خذوا حريّتكم وانزلوا عن ظهورنا

رشاد أبو شاور/روائي من فلسطين يقيم في الأردن

في مجموعته القصصية: القرية القرية وانتحار رائد الفضاء، والتي تضّم عدداً من القصص القصيرة، توجد قصّة بعنوان (الفرار إلى جهنم)، يشكو فيها مؤلفها العقيد معمّر القذافي - يصعب علينا أن ننسى أنه عقيد وأنه حاكم - من استبداد الجموع، الجماهير، وتقلبات عقلها ومزاجها، وطغيانها على الفرد. البطل في القصّة بدوي صافي النفس، معطاء وخيّر، وهب حياته لتلك الجموع، فجّر بعصا موسى الينبوع لتشرب السابلة والدهماء، تلك التي لا ترتوي، الشرهة المطالبة دائماً بالمزيد.

(أمّا طغيان الجموع فهو أشّد صنوف الطغيان، فمن يقف أمام التيّار الجارف، والقوة الشاملة العمياء؟) بعض ما جاء في ما يفترض أنها قصّة.

يتساءل الحاكم صاحب الشكوى في القصّة: ثمّ على فكرة، لماذا لا تعطونني جواز سفر؟ ولكن، ماذا أعمل به؟ فأنا ممنوع من الخروج لغرض السياحة، أو العلاج، إلاّ إذا كنت مكلّفاً بمهمة فقط، لذا قررت أن أفّر إلى جهنم.

يفّر كاتب القصّة البدوي البريء المضحّي براحته، وخصوصياته لمصلحة الجموع إلى جهنم ليلتقي بنفسه التي تباعد بينه وبينها الجموع، تلك التي لم تخصص له كرسيّاً في دار خيالة - سينما - أو طاولة في مقهى.

القصّة تصوّر معاناة الحاكم، شعوره بالوحشة والخيبة، حذره من الجموع المتقلّبة المزاج. إنها شكوى الفرد من المجموع، الفرد الحاكم من الرعيّة الجاحدة!

هذه القصّة، وهي فعلاً قريبة من أن تكون قصّة قصيرة وبشروط فنيّة لا بأس بها - مع التذكير بأن كاتبها ليس يحيي حقّي، أو يوسف إدريس - عدت وقرأتها من جديد، والذي دفعني لقراءتها هو الرئيس حسني مبارك شخصيّاً، الذي لا أدري إن كان قد قرأ القصّة وتأثّر بها كونها تعبّر عن معاناة الحكّام العرب المقموعين من جماهير جشعة، متقلّبة، لا يرضيها شيء، متطلّبة، وناكرة للجميل!.

في مصر ترشّح للرئاسة ثلاثة للمنافسة على منصب رئيس الجمهورية في مواجهة الرئيس حسني مبارك الذي يستعد لدورة خامسة. الرئيس مبارك يحكم مصر منذ اغتيال السادات عام 81، يعني منذ 23 سنة مفتوحة...

ترشّحت الدكتورة نوال السعداوي، صاحبة الكتابات التثقيفية في أمور الحياة الجنسية للرجل والمرأة، والمناضلة من أجل المساواة، والروائية الجّادة التي احتفي بها في الوطن العربي الكبير. أيضاً ترشّح الدكتور سعد الدين إبراهيم رئيس مركز ابن خلدون، والمتهم بعلاقات أمريكية داعمة.

الرئيس مبارك جاوب على سؤال حول ترشّح ثلاثة في مواجهته: والله يتفضلوا، يتفضلوا دي حاجة كويسة. الديمقراطية كده. يا رّب يترشح ميّة، أنا حازعل ليه؟ أنا ما أزعلش!!...

أنا شخصياً شجّعني هذا الكلام على الإفصاح عمّا في نفوس العّامة، ردّاً على قصّة العقيد وتصريحات السيّد الرئيس والتي فاجأتنا بعمق ألم الحكّام العرب أجمعين، وتضحياتهم التي لم يرّد عليها بكلمة طيبّة، وثناء تستحقّه، والتي تجهد أن تصحح الفكرة المغلوطة التي تدّعي بأن الجماهير في بلاد العرب تفتقد الديمقراطية، والمساواة، والحريّة، في حين أن الحكّام مظلومون جداً، وهو ربّما ما يستدعي تدخلاً أمريكياً لإسقاط الجماهير وتصحيح الأوضاع!!....

أنا متعشّم أن الرئيس مبارك لن يزعل من كوني لست مصرياً، يشفع لي حبي القوي لمصر، وأنا ما احبهاش ليه؟ وهذا ما يبيح لي أن أدلي بدلوي في مسألة الانتخابات الرئاسية في مصر وأخواتها العربيّات المستنسخات...

الرئيس شكا بحرقة - وهذا ما ذكرني بقصّة الكاتب العقيد معمّر القذافي -: أنا أظل جالس وسط الجدران حتى عند سفري للخارج. فمن أجل الأمن الذي يحاط به الرؤساء لا أستطيع أن أخرج من الفندق الذي أتواجد فيه. أقضي المهمة وأرجع. لذلك دائماً، فما أن تنتهي المهمّة حتى أستقل الطائرة وأعود مباشرة. لكن الحريّة مفقودة، يعني رئيس مصر يبقى معتقل...

واضح أن هذا هو حال الحكّام العرب، فهم لا يشمّون الهواء، لا يجلس واحدهم على المقهى ويطلب واحد شاي، أو حلبة، أو كركدية.. نفس شيشة.

إن واحدهم فعلاً فاقد للحريّة، وعلشان كده فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ساواك مع نفسه فما ظلم، والجموع بحسب قصّة (الجحيم) هوائية، متقلّبة، جاحدة، ومش متربيّة، يوم ترفع هانيبال على الأكتاف، وثاني يوم تدفعه لتجرّع السّم كما تقول قصّة العقيد.

صفنت في كلام الرئيس مبارك، ووجدتني أطرح أسئلة وكأنني في اجتماع يحضره الرؤساء والملوك والأمراء وأمين عام الجامعة العربية: يا جماعة، من ضربكم على أيديكم لترضوا بالحال الذي أنتم فيه؟ لماذا لا تكون لكم نقابة بحيث تصون حقوقكم، وتنصفكم من عسف الجماهير العربية المستبدة؟ انزلوا عن ظهورنا جماعياً، وتوجهوا إلى أقرب مقهى واجلسوا هناك، العبوا الورق، وثرثروا، واستغيبوا الحكّام الذين سيأتون بعدكم، وانتسبوا لمنظمات سريّة تناضل ضد القمع، واستمتعوا بالهرب من البوليس السرّي، عندئذ ستشرع ألسنتكم في هجاء الحكّام بأصوات منخفضة، وبنظرات مائلة خشية أن تلتقط الآذان المترصّدة كلماتكم القادحة للمقامات العليا؟

روحوا سيما يا جماعة!

روحوا - لن أقول لكم روحوا إلى المسجد حتى لا يلقى عليكم القبض بعد فترة من ترددكم عليه بتهمة الانتماء لتنظيمات متطرّفة - تفسّحوا في شرم الشيخ، أو في أي شرم. معكم مصاري كثير.. وهي ليست من رواتبكم، ومع ذلك إذا ما وعدتمونا نحن الجماهير المستبدّة.. أن تحلّوا عن ظهورنا، وعن سمانا.. فنحن لن نشهر في وجوهكم قانون: من أين لك هذا؟ المهم تنبسطوا!.. صدقوني سنفرح لكم، سنعمل لكم فراقاً رسمياً في المطارات، وسنلّوّح لكم بأغصان الزيتون، فلا تسقطوا أغصان الزيتون من أيدينا!..

الديمقراطية؟ إنها ما قرأتموه عن سيدنا عمر الذي كان ينام في ظل نخلة ويضع حجراً تحت رأسه، وكيف لم يصدق مبعوث القيصر ما رأى، فثنى رسن جواده وقال: هزمت إمبراطوريتنا!...

نحن نراكم في حالة العزلة فنقول: إذا كانت حياة حكّامنا دائماً بين الجدران والحراسات المشددة فقد هزمنا ورب الكعبة. بالله عليكم ما المتعة في المناصب التي تشغلونها، وما اللذة؟!

أنتم مرتابون منّا دائماً، لا تثقون بنا، تحسدوننا لأننا نتكوّم في المقاهي، نحن نلوذ بدور السينما لنتّخذ من الأفلام الهنديّة لنبكي (جماعة)!.

منشان الله تنزلوا عن ظهورنا، تحرروا منّا، فحياتنا وإيّاكم جحيم أيها الأخوة الأعداء...