كم سيكون حجم الهزيمة الأمريكية في العراق؟

د. ثائر دوري/سورية

من بديهيات العلم العسكري أن تحقيق النصر يتم بطريقتين، إما أن تدمر عدوك بالكامل، أو أن يقتنع عدوك بهزيمته.  الطريقة الأولى عبر عنها الأدميرال وليام هولزي بشكل فج ودون رتوش أثناء معارك الحرب العالمية الثانية، فبعد تكليفه المشاركة في قيادة حرب الولايات المتحدة على اليابان من 1941 إلى 1945 وصف الوسيلة إلى الانتصار بأنها توفر الإرادة لـ"قتل اليابانيين، قتل اليابانيين، ثم قتل المزيد من اليابانيين"، والاستمرار في القتل إلى أن "لا يتكلم أحد باليابانية إلاّ في جهنم".

أي أن تبيد العدو بشكل تام. أما الطريقة الأخرى لتحقيق النصر فهي أن تقنع عدوك بهزيمته فتترسخ الهزيمة في داخله بحيث يصبح أسيراً لفكر الهزيمة ويتصرف بناء على آليات الهزيمة.

وأحيانا يتضافر الأمران معاً لتحقيق النصر. فبعد هزيمة عسكرية كاسحة تبدأ حملة ترسيخ الهزيمة داخل نفسية الأمة التي تعرضت للهزيمة العسكرية فإذا نجح الأمر يصبح نصر الطرف الآخر معترفاً به وتاماً.

عبر التاريخ لم توجد طرق أخرى لتحقيق النصر، فإما أن تبيد عدوك بالكامل وإما أن تجعله مقتنعاً بأنه مهزوم، أي أن تهزمه نفسياً. وإذا لم يحدث أي من الأمرين فهذا يعني أن المعركة لم تنته بعد وما زالت مستمرة فصولاً.

تعالوا نتأمل في حروب الولايات المتحدة في العقود الأخيرة خاصة عدوانها على أفغانستان وتحديداً على العراق. وسنستعين بكتاب "هوبرة إمبريالية" الذي كتبه مسؤول رفيع المستوي في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) ونشره باسم مستعار، لأنه ما زال على رأس عمله، وقد أثار الكتاب ضجة كبيرة في حينه ونشرت صحيفة "الحياة" اللندنية أقساماً كبيرة منه بتاريخ 8/8/2004 حيث حلل ما جرى في العراق وأفغانستان وتساءل هل حققت أمريكا النصر؟

يقول الكاتب: ((من الصعب أن نفهم لماذا يعتقد الأميركيون بأن بلدهم خاض أي حرب منذ 1990. فالمؤكد خلال تلك المرحلة أننا عبأنا بعض أو غالبية أو كل قدرتنا العسكرية، واستدعينا أعدادًا كبيرة من الاحتياط والحرس الوطني، وقصفنا أراضي أجنبية، كانت عادة أراضي مسلمين، ونشرنا قواتنا في الخارج، حيث قاتلت بمهارة وشجاعة. لقد أطلقنا ما سميناه حروب تحرير الكويت وإنقاذ جائعي الصومال ودحر الطغيان في هايتي ووقف الصراع في البلقان وإنقاذ كوسوفو من جمهورية الصرب وتخليص أفغانستان من "طالبان" و"القاعدة" وتحرير العراق من صدام وولديه. وبعد كل من هذه العمليات أعلن قادة الولايات المتحدة الانتصار، وأعادوا غالبية القوات والمعدات (عدا ما نراه في الشهور الأخيرة). إنه سجل متميز، كما نقول لأنفسنا في أحيان كثيرة.))..

ويتابع: ((مع ذلك، وعبر 13 سنة من العمليات العسكرية المتكررة، لم نتمكن مرة واحدة من دحر القوات - عسكرية أو شبه عسكرية أو من الرعاع المسلحين - التي حددنا أنها العدو، سواء كانت هذه عصابات هايتي أو أمراء الحرب الصوماليين أو فدائيي صدام حسين أو الملا محمد عمر وصاحبه الهزيل بن لادن. كما لم نسمع عن أرقام لخسائر بشرية كبيرة بين الأعداء، ولم نشاهد أكوام السلاح، ولا أعداداً كبيرة من الأسرى - أي ليس من دليل ملموس على الانتصار سوى إعلانات قادتنا البليغة عنه والمراسيم الدراماتيكية لعودة الجنود، المناسبة أكثر لعودة جيش من المجندين وليس القتلة المحترفين الأشداء الذين يكوّنون قواتنا اليوم. أي إن مسؤولي وقادة أميركا تخلّوا عن تعريف الانتصار بناء على معطيات نوعية وكمية، بل بما يمكن للعسكريين إنجازه خلال مهلة زمنية ضيقة يحددها استراتيجيون سياسيون مسبقاً بناء على تقديرهم مدى تحمل الناخبين لطول الحرب المعينة وكلفتها. وما أن تنتهي المهلة، كما يبدو، حتى نعلن الانتصار ونعيد أبناءنا إلى الوطن.. إنها عموماً عملية مرتبة أنيقة، لكن هل تؤدي حقيقة إلى دحر العدو؟ أم إنها لا تعني أكثر من اضطرار جنود وجنديات أميركا إلى العودة إلى المهمة نفسها، وليس مرة بل ربما مراراً))..

يصل الكاتب إلى أن الولايات المتحدة تخوض حروباً ناقصة متجاهلة أبجدية العلم العسكري، والتي تقول إن النصر يعني إبادة العدو بحيث لا تقوم له قائمة كما عبر عن ذلك الجنرال الأمريكي الأدميرال وليام هولزي "قتل اليابانيين، قتل اليابانيين، ثم قتل المزيد من اليابانيين"، والاستمرار في القتل إلى أن "لا يتكلم أحد باليابانية إلاّ في جهنم".

يقول الكاتب: ((السرعة لتحقيق الانتصار الحاسم كانت دوماً أسلوب أميركا، لكن ليس من أجل حرب قصيرة لا تهزم العدو ولا تكلف الطرفين الكثير من الخسائر. إنه درس أساسي من التاريخ العسكري منذ الاسكندر المقدوني، وهو أيضاً الدرس الذي تقدمه أكاديمياتنا العسكرية وكليات الحرب والرحلات التعليمية للأركان. إنه الدرس المحفور في ذهنية الضباط الأميركيين، وجوابهم التلقائي عندما يطلب منهم تعريف الانتصار. ولهذا السبب من بالغ الغرابة إنه لم يكن هناك جنرال أميركي واحد بما يكفي من الشجاعة الأدبية ليستقيل ويتكلم علناً عن الأخطار المرافقة للأسلوب الأميركي في الحرب منذ حرب العراق في 1991 - وها هما حربانا، بل نصف الحربين، في أفغانستان والعراق تقدمان مثالاً على النتيجة عندما ينصاع الجنرالات بصمت للمتطلبات "السياسية" التي يفرضها قادتنا المدنيون على أسلوب خوض الحرب.))..

ويشرح الكاتب بالتفصيل حرب أفغانستان غير المنتهية

((ما هو خطر فشل كهذا؟ قدرت تقارير أن قوة "طالبان" في 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2001 بنحو 50 ألف مقاتل. وإذا قدرنا - بمبالغة تصل إلى حدود الخيال - أن القوات التي قادتها أميركا قتلت 20 في المئة من المجموع - أي أن أربعين ألف مقاتل، الكثير منهم من المجربين في الحرب، تمكنوا من النجاة ليعودوا إلى القتال يوما ما. وبسبب هوسنا بالحرب السريعة وعدم رغبتنا في الإكثار من القتل أو التعرض له، لم نغلق الحدود - ونعترف أنها مهمة دموية صعبة - وسمحنا لغالبية مقاتلي "طالبان" بالإفلات. وفي نهاية هذه الفوضى وضعنا في كابول قوة تكفي للسيطرة عليها ولكن ليس على بلد بحجم تكساس. ولا يمكننا حالياً تقدير قوة "طالبان" في الوقت الحاضر، لأن دوائر الاستخبارات الأميركية لم تضع تقديراً لها قبل الحرب (وهو فشل آخر) ولذا ليس هناك مقياس أصلي يمكن على أساسه تقويم التقدم. وكانت دراسة بريطانية قدرت قوة "القاعدة" في أفغانستان مطلع الحرب بعشرة آلاف مقاتل. ويعني هذا إذا طبقنا نسبة الخسارة نفسها أن لـ"القاعدة" الآن ثمانية آلاف مقاتل. لكن ليس هناك بالطبع سبيل لإحصاء عدد الذين انضموا إلى التنظيمين منذ 2001، في وقت يتكلم قادة الولايات المتحدة عن مقتل هذا العدد أو ذاك من مقاتلي "طالبان" أو أسر هذا العدد أو ذاك من قادة "القاعدة"، وكأننا نشهد تراجعاً في أعداد المجموعتين عن عدد أصلي معروف لكل منهما))

ويتابع شرحه عن الحرب الأمريكية في العراق فيقول:

((تقدمت القوات الأميركية من الكويت، بسرعة تدعو إلى الإعجاب ووسط تهليل الإعلام، لتصل إلى بغداد في أقل من شهر. بعد ذلك بوقت قليل، أعلن الرئيس جورج بوش في 9 نيسان (أبريل) 2003 اكتمال مهمة الولايات المتحدة في تحرير العراق. لكن القصة، مثل أفغانستان، لا تزال تتتابع فصولاً، وتشير بإلحاح أكثر إلى أن جنرالات أميركا يرتاحون تماماً إلى الانصياع بصمت لسادتهم السياسيين، المطالبين بحرب لا تسيل ما يذكر من الدماء.

الرأي الإعلامي - الأكاديمي السائد هو أن النظام العراقي بداية الحرب كان يملك نحو نصف مليون رجل تحت السلاح. وإذا افترضنا، بالسخاء نفسه في تقديراتنا لأفغانستان، أن التحالف قتل 20 في المئة من هؤلاء فهناك نحو 400 ألف عراقي مدربين وشبه مدربين على القتال عادوا مع أسلحتهم إلى قراهم وبلداتهم، أو بالأحرى أرسلوا إليها، ليواجهوا البطالة هناك، ويجلسوا في انتظار تطور الأمور، ربما مع الاستعداد للمشاركة في حرب دينية أو إثنية مقبلة. كما يقدم العراق مثالاً آخر على المشكلة التي تبدو غير قابلة للحل لدى العسكريين الأميركيين - مشكلة الحدود. فقد فشلوا هنا أيضاً في إغلاق حدود العراق مع ايران وسورية والأردن وتركيا والكويت والعربية السعودية، هذه المرة ليس لمنع عبورها من العراق بل لمنع تدفق الجهاديين من أنحاء العالم الإسلامي))..

يعزو الكاتب خوض أمريكا الحروب دون أن تحسمها إلى مسائل تقنية من قبيل أن الجنرالات ينفذون أوامر السياسيين الذين لا يعرفون شيئاً عن العلم العسكري، أو أن الجنرالات لم يعد لديهم النزاهة الأخلاقية ليظهروا احتجاجهم على هذه الحروب غير المنتهية. متجاهلاً أن ما يحدث هو تعبير عن خلل بنيوي في المجتمع الأمريكي........

إن عقيدة  (الخسائر صفر) التي يتبعها "البنتاغون" في حروب الولايات المتحدة سببها بنية المجتمع الأمريكي التي لا تحتمل أية خسائر بشرية، ولو كانت ضئيلة، لعدة أسباب منها طريقة الحياة الفردية المتطرفة التي يعيشها أفراد هذا المجتمع والتي لا تبصر استمراراً للذات إلا عبر الذات. فإذا  كنت لا أؤمن بالمجتمع وليس لدي أدنى شعور بالجماعة، ولا أنتمي سوى إلى ذاتي، ولا أعتنق سوى فلسفة الاستهلاك وتحقيق الحد الأعلى من المتع الحسية. فما الذي سيدفعني إلى الموت في الحروب؟

الجواب لا شيء.. لأن الذين يضحون في الحروب، هم المؤمنون بقضية، الذين يؤمنون أن ذاتهم الفردية جزء من ذات جماعية، وبالتالي هم يقدمون الجماعة على ذاتهم، فيضحون بذاتهم كي تستمر الجماعة.

كما أن الأفراد الذين يضحون بحيواتهم هم من يملكون عقيدة غائية للحياة. وكل هذه الأمور باتت مفقودة في المجتمع الأمريكي، فحدود الذات هي الذات فقط دون أي امتدادات جماعية.

وتلعب العوامل الاقتصادية دوراً في هذا الأمر فتكلفة تنشئة الطفل في المجتمعات الغربية تتراوح بين (200- 500 ألف دولار) وبالتالي فإن خسارة رجل في الحرب هي خسارة كبيرة لأسباب اقتصادية كما ذكرنا ولندرة المواليد بشكل عام، فالحضارات الغربية هي حضارات هرمة يكاد ينعدم فيها الأطفال وكلها تعرف تراجعاًً سكانياً تعوضه آنياً بواسطة المهاجرين وهذا أمر يتحسسون مخاطره، فقد بدأت تركيبة هذه المجتمعات بالتغير مما يهدد السكان الأصليين فيها بالتحول إلى أقلية.

أي أن الأمر ليس تقنياً كما يحاول ضابط المخابرات المركزية شرحه. بل هو نتيجة حضارة هرمة غير مستعدة  لتقديم أي خسائر بشرية. لقد انعدمت روح التضحية بين أفرادها لأنهم يعيشون ليومهم ومتعهم الحسية فقط.

إن طريقة الولايات المتحدة بخوض الحروب عن طريق الجو، أو من البعيد بالصواريخ العابرة للقارات يضمن لها إلحاق تدمير كبير بالعدو دون أن يمس أفراد جيشها، لكن هذه الطريقة لا تحسم حرباً، فالحسم بحاجة إلى قوات برية  على الأرض، وهذا يعني تقديم خسائر بشرية ولم يعرف التاريخ حروبا بدون خسائر بشرية مهما كان التقدم التكنولوجي كبيراً. لذلك تحجم الإمبراطورية عن إكمال حروبها وتكتفي بإعلان النصرة عبر "هوبرة إعلامية" بينما تستمر الحروب غير المنتهية على الأرض مستنزفة الإمبراطورية، وستقودها إن عاجلاً أو آجلاً إلى كوارث هائلة وهذا عين ما حدث ويحدث في العراق. فقد أعلن السيد بوش النصر من على متن حاملة الطائرات بطريقة هوليودية ليكتشف العالم فيما بعد أن الحرب ما زالت مستمرة في العراق وأن إعلان النصر كان مبكراً جداً.

ويخلص الكاتب: ((ولذا لا بد من أن يدركوا أن الحروب منذ 1991 لم تأت بالانتصار، وأنها في أفضل الأحوال كبحت آنياً بعض المشاكل التي ستعود إلى البروز لتكلف أميركا المزيد من المال والدماء))

ثانياً - الهزيمة النفسية:

أنت تحقق النصر عندما يقتنع عدوك أنه قد هزم فيكف عن محاولة تغيير الواقع، ثم يبدأ بالتصرف بناءاً على حقيقة أنه مهزوم، فيبني حياته ويخطط لمستقبله ويربي أولاده بناءاً على حقيقة الهزيمة. وبالتالي يصبح للهزيمة آلياتها الذاتية في بنى مجتمع عدوك. ما عدا ذلك فالمعركة لم تحسم بعد ورجحان كفة طرف على طرف آخر ممكنة في كل لحظة.

لقد اشتغل الغرب على ترسيخ فكر الهزيمة في أمتنا، فجند مثقفين وساسة واخترع معاهد أبحاث ودور نشر ومحطات تلفزيونية لترسيخ الهزيمة في عقل ونفسية أمتنا. كان العدو يدرك أن عمله على هذه الجبهة سيقرر نتيجة المعركة.

ماذا كانت النتيجة؟

رغم كل ما بذله العدو من جهد هائل على هذه الجبهة فإن ما نراه اليوم، من ثورة وتمرد وروح مقاومة تجتاح المجتمع الفلسطيني بأكمله من نساء، ورجال، وأطفال،  يؤكد أن كل الجهود التي بذلها الغرب بهذا المضمار كانت عديمة الجدوى، فالشعب العربي الفلسطيني قادر دائماً أن يعيد الأمور إلى المربع الأول، إلى لحظة إنشاء الكيان الصهيوني، فكأن نصف قرن من تطويع الأمة وضربها بكل صنوف الأسلحة قد ذهب هباءاً منثوراً. وكأن الكيان الصهيوني يضطر لخوض معركة زرعه في قلب الوطن العربي كل يوم، وهذا أمر جعل بعض عقلاء الصهاينة يدركون عبثية محاولة غرس كيانهم الغريب في أمة لن تقبله ولن تقتنع بهزيمتها أبداً.........

إن أجيال اللاجئين التي لم تعرف فلسطين سوى على الخريطة، فقد ولدت وعاشت في مخيمات الشتات، تبدو اليوم أكثر صلابة وأشد تصميماً على العودة إلى وطنها. فهي غير مستعدة للتفريط بوطن لم تعرفه إنما سمعت عنه من جيل الآباء والأجداد، وهذا أمر يجعل الكيان الصهيوني يفقد صوابه فيبطش بآلته العسكرية بحماقة قل نظيرها، ويجعل مجرد تمسك الفلسطينيين بحق العودة تهديد لوجوده برمته.

ماذا عن العراق؟

قبل الحرب ونتيجة تعقيدات الوضع العراقي وأجواء الحصار وطبيعة النظام، كان هناك تشتت هائل بالرأي، فمن راغب بالخلاص من وضع الحصار و"من النظام ولو على يد الشيطان" (بعض هؤلاء كانوا مخدوعين وبعضهم كان منخرطاً بالمشروع الأمريكي) إلى يائس............الخ. الأمر الذي جعل مجرد تبادل حديث منطقي مع بعض العراقيين أمراًُ غاية في الصعوبة. لكن ما إن حدث العدوان وأصبحت البلد محتلة حتى زالت كل التحفظات السابقة فحسم المترددون أمرهم و تخلص بعض من تعلق بأوهام الخلاص ولو على يد الشيطان من أوهامهم وشاهدنا توحداً بالرأي وكأن كل الناس على قلب رجل واحد، معاد للاحتلال، وصوت مقاوم عالي النبرة (بالطبع نستثني من انخرط بالمشروع الأمريكي) فكأن الأمريكي قام بإطلاق المارد من قمقمه، فهذا العراقي المنهك المتعب من الحروب المتوالية ومن تعقيدات الوضع الداخلي.............الخ. نفض عنه كل هذا التعب ونهض وكله حيوية وكأن روحاً جديدة قد دبت بعروقه. فكأنه تجسيد حي لقول المتنبي:

كم قد قتلت وكم مت عندكم      ثم انتفضت فزال القبر والكفن

لقد مرغ المسلم - العربي - العراقي أنف الإمبراطورية الأمريكية بالوحل، وجعلها لا تعرف رأسها من قدميها. لقد قلب الطاولة أمامها محولاً أحلام الوليمة النفطية إلى كوابيس مرعبة. ولم يعد يكتفي بتحرير بغداد بل نراه يفكر بالقدس وكأن بغداد صارت مضمونة..........

لقد انهار كل ما راهن عليه الأمريكان  لكسب الحرب، فلا قوة لديهم لإبادة الخصم ولا نفعت معاهدهم ولا مثقفيهم من المارينز العرب بترسيخ فكرة الهزيمة في نفوس العراقيين.............

بعض من لا يقرأ ون التاريخ ما زالوا يتساءلون: هل ستهزم أمريكا في العراق؟

لهؤلاء نقول لقد وقعت الهزيمة. لكن السؤال يجب أن يكون عن حجم هذه الهزيمة. هل ستكون في بغداد فقط؟ أم في بغداد والقدس؟ أم ستمتد إلى عواصم العالم كله معلنة بداية نظام عالمي جديد أكثر إنسانية؟ هذا ما ستخبرنا به قادمات الأيام. وهي أيام حبلى فانتظروا......