذي تعيشه. ومن أجل هذه الغاية بدا في إرسال النوابغ من أبناء الأمة إلى الجامعات العالمية ذات التخصصات العصرية، وإرسال البعثات التعليمية إلى تقسيمات مشرقنا العربي وبدل أن تتضافر الجهود مع هذا الطموح تسابق اتباع إنجلترا وأمريكا وأوروبا الرأسمالية إلى وضع أنفسهم مع المنتفعين منهم في خدمة الأعداء وقدموه قربانا على مذبح البيت الأبيض. واحتضنوا السادات بعده ليقودهم في مسيرة الاستسلام وتدمير كل ما أنجز لمصر.

لقد تجددت روح الحياة في أمتنا عندما بادر العراق بقيادة صدام حسين إلى حمل راية الطموح العربي التي أسقطها السادات على أرض الكنيست الصهيوني، وداسها بقدميه على أرض "كامب ديفيد". وأصبح العراق بزعامة رئيسه الطموح أملا لهذه الأمة التي اختارها سبحانه وتعالى لحمل رسالة الإسلام بقرآنها الذي أنزل على رسوله نبينا العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي وحد أمتنا بالإسلام وغدت صاحبة حضارة إنسانية. ولأن العراق غنى بالنفط والثروات الطبيعية والبشرية فقد استثمرها صدام حسين في خدمة ما تصبو إليه جماهيرها. وهذا يتعارض تماما مع مصالح الانتهازيين ومصالح الطامعين في جعل الوطن الكبير منطقة مفتوحة للنهب الرأسمالي والهيمنة "الاسرائيلية" فكل ما يهمهم أن يبقوا حكاما! وفى سبيل ذلك ضحوا بالعراق ورئيسه قربانا للبيت الأبيض!

وارتضوا بفضيحة ما فعلوا وما فعل البعض من أبناء العراق الذين جعلهم المقاومون الأبطال قابعين في خدمة الأمريكان من داخل دباباتهم لا يجرؤون على الظهور!

الدور الآن على الانتفاضة الجهادية الاستشهادية الفلسطينية لتقديمها ذبيحة وقربانا على مذبح البيت الأبيض الصهيوني! فهذه الانتفاضة فضحت أكذوبة "الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر"، وخلخلت كيان مجتمع الغزاة وجعلت الكثيرين من مثقفيهم، وأبرزهم "يوسى بيلين"، يتوقعون نهاية "اسرائيل" في غضون عشر سنوات ما لم تتمكن سلطة أوسلو من إطفاء نيرانها كما فعلت في العام 1994! وآمالهم الآن على الذين فاوضوا سرا ووقعوا علانية، على ذلك الاتفاق الاستسلامي المهين. وهم الآن الذين ورثوا ياسر عرفات، والجهود تتركز عليهم، عربيا! وأوروبيا بزعامة الاتحاد الأوروبي! وأمريكيا بزعامة بوش الابن وعصابته، الذي كان يأمل بتصفية هذه القضية الفلسطينية في العام الأخير من ولايته الثانية 2008! فأصبح بعد التطورات الأخيرة في السلطة الفلسطينية يأمل في تحقيق ذلك خلال العام الجاري 2005!

المطلوب من محمود عباس أن يأتيهم بالانتفاضة أضحية على مذبح البيت الأبيض فيصبح بذلك عضوا في قطيع الذين يذبحون في هذه الأمة العربية الإسلامية. فحذاركم يا أبطال هذه الانتفاضة الاستشهادية!

* عن (موقع العرب أونلاين)